هل هناك صراع بين الذكور والإناث على بطولة أفلام "ديزني"؟

شركة الانتاج السينمائي ترى انها تحتاج إلى "خدعة" لجذب الصبيان إلى مشاهدة أفلام رسوم متحركة

بعد تاريخ طويل من تقديم أفلام رسوم متحركة بطلاتها إناث، تعاني "ديزني" من مأزق صعب مع جمهورها من الذكور (ديزني)

بنفس القدر الذي تسيطر به أميرات "ديزني" على رسومها المتحركة، بقدر ما يبدو أنهن يجلبن لها، بطريقة غريبة، شيئاً من الخزي. إذ وضع فيلم "فروزن 2" الذي بدأ عرضه في دور السينما هذا الأسبوع، الشقيقتين اللتين تفرّقتا في السابق، الأميرتين المتمردتين آنا وإلسا، في محور المواد الترويجية للعمل، ما يعكس مدى السرعة التي أصبحت فيها الفتاتان مشهورتين في أعقاب الفيلم الأول. يا إلهي، لقد كبر جيل كامل من الأطفال مع هذا الثنائي.

ولكن إذا كانت معرفتكم بـ"فروزن" تقتصر على الحملة الترويجية الأولية للفيلم الجديد، لاسيما أول مقطع تروجي جرى نشره، فقد تفاجئكم معرفة أن الفتاتين موجودتان أصلاً في الفيلم! إذ كان نجم المقطع الترويجي الأول أولاف، رجل الثلج الأخرق الذي ابتدعته مخيلتا الشخصيتين الرئيسيتين الفعليتين للفيلم.

بدا ذلك المقطع الترويجي الذي يمثّل كوميديا حركية لطيفة بدون حوار، يظهر فيها أيضاً غزال الرنّة المحبب سفين، كأنه إشارة إلى أفلام "عصر الجليد" ("آيس إيج")، التي رسختها شخصية السنجاب المنحوس "سكرات" الذي كلما عثر على حبة البلوط الشهيرة يفقدها مجدداً. في المقابل، يمثل ذلك المقطع تحريفاً غريباً للفيلم نفسه، أو في الأقل قراءة خاطئة لمكمن الجذابية الحقيقية في الفيلم. قد يكون الشك في وجود نوع من الدوافع الخفية أمراً غير منصف، لو لم تكن "ديزني" قد نهضت بالفعل بأمور من هذا القبيل.

لطالما حققت الشركة أعظم انتصاراتها بفضل أميرات أفلامها، بدءاً من تحفة "الأميرة النائمة" (1959) ووصولاً إلى السحر التقدمي لفيلم "مولان" (1998). على كل حال، لقد كن شخصيات أثارت الخلاف داخل "ديزني" نفسها أيضاً. إذا نجح فيلم رسوم متحركة من بطولة ذكورية، فيُنسب ذلك إلى عادة "ديزني" في تجميع صفوفها واستئناف أعمالها. في المقابل، إذا كانت بطولة الفيلم لشخصية أنثوية وحقق نجاحاً كبيراً، فيُعد علامة فارقة.

طُوِّر فيلم "فروزن" الأصلي خلال فترة وصل فيها الذعر الأنثوي ذروته بين أروقة عوالم الرسوم المتحركة في "ديزني". وبغض النظر عن أنه كُتب تحت عنوان "آنا وملكة الثلج" فقد أُعيد تخيله في النهاية مع عنوان أكثر حياداً في الانتماء الجنسي الذي بتنا نعترف به حاضراً. قبل ثلاث سنوات من ذلك، تحوّل مشروع فيلم "رابونزيل" إلى "متشابك" ("تانغلد") في2010، تلاه فيلم القصص المتخيلة المعروف "الدب والنّشاب" ("ذا بير آند ذا بو") الذي تحول بطريقة غامضة على يد شركتي "ديزني" و"بيكسار" إلى "شجاع" ("بريف") في 2012.

ووفق ما أوضح عدد من المسؤولين التنفيذيين في "ديزني" آنذاك، يبدو أن هذا كان خطأ فتاة أميركية صغيرة الحجم من أصل أفريقي. وكذلك اعتُبِرَ "الأميرة والضفدع" ("ذا برينسس آند ذا فروغ") في 2009، أحد آخر الأفلام المرسومة يدوياً بالكامل التي طرحتها "ديزني" للعرض في دور السينما. وقد جرى الاحتفاء به بسبب تقديمه شخصية الأميرة السوداء تيانا، إلى تاريخ "ديزني". كذلك حقق العمل نتائج مخيبة أيضاً في شباك التذاكر حيث واجه صعوبات في كسب أرباح تصل إلى ضعفي ميزانيته البالغة 105 ملايين دولار. وكي تزداد الأمور تعقيداً بالنسبة إلى الفيلم، فقد تصادف أن موعد افتتاحه لسوء الحظ، جاء قبل أسبوع من إصدار فيلم "آفاتار" للمخرج جيمس كاميرون، الذي كان يُعد حتى وقت قريب أنجح فيلم على الإطلاق.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سواء أكان ذلك صحيحاً أم لا، ألقت "ديزني" باللوم على عنوان الفيلم الذي يحدّد جنس بطلة العمل والذي ساهم في تنفير الصبيان الصغار. وذكر إد كاتمل، الرئيس السابق لشركة "بيكسار" واستوديوهات "ديزني" للرسوم المتحركة، في تصريح إلى صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، أنه "استناداً إلى استجابة المعجبين والنقاد، نعتقد أن النتائج في [شباك التذاكر] كانت ستكون أعلى لو لم يُحكم على الفيلم مُسبقاً من عنوانه".

وحمل الأمر نفسه على إعادة تسمية عدد من أفلام الرسوم المتحركة التي كانت قيد الإنتاج آنذاك وتحتل بطولتها شخصيات أنثوية. وعلى الرغم من بعض الجدل، تحوّل "رابونزيل" إلى "متشابك" بعد ثلاثة أشهر من إصدار "الأميرة والضفدع". كما عزز تسويق الفيلم أيضاً حضور فلين رايدر الذي يحب "رابونزيل"، كما رُوّج له كبطل مِقدام من أجل استمالة الصبيان الصغار. وأوضح كاتمل "لم نكن نريد ركن الفيلم على الرف... قد يفترض بعض الناس أنه يدور حول حكاية خيالية للفتيات في حين أنه ليس كذلك. نحن نصنع أفلاماً يقدرها ويحبها الجميع".

بعد ذلك، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2010، قبل وقت قصير من إصدار فيلم "متشابك"، أوضح كاتمل أن "ديزني" ستتخلص تدريجياً من "أفلام الأميرات" بحجة أن الجماهير قد سئمت منها. ونقل إلى صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أنّ "الأفلام والأنواع الفنية تصل إلى نهاياتها". كما صرّح أيضاً أن سنو وايت والجميلة النائمة وآرييل وياسمين "قد وُلدن جميعهن في القرن العشرين. الآن، بدأت أنواع مختلفة من شخصيات "ديزني" تشق طريقها إلى الشاشة الكبيرة ومحلات الدمى، بما في ذلك شخصيتا باز رايدر ووودي، من أفلام "حكاية لعبة" ("توي ستوري")، وكابتن جاك سبارو من "قراصنة الكاريبي" وكتيبة كاملة من أبطال "مارفل" الخارقين".

ودفعت تلك الأمر بمارغوت ماغوان الصحافية في مجلة "إم إس" إلى السؤال التالي، "هل تلاحظون شيئاً ما حول الشخصيات المذكورة أعلاه؟... لأن مراسل "لوس أنجلوس تايمز" ومدراء "ديزني" على حد سواء، لم يذكروا في المقال أننا سنخسر الفتيات ونكسب الأولاد".

وفي النهاية، ثبت أنّ هذا النوع من المخاوف بقدر ما كان محقاً حينها، إلا أنه لا أساس له من الصحة.  وكان هذا على الرغم من إيقاف إصدار الفيلم تحت عنوان "آنا وملكة الثلج" بعد إطلاق فيلم "الأميرة والضفدع". لم يكن إلا في أواخر 2011، بعدما حقّق فيلم "متشابك" أرباحاً إجمالية وصلت إلى 600 مليون دولار، أن أعيد إحياء الفيلم تحت عنوان "فروزن". أما بالنسبة إلى العامل الذي ساعد "متشابك" في تحقيق الفوز الذي كانت "ديزني" بأمس الحاجة إليه في "أفلام الأميرات"، فقد تمثّل  من وجهة نظر "ديزني"، في عدم الترويج للعمل تحت اسم "رابونزيل".

وفي 2014، نقل جون لاسيتر، المسؤول الإبداعي الكبير السابق في شركتي "ديزني" و"بيكسار"، إلى صحيفة "التليغراف"، أنّه "كان هناك تصور لدى الجمهور بأن هذه الأفلام مخصصة للفتيات الصغيرات وحدهن، ولكن عندما يشاهدها الأولاد، الرجال، أيا كان، فإنهم يحبونها... لذا، في "رابونزيل"، كُنّا مستعدين. وغيّرنا الاسم. وأطلقنا على الفيلم عنوان "متشابك". وسوقناه بطريقة جعلت الناس الذين لا يحضرون عادة يقولون "هاه... يبدو هذا جيداً للغاية". وقد حقق "متشابك" نجاحاً كبيراً آنذاك، وفتح الباب أمام مزيد من هذه الأفلام".

تتميّز الاتجاهات داخل شركة "ديزني" للرسوم المتحركة، كما في كل شركة فنية أخرى وكل نوع سينمائي آخر في هوليوود، بأنها تتغيّر بصورة دوريّة. لكن، غالباً ما غذّت أفلامها التي تحتل الإناث واجهتها، أكثر شائعات الخوف، في حين أن الأفلام ذات البطولات الأنثوية الناجحة لم تُلهم مجموعة كبيرة من النسخ المقلدة في أعقاب صدورها، كما يمكن للمرء أن يتصور. إذ اندرج "بوكاهونتاس" في 1995 و"مولان" في 1998، في قائمة أكبر أعمال الرسوم المتحركة الناجحة لـ"ديزني" في تسعينيات القرن العشرين. إذ حققا ترشيحات لنيل جائزة الأوسكار وملايين الدولارات في شباك التذاكر. لكن، بعد ذلك، لم تسع "ديزني" إلى تقديم فيلم رسوم متحركة آخر من بطولة أنثوية لأكثر من عقد.

من ناحية اخرى، بدأ القلق بشأن تلك الأفلام قبل ذلك. وفي 1989، لم يكن لدى الرئيس التنفيذي لشركة "ديزني" الذي كان قد تستلم منصبه حديثاً، جيفري كاتزنبرغ ، ثقة كبيرة في "حورية البحر الصغيرة". إذ افترض أن العمل بصفته "فيلماً للبنات"، لن يجني أرباحاً كبيرة مثل فيلم "أوليفر والأصحاب" ("أوليفر آند كومباني") الصادر قبل سنة منه، وكان عملاً مستوحى من قصة أوليفر تويست مع وجود شخصيات قطط وكلاب، وشكّل الذكور جميع أبطاله تقريباً. وبطبيعة الحال، تحوّل "حورية البحر الصغيرة’ إلى فيلم كلاسيكي، وأول فيلم رسوم متحركة في التاريخ يحقق أرباحاً تجاوزت 100 مليون دولار في عرضه الأول. من جهة اخرى، هددت الحكاية التقدمية الظريفة التي تحيط بفيلم "حورية البحر الصغيرة" حاضراً، بالتستر أيضاً على مخاوف "ديزني" الأولية من مدى أنثوية الفيلم.

وبصراحة، حاول أحد الإعلانات التي استخدمت لترويج الفيلم لدى مشاهدي التلفزيون، وصدر في شهر مايو (أيار) 1989، انتزاع آرييل، حورية البحر الصغيرة ذاتها من فيلم يدور حولها. وبدلاً من ذلك، جرى افتراض بشكل ضمني أن والدها، الملك ترايتون، يشكّل الشخصية الرئيسية في الفيلم، ويمثّل بطلاً ينطلق في مهمة انقاذ ابنته المخطوفة من براثن ساحرة البحر الشريرة أورسولا.

وورد في الإعلان بطريقة دارمارتيكية: "من "والت ديزني بيكتشرز"... إنه ملك البحر وإنها عدوته الشريرة، وهما في نزاع حتى النهاية... إنه يحاول إنقاذ ابنته، حورية البحر الصغيرة ، من قبضتها الشريرة!"

لو أردنا قراءة المقطع الترويجي بحسن نية لأمكننا القول إنه جاء نتاج زمان الثمانينيات من القرن العشرين التي سيطر فيها على هوليوود رعب يتمثّل في أن جاذبية فيلم للأطفال يرتكز على شخصية أنثوية، ستكون محدودة للغاية. لكن التحريف الذي طرأ على المقطع الترويجي لفيلم "حورية البحر الصغيرة" لم يكن أمراً شاذاً. ثمة إعلان تلفزيوني آخر وُضِع فيه السلطعون سيباستيان صاحب اللكنة الجامايكية، في صدارة الفيلم. في المقابل، بدا الإصرار على إخفاء الشخصيات الأنثوية أكثر وضوحاً في أول مقطع ترويجي كامل لفيلم "فروزن" الذي يوحي بأن عدداً كبيراً من الشخصيات يتمتع بالقدر نفسه من الأهمية.

لا يمكنكم لوم "ديزني" على محاولتها جذب الناس من الشرائح كلها في الوقت نفسه. وفي المحصلة، تمثّل "ديزني" شركة يحركها المال، بقدر ما تقمصت على استحياء دور مندوبة النبل في السنوات الأخيرة. واستطراداً، احتاجت الشركة مجهوداً كبيراً لطمس الأنثوية الواضحة في عدد من أفلامها المتحركة، كما أنه ينشر رسالة مؤسفة مفادها أن الأعمال الموجهة إلى النساء على وجه التحديد، تكون ثانوية وخطيرة بطبيعها، وأن الصبيان لن يتفاعلوا مع الشخصيات الأنثوية في الأفلام إلا إذا جرى خداعهم بطريقة ما من أجل مشاهدتها.

إنه أمر غريب على وجه الخصوص لأن جذور كثيراً من الحنين الثقافي المرتبط بـ"ديزني" تعود إلى قصص الأميرات والشابات المتمردات. وضمن الموجة الأخيرة المتمثّلة في إعادة تقديم أفلام ديزني بنسخ بشرية، تعثّرت أعمال كـ"دامبو" و"كريستوفر روبن"، في حين اندرجت أفلام "الجميلة والوحش" ("بيوتي آند ذا بيست")، و"ماليفيسنت" و"آليس في بلاد العجائب" ("آليس إن وندرلاند") ضمن الأعمال التي حققت نجاحات كبيرة.

ثمة ما يُذكر لمصلحة شركة "ديزني"، يتمثّل في أنها تحتضن حالياً مشاريع رسوم متحركة وشبه متحركة تؤدي بطولتها شخصيّات أنثوية. ومثلما أفسح "فروزن" المجال لفيلم "موانا" في 2016، سيكون "فروزن 2" متبوعاً بفيلم "رايا والتنين الأخير" ("رايا آند ذا لاست دراغن" في 2020، ويشكّل الأخير ملحمة خياليّة عن فتاة شابة تبحث عن تنين (أدّتها صوتياً كيسي ستيل وأوكوافينا، على التوالي). إضافة إلى ذلك، من المقرّر إطلاق نسخة مؤنسنة من فيلم "مولان" في 2020، بينما يشهد الـ2021 نسخة بشرية عن حكاية "حورية البحر الصغيرة" واخرى عن الحكاية الأصلية لشخصية الشريرة كرويلا دي فيل من فيلم "1010 كلب مرقّش" (101 دالميشنز").

مع ذلك، وبناءً على معطيات التاريخ، من الصعب ألا نشعر بالقلق من أن اختلالاً بارزاً واحداً قد يكون كافياً لإعادة تشكيل الصورة برمتها، إذ يُنظر إليه بوصفه تعبيراً عن اتجاهات ثقافية، وليس كمشروع مفرد لم يُصِبْ نجاحاً.

وكخلاصة، فبنفس القدر الذي يبدو فيه فيلم "فروزن 2" إشارة إلى مستقبل أكثر تمثيلاً للشخصيات النسائية وأقل خجلاً بهن، تسير الشخصيات الأنثوية في إنتاجات الرسوم المتحركة، فوق جليد هشّ كأنها تشبه النجمات في أفلامهن.

© The Independent

المزيد من سينما