4 قاعات فنية في القاهرة تستعيد أجواء الخمسينيات والستينيات

جوانب مجهولة من الحركة التشكيلية المصرية وتقاطعها مع المناخ العام

لوحة للرسام المصري صلاح عبد  الكريم (اندبندنت عربية)

أربعة عروض فنية تقام حالياً في القاهرة تستعيد تجارب فنانين من جيل الخمسينيات والستينيات، وهو أمر لافت، خاصة أن التجارب الأربعة تُعرض بالتزامن في ثلاث قاعات متجاورة تقريباً، ما يوحي بأن ثمة تنسيقاً ما بين القاعات الثلاث، مع أن الأمر ليس أكثر من مصادفة محمودة. التجارب الثلاث هي تجارب هامة بلا شك، وتمثل فرصة حقيقية للاطلاع على إبداعات هؤلاء الفنانين، والأفكار والقضايا التي شُغلو بها، والعناصر والمفردات والمعالجات الفنية التي ميزت تجاربهم. وما يضفي أهمية أيضاً على هذه العروض أنها تُسلط الضوء على بعض جوانب لم يتح للكثيرين الاطلاع عليها في تجارب هؤلاء الفنانين. الفنانون الأربعة هم فاطمة عرارجي التي تستضيف أعمالها قاعة المسار، وتحية حليم في قاعة بيكاسو، وكل من صلاح عبد الكريم ومحمد إسماعيل في قاعة سفر خان. التجربة الأخيرة تحديداً تبدو أقل شهرة من التجارب الثلاث الأخرى، ونقصد بها تجربة الفنان محمد إسماعيل، فهو اسم لم يحظ بالانتشار الكافي لأسباب قد تكون متعلقة بكثرة انتقاله وأسفاره المختلفة بعيداً عن مصر، حتى أن هناك صعوبة في العثور على سيرة ذاتية له في الموقع الرسمي لقطاع الفنون التشكيلية المصري الذي يضم سيراً ذاتية لمعظم الفنانين المصريين منذ إنشاء مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة في بداية القرن العشرين. على كل حال يبدو حضوره وسط هذه العروض الاستيعادية فرصة مواتية لتأمل أعماله، وهو من مواليد عام  1936 وحاصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الفن في كلية الفنون الجميلة في القاهرة. أعمال محمد إسماعيل في مجملها تراوح بين التعبيرية والتجريد، مع تقشف باد في استخدام اللون، كما يبدو من اعتماده غالباً في تشكيل أعماله على درجات اللون الواحد.

تضم القاعة نفسها عرضاً آخر لأعمال الفنان صلاح عبد الكريم وهو فنان معروف باهتماماته الفنية المتعددة، ومن بينها الديكور المسرحي. يعد عبد الكريم واحداً من المجددين في مجال الديكور المسرحي في مصر، وكان لوجوده ضمن هيئة التدريس في معهدي السينما والفنون المسرحية تأثيراً واضحاً على أجيال أتت بعده وسارت على دربه في هذا المجال. يضم المعرض مجموعة متنوعة من أعمال الفنان في مجال التصوير بالإضافة إلى نماذج عدة من تصاميمه الديكورية للمسرح والشخصيات المسرحية، وهو الجانب الأهم في هذا العرض، إذ لم يتح للكثيرين الاطلاع على تلك الإسهامات الهامة للفنان الراحل في هذا المجال، علماً بأنه يعد أحد رواده القلائل في مصر. ساهم صلاح عبد الكريم خلال مسيرته الفنية الممتدة من الخمسينيات وحتى وفاته في ثمانينيات القرن الماضي في وضع العديد من ديكورات العروض المسرحية التي قدمت على خشبة المسرح القومي، وخاصة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت طفرة مسرحية كبيرة على مستوى التأليف والإخراج والترجمة والتجريب، وبرز خلالها عدد من الأسماء اللامعة في مجال التأليف المسرحي مثل سعد الدين وهبة، ويوسف إدريس، ونعمان عاشور، وصلاح عبد الصبور، وألفريد فرج، وميخائيل رومان وغيرهم. هذه التصاميم الأولية التي وضعها صلاح عبد الكريم واحتفظت بها عائلته لم تعرض من قبل على الجمهور، وهي تصاميم أقرب للدراسة الفنية، كما أنها تحمل الكثير من الإشارات والتوجيهات التي كتبها الفنان بخط يده كإرشادات أثناء عملية التنفيذ. تعد هذه الأعمال ثروة تاريخية وتوثيقية هامة في حقيقة الأمر يجب أن يتم الالتفات إليها، فهي توثق لحقبة هامة من تاريخ المسرح المصري، وتلقي الضوء على أحد الجوانب الهامة للعرض المسرحي، وتصلح لأن تكون نواة أو جزءاً من عرض متحفي عن تاريخ المسرح المصري.

رحلة السبعة عقود

على الجانب الآخر تفسح قاعة بيكاسو للفنون معرضاً يضم نماذج من أعمال الفنانة الراحلة تحية حليم في الذكرى المئوية لميلادها التي تمر هذه الأيام. وتصنف تحية حليم كأحد الرائدات المصريات في مجال التصوير، وهي تعد اليوم واحدة من الأسماء اللامعة في تاريخ الحركة الفنية المصرية. تميزت الفنانة الراحلة بأعمالها المستلهمة من الطبيعة والحياة الشعبية، وخاصة الوجوه والشخصيات ذات السمت الجنوبي حيث عاشت لفترة من حياتها متنقلة بين مدينتي أسوان والنوبة، ولها الكثير من الأعمال المستلهمة من مشاهداتها هناك. رسمت تحية حليم المنظر الطبيعي وحياة الريف، مازجة في معالجاتها بين العفوية والالتزام بالأطر العامة للعمل التصويري، وحرصت على أن تسبغ على درجات ألوانها طابعاً محلياً مستلهماً من سمرة التربة وملامح الوجوه المصرية.

تجربة أخرى لا تقل أهمية عن التجارب السابقة تعرضها قاعة المسار للفنون، والتي تستضيف مجموعة كبيرة من أعمال الفنانة فاطمة عرارجي تحت عنوان "الإنسان والمكان والزمن ورحلة السبعة عقود". يقدم المعرض نماذج مختلفة من المراحل الفنية التي خاضتها الفنانة فاطمة عرارجي منذ خمسينيات القرن الماضي. والفنانة من مواليد عام 1931 وعملت كرئيس لقسم التصوير في كلية الفنون الجميلة بمدينة الإسكندرية. تُظهر الأعمال تطور التجربة الفنية عند الفنانة فاطمة عرارجي واشتباكها في نفس الوقت مع الأحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية التي مرت على مصر خلال هذه الفترة، كتعبيرها عن المقاومة الشعبية للعدوان الثلاثي على مدينة بور سعيد عام 1956 والانتفاضة الفلسطينية الأولى في 1987. تُظهر الأعمال تطور التجربة الفنية للفنانة من التمسك بالشكل والتعبير عن العناصر على نحو شبه مباشر، إلى انحيازها نحو الاختزال والتلخيص في التعبير عن هذه العناصر، واختلاقها للدلالات الخاصة المعبرة عن أفكارها ورؤيتها الذاتية، والتي انعكست عبر معالجاتها للمساحة وتوظيفها لدرجات اللون والعلاقات بين المفردات المكونة للمشهد والفراغ المحيط بها.

المزيد من ثقافة