الفن التشكيلي السعودي يتنوع أجيالا ومدارس... بين اصالة وحداثة

سمبوزيوم للنحت ومعارض في مدن عدة... ورسامون شباب يتخطون الاطار الرسمي

سمبوزيوم النحت في الرياض (اندبندنت عربية)

تشهد السعودية نشاطاً فنياً مكثفاً تشترك فيه جهات عديدة، منها وزارة الثقافة التي نظمت سمبوزيوم البحر الأحمر بمشاركة محلية ودولية، و"معهد مسك للفنون" الذي أقام مهرجاناً كبيراً مهماً في مدينة الرياض (مسك ارت) تضمن سمبوزيوم دولياً للنحت، وملتقى عن النقد التشكيلي السعودي بمشاركة ستة عشر فناناً وناقداً سعودياً، ولمدة ثلاثة أيام متتالية. هذا بالإضافة الى معرض للفن المعاصر قيّمته الفنانة لولوة الحمود، ومعرض مشترك للفنانين فهد النعيمة وطلال الزيد، واستضافة فنانين من مختلف الأعمار والأجيال في مواقع مخصصة يرسمون ويعرضون أعمالهم الفنية في أركان خاصة، وورش فنية. وتبرز نشاطات جمعية الثقافة والفنون بفروعها في مدن السعودية، وبينها فرع الدمام الذي وضع في برنامجه معارض محلية ودولية وملتقيات وتكريم فنانين، من بينها معرض الفيديو الذي استقطب فنانين من دول عربية وأجنبية إلى جانب السعوديين. ويتواصل نشاط الفرع بتنظيم معارض مشتركة وجماعية بينها معرض "30×30" وأقيم في قاعة "تراث الصحراء" بالخبر، ومعرض نظمته بمناسبة نشاط موسيقي باسم "وتريات" شارك فيه فنانون وفنانات بأعمال ذات ارتباط مباشر بالموسيقى والآلة الموسيقية. كما استضاف الفرع في قاعته (عبدالله الشيخ) معرضاً لفناني الجبيل بمشاركة أربعة عشر فناناً وفنانة، تتنوع توجهات المشاركين بين الرسم من الطبيعة أو الأماكن وبين توجه البعض نحو أساليب الفن التعبيرية أو الرمزية.

أما أعمال حسن مداوي فتتناول المكان وهو يستعيد صوراً من بلدته النماص بمبانيها الحجرية، راسماً مقاطع من داخل منازل شعبية وبدرجات لون واحد، وقد حقق من خلاله معادلاً فنياً بصرياً، موحياً بالثلوج بتأثر الأبيض وبعض درجات البنفسجي للإيحاء بأجواء أوطقوس مدينته. يستلهم فهد الكردشي الزخرفة الشعبية وبأكثر من معالجة، فيها التناغم والحس التأثيري، وهو يعالج عمله بتكثيف لوني وتراص في الوحدات. وتقدم ابتسام الشهري ثلاثة أعمال يظهر فيها اهتمام بالجانب الرمزي وهي تنشد حالة شاعرية في تغييبها لقرص الشمس أو استعارتها آلة موسيقية أو هيئة حصان، وتحمّل أعمالها تناغماً لونياً وسعياً لتأليف عناصر تحقق فكرتها. وتتأثر أعمال سلامة الرشيدي بدراسته الهندسة والمعمار مستعيراً أشكال المنازل، فيتناولها بحس المكان الشعبي، وترسم إلهام أبو طالب الفرح والجمال الشعبي في طفولة تتزين بالملابس التقليدية وخلفها الأماكن في مظهرها البسيط تلونها بحرارة مشاعرها وحسها الفني. قصي العوامي يتأثر بالمكان ويسعى إلى معالجة المساحة لتحقيق أثر، أو زمن، وتحمل أعمال هادي الخالدي تأليفاً بين عناصر يبرز فيها الحصان وهو الذي رسمه في العديد من أعماله المتأخرة، وكان هذا الفنان قد أقام معرضاً شخصياً قبل وفاته بأشهر في القاعة ذاتها التي يقام فيها المعرض. ومن المشاركين جمال الربيعة ومحمد الربيعة، وتبرز مهارة الأول وخبراته في الكتابة العربية بأكثر من نوع من الخطوط العربية وهو الذي شارك في ملتقيات دولية للخط العربي، كما شارك محمد الزهراني ووليد الحسين ومحمد الشنيفي وشاكر السليم.

توجهات حديثة

وأقامت مجموعة من الشباب معرضاً جماعياً في مبنى تحت الإنشاء (مطل) وهو محاولة لتجاوز العروض الرسمية، وجاءت معظم المعروضات بسيطة وأولية، يبرز بعضها في السعي إلى الإنفتاح على التوجهات الحديثة وبتأثير الرسوم التعبيرية الشخصية أو طرح الأفكار. ينقص الكثير من المشاركين الاطلاع والتعرف على نتاج الآخرين من الفنانين خارج إطار الصور التي تُنشر غالباً في مواقع التواصل الاجتماعي. وأظهرت أعمال هشام سليمان سعيه إلى التدرب الأكاديمي وفق دراساته للهيئة الإنسانية في أكثر من وضع.

وتشهد قاعة محمد الصندل بمقر جمعية الثقافة والفنون في الأحساء معرضاً جماعياً لفناني الإحساء ممن يشتغلون في سلك التعليم، تنظم المعرض الجمعية بالتعاون مع إدارة التعليم، وشارك فيه فنانون تشكيليون متقاعدون من مهنة التعليم، ما عزز من مستوى المعروضات بخاصة مع حضور أسماء رائدة على مستوى الفن التشكيلي في الإحساء مثل عبدالحميد البقشي وأحمد السبت وسعدون السعدون.

مثّل المعرض مستوى جيداً إذا ما وضعنا في الاعتبار إتاحة الفرصة للموهوبين من المعلمين والمعلمات، بعضهم حديثو التجربة الفنية أو ممن لا زالت تجاربهم في بداياتها. وبالتالي كان من بين الأعمال ما هو مدرسي أو مبتدئ، مع ما هو محترف وذو مستوى فني متقدم. ولعل أبرز ما نشاهده في المعرض عمل الفنان عبدالحميد البقشي الذي يشتغل أعماله بأناة شديدة وحرص على أدق التفاصيل، ومثّل العمل نهجه في تناول الحرف العربي الذي يؤلفه وفق رؤيته البصرية، وبما يحقق به من معنى يرتبط بالمكان والإنسان. بدأ البقشي هذه التجربة منذ قرابة الخمسة عشر عاماً متخلياً عن أسلوب تأثره مباشرة بصياغات السورياليين وإن أوحت لنا أعمال مرحلته الأخيرة تأثير أعماله السابقة وبمحدودية، فالفنان واحد من أبرز فناني السعودية، ونال جوائز متقدمة مبكراً ولفتت أعماله منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد عرضت خارج المملكة وكتب عنها جبرا إبراهيم جبرا وغيره. سامي الحسين يقدم مجموعة كبيرة من الأعمال، تمثل أكثر من مرحلة من تجاربه الفنية، ابتداء بأعماله الرمزية التي تتخذ من صيغ السورياليين شكلها، وهو يرسم البجعات أو الطيور، مروراً بتجربة رسمه للأشجار ومعها اهتمامه بالأثر الانطباعي وهو يلون أغصانه وأوراق أشجاره التي تتعانق وزرقة السماء، إضافة إالى تجربة أخيرة تقوم على التراص اللوني والاشتغال وفق توظيف المساحة الصغيرة بما يحقق معادلاً بصرياً فيه الاهتمام بدقة التلوين والمعالجة، موظفاً بعض العناصر الحية كالأسماك التي توحي في أحد أعماله بقاع البحر.

 أسماء عديدة منحتنا مشاهدة ممتعة وهي تنوّع في أعمالها بين الرسم الطبيعي أو الدراسات الصامتة أو العمل الرمزي والتعبيري كسعدون السعدون الذي يرسم الطبيعة الصامتة بخبرة الفنان الذي مارس الفن وعرض أعماله منذ أواخر السبعينيات، وتوفيق الحميدي الذي ينتهج أثراً سوريالياً يقوم على الاهتمام بالإنسان وقضاياه وتبدي لوحته صبياً يصرخ على أثر الدمار الذي خلفته الحروب، وسلمى الشيخ التي اهتمت بالتشكيلات الشعبية للمنازل والنوافذ وربطتها بهيئات آدمية، وعلي المقرب الذي تبرز لوحته بائع الورد. ويشارك في المعرض كوثر الغدير وأمل الباروت وموسى الحضري وعليه الهلال ونادية الموسى ووفاء السلطان، وزينب الحرز وحسين المحمود وخيرية السدران وعبدالعزيز الصحيح ومحمد الناجم ووداد السهل، ويبدي عمل زينب الجغيمان اختلافاً في توجهها إلى الديجيتل ومعالجة الصورة بالحاسب الآلي.

 

المزيد من ثقافة