سيدي أمحمد بالجزائر... محكمة الثورة والفساد

بُنيت بين عامي 1875 و1885 بتصميم من المهندس بول جيون وأضحت مع الحراك الأشهر في الوطن

شهدت محكمة سيدي أمحمد محطات بارزة في تاريخ الجزائر (أ.ف.ب)

ينطلق الاثنين 2 ديسمبر (كانون الأول)، في سيدي أمحمد بالعاصمة الجزائر مسلسل محاكمة أشخاص مدنيين من النافدين في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والذين وصفهم قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح، بـ "العصابة". ومن هؤلاء رئيسا الوزراء السابقين عبد المالك سلال وأحمد أويحيى.

المحاكمة العلنية التي ستشمل مع بدايتها رجال أعمال ومسؤولين سابقين محبوسين على ذمة قضايا فساد والذين كانوا إلى وقت قريب بعيدين من الحساب، تأتي قبل نحو أسبوع من الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر، والتي تُثير كثيراً من الجدل حيالها بسبب انقسام حاد في الشارع بين رافض ومؤيد.

أشهر من نار على علم

يترقب الشارع المحاكمة التي يصفها البعض بـ "التاريخية"، وتُوجه الأنظار إلى محكمة سيدي أمحمد التي ظل اسمها مرتبطاً بمعالجة أهم القضايا إبان الثورة التحريرية وبعدها العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي. وسرعان ما ذاع صيت هذه المحكمة بعد اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) 2019 حين عالجت ملفات المعتقلين السياسيين، وأثارت أحكامها جدلاً واسعاً في البلاد.

ومحكمة سيدي أمحمد أو محكمة عبان رمضان كما يُصطلح عليها نسبة إلى الشارع الواقعة فيه هي بناية من التركة الاستعمارية، تقع في بلدية الجزائر الوسطى ضمن دائرة سيدي أمحمد في ولاية الجزائر.

ويقول المحامي ساسي هاشم أن "محكمة سيدي أمحمد التي بُنيت بين عامي 1875 و1885 بتصميم من المهندس المعماري بول جيون، أضحت بعد انطلاق الحراك الجزائري أشهر محكمة في ربوع الوطن".

وسبب هذه الشهرة هو مرور ملفات الفساد والمتابعات القضائية لكثير من المسؤولين الجزائريين في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أروقتها في إطار التحقيقات الأولية ومن بين هؤلاء المسؤولين رئيسا حكومات عدة هما أحمد أويحيى وعبد المالك سلال.

ووفق هاشم ساسي "نالت هذه المحكمة شهرة جراء المتابعات التي تمت على مستواها لعدد من ناشطي الحراك والأحكام القاسية التي صدرت في كثير من الملفات ضد شباب الحراك على عكس المحاكم الأخرى (..) خصوصاً في ما يتعلق بما تعارف عليه بقضايا الراية الثقافية الأمازيغية".

في المقابل، يقول المحامي تامرت عبد الحفيظ أن "محكمة سيدي أمحمد عرفت منذ استقلال البلاد عام 1962 وحتى قبله محاكمات تاريخية، إذ كانت شاهدة على أشهر المحاكمات السياسية لمناضلين من العيار الثقيل وبمشاركة محامين مشهورين على المستوى العالمي".

ووفق تامرت فإن "هذا الصرح العريق شهد محطات بارزة في تاريخ الجزائر، وكانت قضاياها لسان حال المواطنين والرأي العام الداخلي والخارجي سواء ارتبطت بشخصيات سياسية بارزة أو قضايا وطنية مهمة ذات ارتباط سياسي أو أمني مثل قضايا الإرهاب والاختلاسات".

العصابة... جدل جديد

مع قرب انطلاق محاكمة ما بات يصطلح عليه برؤوس العصابة في الجزائر، عاد الجدل في شأن محكمة سيدي أمحمد، إذا يعتبر المحامي هاشم ساسي أن "المأخذ القانوني الجديد الذي يطرحه مختصون هو إحالة ملفات الفساد التي يُتهم بها مسؤولون جزائريون على محكمة سيدي أمحمد، على الرغم من أن القانون الجزائري ينص على عكس ذلك".

ووفق المتحدث ذاته فإن عدم احترام ما ينص عليه الدستور الجزائري يطرح كثيراً من علامات الاستفهام، على الرغم من توقعاته أن هذه المحاكمات ستكون تاريخية وسابقة على مستوى الممارسة القضائية في الجزائر منذ الاستقلال والتي سيترقبها الجزائريون وكل المتابعين للشأن الجزائري.

ويأسف تامرت لكون محكمة سيدي أمحمد التي شهدت محاكمات نشطاء في الحراك، أن تشهد أيضاً محاكمة العصابة، قائلاً "للأسف يحاكم الفريقان في المكان نفسه".

يضيف "منذ انطلاق حراك الشعب في 22 فبراير والجزائريون يطمحون للعيش في كنف دولة القانون التي لن تتحقق إلا في ظل عدالة قوية ومستقلة، واليوم محكمة سيدي أمحمد ومن خلال الأحكام والمتابعات التي نشهدها ضد معتقلي الحراك صارت تثير فيهم شكوكاً حقيقية في مدى استقلالية العدالة الجزائرية وفي مدى تجسيد إرادة الشعب في العيش في دولة القانون".

ويعتقد المحامي عبد الغني بادي أن محكمة سيدي أمحمد تحولت إلى أشهر المحاكم، بالنسبة إلى المتهمين في الحراك وقضايا الفساد، لأنها مكان محاكمة كثير من القضايا نظراً لمكان ارتكاب الجرم ومكان إلقاء القبض على المتهم، وفق قانون الإجراءات الجزائية.