Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تسلل إيراني ناعم... "الهلال الشيعي" الذي أقلق الأردن قبل 14 عاماً

تمر العلاقات بين عمّان وطهران بفتور دبلوماسي والخلاف السياسي واضح

اتهامات لإيران بمحاولة تأجيج تظاهرات الربيع العربي في الأردن عام 2011 (خليل مزرعاوي)

حينما حذّر الملك الأردني عبد الله الثاني عام 2004 مما سمّاه "الهلال الشيعي" في حديث لصحيفة "واشنطن بوست" أثناء زيارته الولايات المتحدة الأميركية، لم يدر في خلد أكثر السياسيين تشاؤماً آنذاك أن هذا المصطلح سيصبح أمراً واقعاً بعد سنوات.

وفي اليوم الذي عبّر فيه الملك الأردني عن مخاوف بلاده من وصول حكومة عراقية متعاونة مع إيران، ونظام البعث في دمشق لإنشاء هلال يكون تحت نفوذ الشيعة يمتد إلى لبنان، كان القلق الأردني يدور حول حدوث تغيرات واضحة في خريطة المصالح السياسية والاقتصادية لبعض دول المنطقة.

وبعد 14 عاماً من هذا التحذير، تمرّ العلاقات الأردنية الإيرانية بفتور دبلوماسي واضح وتمنّع أردني، مقابل محاولات طهران اليائسة للتسلل إلى عمّان التي تحتفظ مع عواصم الخليج العربي ولا سيما السعودية بعلاقات متينة، تجاوزت الدبلوماسية الرتيبة إلى المصير المشترك.

السفير الإيراني يتذمر

في قلب العاصمة عمّان، وتحديداً قرب الدوار الرابع، يحاول السفير الإيراني من مكتبه المطل على مبنى الحكومة الأردنية، صباح كل يوم، أن يمارس أدواراً أخرى بخلاف النشاط الدبلوماسي المفترض، ورصدت السلطات خلال السنوات الماضية نشاطات خارجة عن المألوف بدعوى التقارب وإحداث اختراق في نسيج المجتمع الأردني بكل مكوناته، خصوصاً المكون العشائري.

وتحرص السفارة الإيرانية في عمّان على توجيه الدعوات وتنظيم حفلات الاستقبال لاستقطاب إعلاميين وصحافيين وسياسيين وكسب ودّهم من دون جدوى، بينما وجهت تقارير صحافية محلية اتهامات عدّة للسفارة بأنها نشطت استخبارياً خلال الأزمة السورية وتحوّلت مهمتها إلى جمع المعلومات عن المعارضين السوريين واللاجئين على الأرض الأردنية، فضلاً عن التواصل مع المواطنين العراقيين المقيمين في البلاد من الطائفة الشيعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن في المقابل، وقبل عامين، شكا السفير الإيراني السابق لدى الأردن محبتي فردوسي من عدم تمكنه من التواصل الرسمي مع أي مسؤول رفيع المستوى بسبب ما سماه "حجم الارتياب" من الجانب الأردني في كل ما يتعلق بالشأن الإيراني، أما آخر زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني إلى عمّان، فكانت قبل أربعة أعوام.

وبينما ينشط السفير الايراني في العاصمة، ظل نظيره الأردني لدى طهران خارج سفارته منذ عام 2016 حتى يومنا هذا، بعدما تم سحبه رسمياً رداً على الاعتداء على سفارة السعودية في العاصمة الإيرانية.

وفي السنوات الماضية، اعتبرت السلطات الأردنية أنها تلقت رسائل سلبية واستفزازية من قبل السفارة الإيرانية، كانت أبرزها استضافة الجندي الأردني الشهير أحمد الدقامسة على هامش حفل إفطار رمضاني أقامته السفارة إلى جانب اهتمامها "الخبيث" بدعوة معارضين أردنيين أو استضافة بعض المناكفين للنظام في مؤتمرات بطهران، في تجاوز واضح للأعراف الدبلوماسية.

تاريخ من العلاقات الحذرة

وظلت العلاقات الأردنية الإيرانية منذ اندلاع الثورة بقيادة الخميني عام 1979 تتأرجح بين العداء والدبلوماسية الحذرة، واليوم يبدو الخلاف في الموقف السياسي واضحاً بين البلدين ولا سيما في ملفات فلسطين وسوريا والعراق. ولم تغفر طهران للأردن مواقفها العروبية بعد مساندة العراق في حرب الثمانية أعوام مع إيران عام 1980، وأزمة الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.

وعادت العلاقات إلى التوتر مجدداً عام 2000 بعدما اتهم الأردن إيران بمحاولة إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة والدخول على خط الصراع في الشرق الأوسط على حساب مصالح المملكة. وضبطت عمّان محاولات إيرانية عدّة لتهريب الأسلحة من أراضيها إلى الأراضي الفلسطينية وتجنيد عناصر لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل انطلاقاً من أراضيها.

وعلى الرغم من الزيارة اليتيمة التي قام بها الملك عبد الله الثاني الى طهران عام 2003، فإن العلاقات ظلت هشة، وساعد في ذلك تبدل المزاج الشعبي والبرلماني، إذ طالب البرلمان الأردني الحكومة بقطع العلاقات مع إيران وخرجت تظاهرات شعبية تهاجم سياسات طهران في المنطقة. وتبدُّل المزاج الأردني تجاه إيران بدا واضحاً في نتائج استطلاع صدر عن مركز الدراسات الاستراتيجيَّة عام 2010، رصد الرأي العامّ في التدخُّل الإيرانيّ في المنطقة، وأشارت النتائج إلى أن 54 في المئة من الأردنيين يؤيدون أنها تشكل تهديداً لبلادهم.

أدوات التسلل

وتحاول إيران التسلل إلى الأردن بنعومة عبر أدوات عدّة، أولها استغلال الوضع الاقتصادي المتردي، خصوصاً مع بلوغ الدين الخارجي للمملكة 36 مليار دولار. وقدمت طهران خلال السنوات الماضية عروضاً عدّة تقوم بموجبها بتزويد الأردن بالنفط بأسعار تفضيلية لمدة 30 عاماً، مقابل مطالب من بينها فتح الباب واسعاً أمام السياحة الدينية للإيرانيين وتحديداً جنوب المملكة حيث مراقد وأضرحة عدد من الصحابة، كالصحابي جعفر بن أبي طالب.

ورفضت عمّان هذ المطلب الذي تقدم به السفير الإيراني السابق مصطفى زادة مراراً، وتجاهلت طلباً آخر ببناء "حسينية" في منطقة مؤتة بمدينة الكرك الجنوبية بحجة وجود طائفة شيعية لا يزيد تعدادها في كل أنحاء المملكة على 300 شخص. وعام 2016، رفض الأردن طلباً إيرانياً جديداً للسماح بزيارة نصف مليون سائح البلاد وقصدهم الأماكن المقدسة للشّيعة فيها، معلّلًا ذلك برفض التدخلات في شؤونه الداخلية.

وحاولت عمّان دائماً منع أي فرصة لتعاظم الوجود والدور الإيراني في الأردن، إلاّ أنّ الغزو الأميركي للعراق أثَّر كثيراً في زيادة نسبة الشّيعة، فكان معظم اللاجئين العراقيين إلى الأردن من الطائفة الشيعية وحصل معظمهم على الجنسية الأردنية التي أثر وجودها في بلد سني ولو بشكل محدود، وتحدثت تقارير صحافية منذ عام 2007 عن تشيع عائلات أردنية في مدن إربد والسلط والزرقاء.

لوبي إيراني قوامه اليسار والإخوان

وتبدي السلطات الإيرانية قلقها من تقارب غريب بين اليسار الأردني وإيران أخيراً، والقلق مرده الخوف من بناء طهران لوبي أردني مؤيد لها، قوامه حركات اليسار على قاعدة تلاقي الجهتين في المواقف من سوريا و"حزب الله" وحركة "حماس" على الرغم من التباعد الأيديولوجي التاريخي بينهما.

ويحاول اليساريون منذ سنوات ترخيص جمعية إيرانية للصداقة مع الشعب الأردني، تنظم البعثات العلمية والتبادل الثقافي والتجاري وتخدم الإعلاميين والمثقفين ورجال الأعمال، جنباً إلى جنب مع العمل على تحسين العلاقات الرسمية بين البلدين في مجالات عدّة، لكنها في حقيقتها تشكّل موطئ قدم للوجود الإيراني في الأردن.

وغير بعيد من اليساريين، توطدت العلاقة بين إيران وجماعة "الإخوان المسلمين" في مرحلة ما، ما دفع عمّان إلى اتهام الحركة الإسلامية وطهران بالتعاون في تأجيج الشارع الأردني مطلع الربيع العربي. وأسهمت في مخاوف الأردن من استغلال إيران علاقتها بالإخوان، تصريحات نُسبت إلى قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في ندوة بطهران مطلع عام 2015 عن قدرة بلاده على تحريك الشارع الأردني ضد الحكومة والنظام، وهو ما نفته السفارة الإيرانية في عمان.

حزام بري وهلال إيراني

المخاوف الأردنية لم تتوقف عند "الهلال الشيعي"، بل تعدتها إلى مخاوف أمنية عبّر عنها قائد الجيش الأردني السابق الفريق الركن محمود فريحات حينما أطلق تحذيراً جديداً من "الحزام الإيراني" الذي يمكن أن يكون جسر وصل بين إيران ولبنان عبر العراق وسوريا. تحذيرات فريحات جاءت بعد أيام معدودة من أحداث الكرك التي تمثلت في هجوم شنته خلية تابعة لـ "داعش" في المدينة الجنوبية وأسفرت عن مقتل سبعة من رجال الأمن، الى جانب سائحة أجنبية.

الملك عبد الله الثاني عاد مجدداً للتحذير من الخطر الإيراني ولكن هذه المرة عبر استخدام مصطلح "الهلال الإيراني" ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في العام 2018. ويشير العاهل الأردني مراراً إلى خطر السلوك الإيراني بدعم ميليشيات مسلحة وإقحام الدين في الخلافات السياسية وإلى أي مدى ساهمت السياسة الإيرانية في تأجيج الصراعات في المنطقة.

حقوق الجوار

"الارتياب" الأردني من طهران عبّر عنه أيضاً وزير الخارجية أيمن الصفدي أكثر من مرة، حينما ساوى بين خطر "داعش" والميليشيات الجهادية في سوريا على الأردن بخطر الميليشيات الإيرانية أو تلك المدعومة من إيران. فعام 2015، خضع مواطن عراقي يحمل الجنسية النرويجية للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة بتهمة العمل لحساب الحرس الثوري الإيراني والاشتباه في تخطيطه لأعمال إرهابية على أرض الأردن، ما عزّز المخاوف الأمنية.

 وعلى الرغم من العلاقات الدبلوماسية بين عمّان وطهران، إلاّ أنّ سياسة المملكة الخارجية تقول بوضوح لنظام الملالي الإيراني إن الأردن سيظل يقف وبقوة في المعسكر العربي "السني" والخليجي تحديداً، وإن علاقاته مع إيران لا يمكن أن تكون على حساب الحقوق العربية، إلاّ إذا اتّبعت إيران سلوكاً جديداً يقوم على عدم التدخل في الشؤون العربية واحترام حقوق الجوار.

المزيد من العالم العربي