الغاز الموريتاني قريباً في الأسواق: نقمة أم نعمة؟

احتياطي موريتانيا من الغاز قد يجعل منها قطباً اقتصادياً وازناً في العقود المقبلة

محطة للوقود في مدينة شنقيط شرق ولاية أدرار في موريتانيا (غيتي)

صنّف تقرير الاتحاد الدولي للغاز لسنة 2018 موريتانيا في المرتبة السادسة بين 24 دولة ضمن المشاريع الجديدة المقترحة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال من طريق المنصات العائمة. ويقدّر التقرير الطاقة الموريتانية القابلة للاستخراج عبر المنصات العائمة، بـ4,6 مليون طن سنوياً.

موقع موريتانيا كبلد منتج للغاز قد يتعزز في المستقبل، مع الإعلان أخيراً عن اكتشاف بئر جديدة على بعد عشرات الاميال من العاصمة نواكشوط، ضمن المياه الاقليمية الموريتانية، ويزيد احتياطي هذا الحقل على 60 تريليون متر مكعب من الغاز، أي ما يساوي ثمانية أضعاف بئر السلحفاة.

"السلحفاة آحميميم"

"السلحفاة آحميميم" هو الاسم الذي يطلق على حقل الغاز المشترك، الواقع على الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، والذي سيبدأ التصدير في 2021 أو 2022. الرئيسان الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، والسنغالي مكي سال، وقعا أخيراً في العاصمة نواكشوط، مع شركتي بريتش بتروليوم وكوسموس اتفاق استثمار حقل الغاز المشترك. ووقع البلدان اتفاق تقاسم عائداتهما من ثروة الغاز مناصفة. وتقدَّر بريتش بتروليوم احتياطيات تلك المنطقة بأكثر من 450 مليار متر مكعب، مؤكدة أنها بصدد اتخاذ قرار استثماري. علماً أن  تنفيذ هذا المشروع قد يستغرق عقوداً عدة.

التكاليف والعائدات

إنتاج الحقول المشتركة بين موريتانيا والسنغال قسمان: قسم لتغطية تكاليف التنقيب والاستثمار، وقسم خاص بتوزيع العائدات، مع أن لكل بلد خصوصيته. على الرغم من حداثة موريتانيا في هذا القطاع، حاول الجانب الموريتاني الاستفادة من خبرته في التعامل مع شركات الطاقة العالمية، خلال استثمار حقل شنقيط، مطلع الألفية الحالية. وترى النائب السالمة أعمر شين أن الغاز سيشكل إضافة كبيرة إلى مصادر الثروات في موريتانيا وتردف قائلة إن "الاتفاقيات الموقعة مع الشركات الأجنبية لاستخراج الغاز من المياه الإقليمية الموريتانية تمت وفق أفضل الشروط المطبقة عالمياً، سواء أكان من حيث النسبة التي ستحصل عليها موريتانيا أو من حيث الالتزامات الأخرى التي تقدمت بها الشركات".

ويقول الخبير الاقتصادي محمد منا الشيباني إن موريتانيا لا تملك ما يكفى من التجربة الميدانية والخبرات البشرية. وهذا ما يضعف قدرتها على التحصن من ثغرات الاتفاقيات الدولية في ميدان الطاقة، سواء أتعلق الأمر بالتنقيب والاستخراج أم بالتسويق. في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي الحسين الخراشي إنه على الرغم من تبني موريتانيا مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية منذ 2005، فإن المعلومات عن حقول الغاز لا تزال محكومة بالسرية، وما رشح منها يعتبر معلومات عامة فقط. ويتوقع الخراشي، بناءً على تقديرات أولية، أن يبلغ مقدار عائدات موريتانيا من تصدير الغاز المسال في المرحلة الأولى، ما بين 170 و 300 مليون دولار سنوياً، على أن يرتفع مقدار هذه العائدات تدريجاً.

آفاق واعدة

تبلغ احتياطات الغاز، التي اكتشفت إلى الآن في الحقل الذي يقع على بعد نحو 300 كلم جنوب غربي العاصمة نواكشوط في مياه المحيط الأطلسي، نحو 15 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي العالي الجودة، وفق الرئيس التنفيذي للشركة بوب دالي. ويرى اقتصاديون أن الاكتشافات الجديدة تؤهل موريتانيا إلى صدارة الدول المصدرة للغاز، خصوصاً إذا تم تأكيد ارتفاع حجم الاحتياطات من 15 إلى أكثر من 50 تريليون قدم مكعب، وفق ما تتوقع بريتش بتروليوم. المؤشرات الواعدة اسالت لعاب شركات النفط العالمية، في مقدمها بريتيش بتروليوم وأكسون موبيل وشال وتوتال التي تعد من الشركات الخمس العملاقة في العالم، والتي تتنافس في موريتانيا على حقول التنقيب براً وبحراً.

التسويق...أوروبا مستهدفة أولا

يتوقع الخبير الاقتصادي محمد منا الشيبانيإن أن تغدو موريتانيا قطباً اقتصادياً وازناً في العقود المقبلة، نظراً للموقع الاستراتيجي لهذه الحقول التي لا يفصل بينها وبين القارة الأميركية سوى عرض المحيط الأطلسي والمسافة بينها وبين الاتحاد الأوروبي ليست بعيدة. ويلتقي الباحث الاقتصادي الحسن الخرشي مع هذا الرأي، ويرى أن أسواق دول أوروبا الغربية قد تكون هي المستهدفة بالتسويق أولاً. والمسافة عبر الأنابيب البرية تقدّر بنحو 4700 كلم، ونحو 1600 كلم عبر الأنابيب البحرية.

نصف قرن من التنقيب

بدأ التنقيب عن النفط في موريتانيا بعد استقلال البلاد عن فرنسا عام 1960، واستمر حتى عام 1992 من دون أن يؤدي إلى اكتشافات تجارية. وكان التقويم الإقليمي عام 1980 للأحواض الساحلية وحوض تاودني وسط البلاد، منطلقاً لقاعدة معلومات جوهرية عن هذه الأحواض، مما كان سبباً في متابعة عمليات التنقيب في نهاية التسعينيات والوصول إلى الاستكشافات اللاحقة. ويُعتبر اكتشاف شركة وود سايد الأسترالية حقل باندا للغاز سنة 2002 على بعد نحو 61 كلم من شواطئ نواكشوط، وبمخزون قُدّر بنحو 1.2 تريليون قدم مكعب، مؤشراً إيجابياً لاحتمال وجود الرواسب الهيدروكربونية (النفط والغاز) بكميات تجارية في المنطقة.

المنظومة القانونية

في محاولة لجذب المستثمرين، عمدت موريتانيا خلال الأعوام الماضية، إلى تحسين المنظومة القانونية التي تحكم التنقيب والاستخراج والاستغلال، وقد تم في ضوء ذلك إنشاء قاعدة بيانات بهدف زيادة التأثيرات الإيجابية، والحد من التداعيات السلبية مع مراعاة حماية البيئة، لتجاري المعايير الدولية السارية في صناعة النفط والغاز بهدف ضمان حماية الثروة السمكية والبيئة البحرية بشكل أفضل. ويكشف وزير النفط الموريتاني محمد ولد عبد الفتاح عن إلزام الشركات بتكوين الكوادر الفنية الوطنية وتطويرها، فضلا، عن إعطاء تشغيل العمالة المحلية الأولية.

نقمة أم نعمة؟

ينقسم الموريتانيون ازاء إعلان بداية استثمار حقول الغاز بين متفائل ومتشائم.  محمد محمودو سائق سيارة تاكسي، ينظر إلى طفرة الغاز المرتقبة على اعتبارها بداية قطيعة نهائية بين البلاد مع ثنائية الفقر والبطالة. أما فاطمة، وهي خريجة جامعية عاطلة من العمل، فلا تتوقع انعكاس الغاز على حياة الموريتانيين بسبب شيوع الفساد وسوء التسيير.  ويرى الأكاديمي الشيخ سيدي عبد الله أن تجربة الأنظمة الموريتانية مع الثروات التي سبقت الغاز، كالحديد والسمك والنحاس والذهب، تجربة مؤلمة وسيئة لأن العائدات لم تنعكس على المواطن ولا على تنمية البلد. ويربط سيدي عبد الله استفادة البلد من الغاز والثروات الأخرى بتجذر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والانفتاح على التكنولوجيا وإشاعة مناخ استثماري جذاب. لا يفصل الكاتب محمد محمود بكار بين اكتشاف الغاز ومرحلة التحول السياسي التي تمر بها موريتانيا. ويخلص إلى أن الظرف قد لا يكون مناسباً. ويقول إن "الفساد وغياب الشفافية يجعلان هذا النوع من الثروات لقمة سائغة للمتنفذين".