ثلث قرن من "انقلاب" المتغيرات والثوابت

العالم العربي انتظر عشرين سنة بعد انهيار الجدار لتصل إليه الهزات التي سميت ثورات "الربيع العربي"

كان بناء جدار برلين رمزاً للضعف لا للقوة (غيتي)

الرمز أكبر من الحدث. ولا حدث يحمل من الرموز ما حمله انهيار جدار برلين في مثل هذه الأيام من عام 1989. ولا نهاية لمفاعيل المتغيرات الجذرية التي تسارعت بعد الحدث على مدى ثلث قرن. النظام العالمي تغير مرتين. الأنظمة الإقليمية ضربتها الهزات الارتدادية للزلزال الجيوسياسي في أوروبا. العالم العربي انتظر عشرين سنة بعد انهيار الجدار لكي تصل إليه الهزات التي سميت ثورات "الربيع العربي". لكن مركز الثقل فيه انتقل من بلدان الأنظمة الراديكالية إلى بلدان الأنظمة المحافظة. وليس أكثر من الأوضاع التي تغيرت سوى القضايا التي لا تزال بلا حلول.

كان بناء جدار برلين رمزاً للضعف لا للقوة. لخوف النظام الذي يبني "جنة اشتراكية" من هرب مواطنيه إلى "جحيم الرأسمالية" fحسب قاموسه. وكان انهيار الجدار رمزاً لبداية انهيار منظومة إيديولوجية كاملة وحاكمة. منظومة أقامها لينين خلال الحرب العالمية الأولى بالثورة البلشفية عام 1917 في روسيا وبالتالي في الاتحاد السوفياتي، وتولى ستالين توسيعها خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها لتصبح بلدان أوروبا الشرقية أرض "المعسكر الاشتراكي" حول "القلعة السوفياتية".

أما في الغرب الأميركي والأوروبي، فإنه بداية النهاية للحرب الباردة والاتحاد السوفياتي بـ "انتصار الليبرالية السياسية واقتصاد السوق"، والتوجه من نظام الثنائية القطبية وصراع الجبارين الأميركي والسوفياتي إلى نظام القطب الأميركي الوحيد. فرنسيس فوكوباما سارع إلى إعلان "نهاية التاريخ". وسواه تحدث عن "نهاية الجغرافيا" بفعل العولمة الاقتصادية وثورة التكنولوجيا والاتصالات التي جعلت العالم "قرية كونية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن ذلك لم يدم طويلاً. فالتحولات البنيوية لا تتوقف. والرهان الأميركي على أن تصبح المتغيرات التي حدثت لمصلحة واشنطن من الثوابت هو لعبة خاسرة في الصدام مع حركة التاريخ. الغرب مارس إذلال روسيا بأكثر من وسيلة، بينها مد حلف "الناتو" إلى حدودها، بدل حلّه بعدما جرى حل "حلف وارسو" المعادي له. وأخطأ في التقدير بالنسبة إلى رهانه على أن تصبح روسيا جزءاً من الغرب، في حين أنها القوة المقابلة للغرب. ومع توسع التوظيف الأميركي والأوروبي في "الحلم الأطلسي"، كانت موسكو تعمل في هدوء لتحقيق "الحكم الأوراسي".

عندما انهار جدار برلين كان فلاديمير بوتين ضابطاً في جهاز الـ "كي جي بي" السوفياتي يعمل في ألمانيا الشرقية. وهو يروي أن الضباط السوفيات كانوا في ضياع وارتباك لا يعرفون ماذا يفعلون، وينتظرون أوامر من موسكو لم تأتِ.

ثم قرر الرئيس غورباتشوف بالتفاهم مع الرئيس بوش الأب الانسحاب من ألمانيا وقبول إعادة توحيد الألمانيتين وبعكس رغبة الرئيس الفرنسي ميتران ورئيسة الوزراء البريطانية تاتشر الخائفين من عودة ألمانيا الموحدة.

إذ شاع قول أحدهما: "أحب ألمانيا إلى درجة أنني أريد منها اثنتين". وها هو بوتين اليوم سيد الكرملين منذ العام 2000. معجب بستالين. يصف انهيار الإتحاد السوفياتي بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. يقول لزواره: "أنا عكس غورباتشوف، الأولوية عندي لوحدة روسيا وقوتها ومناطق نفوذها". ويتقدم حيث تتراجع أميركا، حيث استعاد عبر ضمه القرم والانخراط في حرب سوريا دور القوة العظمى الدولية لروسيا، ومارس "إستراتيجية التخلص من نتائج الحرب الباردة".

ومع عودة روسيا إلى القمة كان صعود الصين إلى دور القوة الكونية العظمى. فهي سطت على التكنولوجيا الأميركية وطورتها، بحيث أصبحت القوة الاقتصادية الثانية في العالم بعد أميركا وقبل اليابان. وهي تنفق حالياً أكثر من تريليون دولار على مشروع "حزام واحد، طريق واحد" كنموذج معاصر لـ "طريق الحرير" الذي كان يربطها بالعالم. وهكذا انتقلت أميركا من وصف الصين بأنها "شريك إستراتيجي" إلى التصرف على أساس أنها "منافس وخصم إستراتيجي". وما رافق عودة روسيا وصعود الصين هو تعاظم أدوار قوى إقليمية مثل الهند وإيران وتركيا. لكن العامل الأهم هو الانكفاء الأميركي الذي بدأ مع الرئيس باراك أوباما وتوسع مع الرئيس دونالد ترامب. وعلى العكس، كانت الصين تريد أن تحول "نمور آسيا الاقتصادية" إلى "قطط سياسية"، كما قالت كارين آليوت هاوس".

ذلك أن أميركا التي كان انهيار جدار برلين انتصاراً لها، وصلت مع ترمب إلى بناء جدار مع المكسيك. وهذه، في رأي ألكسندر دوغين المسمى "ملهم بوتين"، نهاية "مبدأ مونرو" الذي اعتبر أن أميركا اللاتينية حديقة خلفية للولايات المتحدة. لا بل إن دوغين يصف التخلي الأميركي عن مشروع العولمة للانكفاء إلى "أميركا أولاً" بأنه جعل ترمب "يلتسين الأميركي بعدما كان أوباما غورباتشوف".

أما سياسة الرئيس الأميركي، فإنها "تقوي الاتجاهات الراديكالية في روسيا والصين وإيران نحو الأوراسية". وأوروبا المصدومة بهجوم ترمب عليها وعلى الحلف الأطلسي تعود إلى قول الجنرال ديغول "أن أوروبا هي قضية الفرنسيين والألمان: فرنسا هي المحرك وألمانيا هي الحصان". فالرئيس ماكرون يصف الحلف الأطلسي بأنه في حال "موت سريري" بسبب اللامبالاة الأميركية والتفلت التركي، ويدعو إلى "بناء أوروبا الدفاعية المستقلة إستراتيجياً والمستعدة لحوار مع روسيا". والبارز أيضاً في هموم أوروبا هو صعود اليمين المتطرف في أكثر من بلد، ولاسيما في ألمانيا. فضلاً عن أن القارة العجوز، كما يراها سيمون سرفاتي من مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن، "قوة في العالم، ولكنها ليست قوة عالمية".

ثلث قرن صار فيه الدب الروسي سريع الحركة، والنسر الأميركي على الأرض، والتنين الصيني في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا. ومختصره، في رأي مايكل ماكفول السفير الأميركي السابق في روسيا، هو الانتقال من "حرب باردة" إلى "سلام ساخن".

المزيد من آراء