متظاهرون يتعرفون إلى لبنان ما قبل الحرب

زيارات إلى مبنيي "البيضة" و"التياترو الكبير"

مع توقف الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وتولي شركة "سوليدير" إعادة اعمار الوسط التجاري لبيروت، و"معالجة" المباني من "جروح الرصاص" التي خلّفتها الحرب، تبدّل وجه المنطقة من شعبي إلى نخبوي.

كانت المنطقة التي تضم ساحتي الشهداء ورياض الصلح وأسواق بيروت، بسيطة تجمع كل فئات المجتمع، وانتشرت فيها مطاعم الفول والحمص والفلافل ومحال الخضروات، إضافة إلى سهولة التنقل منها وإليها.

بين البساطة والفخامة

علت أصوات بعد الترميم والافتتاح عام 1997، أن هذه البقعة الجغرافية، خسرت ما كانت تتميز به من عفوية وبساطة، لتحل مكانهما الفخامة وغلاء الأسعار وماركات عالمية ومطاعم فارهة.

وشهدت المنطقة مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ازدهاراً لافتاً، وباتت مقصداً للميسورين محلياً، والسياح العرب والأجانب.

 لكن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، صاحب مشروع إعادة الاعمار، وأحداث مايو (أيار) 2008، عطّل المنطقة وأنهى فترة ازدهارها، فهجرها السياح وأقفلت المحال، وباتت ساحاتها للتظاهر والاعتصامات.

فرصة

في المقابل، سمحت الانتفاضة اللبنانية المستمرة منذ 20 يوماً، لعدد كبير من المتظاهرين بالتعرف على جانب جديد من المدينة. جانب لطالما تجولت فيه العيون الفقيرة مجاناً، من دون الجلوس في المقاهي أو المطاعم، خوفاً من ارتفاع قيمة الفاتورة.

اكتفى الفقراء ما بعد الحرب، بالتجول في منطقة كانوا يتجولون فيها سابقاً، ويشترون منها ما يحلو لهم. من هنا، قد يكون ما تعرضت له المحال أخيراً من تكسير وتخريب، نابعاً من حقد طبقي دفين.

الجيل الجديد

منح هذا الحراك الشعبي والمطلبي، الفرصة للجيل الجديد للتعرف عن كثب على معالم الحرب الأهلية التي لا تزال صامدة، في انتظار تحرك الدولة للاستثمار فيها مجدداً، أو العمل على منع هدمها.

يُعتبر مبنيا "البيضة" و"التياترو الكبير"، من أبرز مباني الوسط التجاري لبيروت، وهما شاهدان أساسيّان على فظاعة الحرب، خصوصاً أنهما كانا على خطوط التماس وتعرضا للتخريب والتملك من قبل المقاتلين، وشكّلا مركزا جيداً للقناصين.

لا يزال مبنى "البيضة" كما هو. معالم الدمار والتخريب لا تزال واضحة. ما إن تدخل إليه، تشعر بانسلاخ عن الواقع، هناك في آخر قاعة السينما، ثمة شاب قبّل فتاة في أواخر ستينيات القرن العشرين. وهنا في الطابق السفلي، مقاتل نظف سلاحه ليقتل مقاتلاً آخر، لأنه وببساطة لا يؤمن بما يؤمن به.

أما الداخل إلى "التياترو الكبير"، فيسمع نغمات جميلة، ويشعر بانسجام تام مع الموسيقى، لكن قذيفة سقطت في المبنى المجاور، تعكّر صفو المخيلة، وتعيدنا إلى الواقع،  فالخراب والتكسير والإهمال تسيطر على جمالية المشهد.

تعرّف المحتجون على مبنى "البيضة" الذي لا يزال كما هو بروعته الهندسيه المعمارية، واتساع قاعاته، في حين رُمم الشكل الخارجي لـ"التياترو الكبير" ليتناسب مع اللوحة المعمارية، بعد إعادة بناء الوسط التجاري، أما داخله، فيبقى ساحراً على الرغم من الدمار والخراب فيه.

 

مبنى البيضة

صمّم المبنى، المهندس المعماري اللبناني جوزيف فيليب كرم، عام 1966، وهو جزء من مبنى متكامل كان اسمه "سيتي سنتر"، أو "الدوم"، أول مبنى تجاري كبير بُني في بيروت، والشرق الأوسط.

هيكل المبنى المقبب، كان دار عرض سينمائي، ولحقت به أضرار بالغة خلال الحرب الأهلية، ومن ثم أصبح مهجوراً ليتحول إلى ملاذ للمراهقين، الباحثين عن مكان سري للتدخين أو شرب المسكرات.

دخل المحتجون غرفة الصوت في المبنى، ونظموا حفلات بشكل ارتجالي. كما دخل مسنون من السكان المبنى لإلقاء نظرة أخرى على معلم كانوا قد هجروه منذ زمن باعتباره لا يُسرّ الناظرين.

 وحوّل المحتجون مبنى البيضة إلى مكان لعقد الاجتماعات لمناقشة مستقبل الاحتجاجات، وما يسعى المتظاهرون إلى تحقيقه. وصعدت مجموعات صغيرة من المحتجين اللبنانيين درجاً خطراً لرفع أعلام، بينما زيّن آخرون جدرانه بكتابات وشعارات تطالب بالثورة وبمشاركة النساء وحقوق المثليين.

واللافت أن بعض الجمعيات استغلت ما يحصل، لتعرّف الحضور على معلم مهم من معالم البلد، فنُظمت في مبنى "البيضة" حلقات نقاش وعروض سينمائية، ودعا "نادي لكل الناس" إلى حضور عرض فيلم "إلى أين؟" (1957) للمخرج اللبناني جورج نصر (1927 ــ 2019).

وأكد النادي أنّ إقدامه على هذه الخطوة يأتي في سياق "إيماننا بحق الشعب في استرجاع كل الأماكن الثقافية المنهوبة من قبل رجال السلطة وتحت شعار لبنان ينتفض".

وتدور أحداث الفيلم حول الهجرة، إذ أصبح أوّل شريط يمثلّ لبنان رسمياً في "مهرجان كان السينمائي الدولي" ووضع البلد على الخريطة السينمائية العالمية.

"التياترو الكبير"

يُعتبر "التياترو الكبير" من أفخم مسارح بيروت وأرقاها أيام العز. كان عبارة عن مستودع للزوارق يمتكله أبو عبد الله الشرقاوي في شارع المير بشير بين اللعازارية وساحة رياض الصلح، ومن ثم بيع إلى جورج تابت الذي قرر بمبادرة فردية، أن يسدَّ فراغ المدينة من حيث افتقارها إلى مسرح بعد "الكريستال"، غرب ساحة الشهداء.

أوكل تابت مهمة هندسته إلى يوسف أفتيموس أواخر العشرينيات، فتألف المبنى من ثلاث طبقات تعلوها قبة كانت تفتح وتغلق على الكهرباء للتهوئة. وتميز المسرح بكونه دائرياً، يشبه في هندسته المسارح اللندنية القديمة، أما مقاعده الـ 706 الحمراء، فكانت تشبه إلى حد كبير مسرح "الأوبرا" في فرنسا.

تميز "التياترو" ببهوه الفسيح الذي يتفرع منه درجان عريضان يؤديان إلى مقصوراته الفخمة وغرف الممثلين الواسعة، ومدخله الخارجي بالزخرفة والزينة، أما ديكوره الداخلي، فغلبت عليه البساطة.

أم كلثوم

وكانت التقنيات فيه تتطابق مع المواصفات العالمية في ذاك الوقت، إذ كان مجهزاً بتقنيات صوتية مدروسة، فيصل الصوت بوضوح إلى آخر مشاهد في الصالة، كما أن تقنياته الضوئية، كانت تضفي على الديكور أجواءً رائعة. افتُتحت صالة "التياترو الكبير" بعروض مسرحية عام 1929 لفرقة "ماري بل وشارل بواييه"، وافتُتح موسم التمثيل الفرنسي بـ"الأوبريت كلاسيك"، وبعد عام، قدّمت "لا كوميدي فرانسيز" بعضاً من عروضها وكان من بين أعضائها الممثل المصري جميل راتب والفنانة الرومانية إيفيت بوبسكو. كذلك، استقطب "التياترو" عمالقة الغناء والطرب العربي الأصيل لإحياء حفلاتهم في رحابه، حيث غنّت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للمرة الأولى في بيروت.

وممن تركوا بصماتهم الذهبية على خشبته، عميد المسرح يوسف وهبي الذي عرض مسرحيات عدة مع فرقته، والفرقة القومية المصرية للمسرح وكان من بين ممثليها أمينة رزق وفؤاد شفيق وحسين رياض.

وعندما أراد الفرنسيون شق طريق يمتد من مرفأ بيروت إلى محلة الحرج، وضعوا في اعتبارهم إزالة "التياترو"، إلاّ أنّ ذلك لم يحدث بسبب أصوات الاحتجاج التي ارتفعت آنذاك.

 

بين الهدم والتجميد

اقتصر ترميم شركة "سوليدير" للمبنى على هيكله الخارجي وسدّ ثقوب الرصاص، فيما بقي على حاله من الداخل. ومع انتهاء الحرب، وضعت الشركة مخطّطاً لتحويل مساحته البالغة أكثر من 11 ألف متر مربّع إلى فندق فخم مؤلّف من 90 غرفة، ومسبح ومطاعم وقاعات للتسلية.

 أوراق وعرائض وُقّعت بداية التسعينيات لمنعه من التحوّل إلى فندق، فأعلن وزير الثقافة آنذاك الراحل ميشال إده عام 1993 استثناء "التياترو الكبير" من الهدم الذي طاول كل الأحياء المجاورة.

وتحت ضغط المسرحيين في التسعينيات، شهد المسرح بضعة عروض تتمسّك بحق الناس في المسرح وتطالب بإعادة ترميمه وتشغيله، منها عرض "تحية إلى التياترو الكبير" للمخرج المسرحي الفرنسي جيل زافيل، و"لوعة حب" للمخرج اللبناني الراحل نبيل الأظن.

لكن العمل على ترميمه ظلّ معلّقاً حتى الآن. ومن بين المطالب المعيشية الكثيرة، علت الأصوات المطالبة باستعادة المسرح مجدداً مع عودة الناس إلى الشارع.