جهاز سري لحركة النهضة"... يقلب المشهد السياسي في تونس"

وثائق سرية موجودة في غرفة سرية في وزارة الداخلية... وهيئة الدفاع في قضية اغتيال شكري بلعيد تشنّ هجوماً على النيابة العمومية

لا تثق المحامية بسمة الخلفاوي زوجة شكري بلعيد بالسلطات السياسية (إندبندنت عربية)

لم يأخذ كثيرون على محمل الجد ما أعلنته هيئة الدفاع في قضية اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، عندما قدمت لوسائل الإعلام، في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، ملفات تثبت امتلاك وزارة الداخلية وثائق سرية ضُبطت في منزل الضابط السابق في الجيش التونسي مصطفى خضر، الذي سُجن في العام 1992 بتهمة الانتماء إلى حركة النهضة وبقي مجهولاً إلى ما بعد سقوط نظام بن علي في العام 2011.

خضر الذي تم اكتشاف سرقته عدداً هائلاً من الوثائق السرية لوزارة الداخلية أوقف وحكم بالسجن ثماني سنوات، لم تثر قضيته حينها أهمية، لكن فريق هيئة الدفاع في قضية بلعيد والبراهمي نجح بعد جهود امتدت سنوات في الكشف عن عدد كبير من تلك الوثائق، التي وجدت في منزل استأجره المتهم خضر. وبعد ضبطها وضعت في غرفة سرية في وزارة الداخلية. لم يعلم أحد في شأن تلك الوثائق طوال خمس سنوات من تاريخ حجزها ولغاية الكشف عنها من قبل فريق الدفاع.

ويقول أحد أعضاء فريق الدفاع المحامي رضا الرداوي، إن ما كُشف "قطرة في بحر الوثائق السرية الخطيرة، التي تكشف عن تشكيل حركة النهضة جهازاً سرياً متورطاً في جرائم الاغتيالات والتجسس والإرهاب".

وتبيّن الوثائق، وفق الرداوي، أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، هي من نصح حركة النهضة بإنشاء "جهاز سري". وتلقي الوثائق الضوء على الوحدة التنظيمية للإخوان في مصر وتونس، تحت قيادة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان. ويرد في الوثائق أن دور إخوان مصر تجاوز النصيحة إلى تدريب النهضة عسكرياً وأمنياً أيضاً، وفق الرداوي.

إثر إعلان هيئة الدفاع عن تلك المستندات وسرقتها وعن الغرفة السرية في الداخلية، فتحت النيابة العمومية في قطب مكافحة الإرهاب تحقيقاً في الموضوع وجرى التأكد من وجود الوثائق. وتوجه قاض في سابقة في تاريخ القضاء التونسي إلى مبنى وزارة الداخلية ومعاينة الغرفة، ونقل جزءاً من الوثائق التي كانت موجودة فيها ووضع أقفالاً جديدة وكاميرات تصوير.

اتهامات متبادلة 

فريق الدفاع صعّد خطابه واتهامه حركة النهضة بالتورط في الاغتيالات وكثير من الجرائم، معتبراً أن وجود جهاز سري خاص لدى النهضة يخالف قانون الأحزاب ويعرض الحركة للمساءلة القانونية.

وردت الحركة على هذه الاتهامات مهدِدة باللجوء إلى القضاء لمحاسبة كل من يتهمها أو يتهم أحد قادتها بالتورط في هذا الملف، ولكنها لم تتقدم بأي شكوى. ما توقف عنده كثيرون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يقتصر هجوم فريق الدفاع العالي اللهجة على حركة النهضة، بل شمل النيابة العمومية ممثلة في شخص الوكيل العام للجمهورية البشير العكرمي، وهو أعلى منصب في النيابة العمومية. فقد اتهمه الدفاع، على لسان المحامية إيمان قزارة، بعدم فتح تحقيق في الشكاوى التي تقدمت بها الهيئة واكتفى بحفظها على الرغم من أهمية الدلائل المقدمة.

واستغرب المحامي كثير بوعلاق موقف النيابة العمومية، ويصفها بـ"المتواطئة" مع النهضة في قضية الجهاز السري.

الهجوم العنيف من هيئة الدفاع على النيابة العمومية دفع الناطق الرسمي باسمها سفيان السليطي إلى الرد، فقال إن الشكوى التي رفعتها هيئة الدفاع مازالت محل نظر من جانب فرق البحث المختصة في قضايا الإرهاب، ونفى أن يكون قد تم توجيه طلبات إلى شخصيات في حركة النهضة للتحقيق معها والاستماع إلى أقوالها في هذه القضية.

التراشق بالاتهامات وصل إلى حد إلغاء الناطق الرسمي باسم النيابة العمومية ندوة صحافية مخصصة للرد على اتهامات هيئة الدفاع، وعلّل ذلك بحضور عدد من اعضائها الندوة. ما يعكس حجم الشد والتوتّر في العلاقة بين الطرفين.

لا قرار سياسياً

تعتقد المحامية بسمة الخلفاوي زوجة شكري بلعيد بأن الشعب التونسي إذا وقف وقفة رجل واحد سيكشف هذا الملف كاملاً.

تضيف في حديث إلى "إندبندنت عربية" أن الثقة بالسلطات السياسية انتهت وانتفت، ولو كان هناك موقف سياسي جاد يريد كشف حقيقة الاغتيالات وحقائق أخرى، لتمّ ذلك منذ إعلان هيئة الدفاع في أكتوبر الماضي. لكن غياب الإرادة السياسية هو ما جعلنا لا نجد جواباً سياسياً ولا قانونياً واضحاً عن الجرائم التي ارتكبت.

وتوجّه بلعيد اتهاماً صريحاً إلى السلطة السياسية بالتراخي والمراوغة، معتقدة أنها بهذه المراوغات ستكسب معارك انتخابية، لكن هذه الأطراف تتناسى أن الشعب يعرف اليوم الحقيقة ولا يمكن خداعه.

على الرغم من عنف الاشتباك بين هيئة الدفاع والنيابة العمومية، فإن إصرار الهيئة يبدو قوياً ومتماسكاً بحيث يصرّ أعضاؤها على السير حتى النهاية، لكشف حقيقة ما جرى في تونس على يد الجهاز السري لحركة النهضة. وتحتفظ الهيئة بكثير من الأوراق والملفات، التي لم يتم الإعلان عنها مع إمكان اللجوء إلى مقاضاة مَن تعتبره مورطاً في الجرائم أمام محاكم أوروبية.

وفي انتظار كشف مزيد من الحقائق يضع ملف الجهاز السري لحركة النهضة سنة الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس في الميزان، لأن من دون كشف الحقيقة أو أجزاء منها، سيكون من الصعب الاقتناع بنجاح استمرار التجربة الديموقراطية في دورتها الثانية.

النهضة ترفض الاتهامات

ورفض عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، الاتهامات الموجهة إلى الحركة جملة وتفصيلاً، قائلاً إن هيئة الدفاع ليست سوى وكيل لجهة سياسية ترى في الحركة عدواً سياسياً وأيدولوجياً.
وأضاف الخميري أن هذه الجهة السياسية، أي الجبهة الشعبية، لا تريد الاعتراف بالقضاء ومؤسساته، بل احتكمت إلى وسائل الإعلام بدلاً من القضاء.
وأوضح الخميري أن لا علاقة للحركة بمصطفى خضر نهائياً، بل إن مصلحة الحركة تقتضي كشف حقيقة هذا الملف أمام الرأي العام.

المزيد من العالم العربي