الأمن الجزائري يقمع إضراب القضاة المفتوح

يشكل هذا الاعتداء سابقة في تاريخ القضاء في البلاد

في مستجد غير متوقع للصراع الدائر بين جهاز القضاء ووزارة العدل في الجزائر، استنجدت السلطة برجال القوة العمومية لكسر إضراب القضاة المفتوح منذ أسبوع، ما وصفه مراقبون بالتطور الخطير، الذي من شأنه تعميق أزمة الانسداد في البلاد، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تفاجأ الجزائريون، الأحد، بمقاطع فيديو ترصد مداهمة قوات التدخل التابعة للشرطة والدرك، لمجلس قضاء وهران، أكبر محافظات البلاد في الناحية الغربية، والاعتداء على قضاة احتجوا على تنصيب القضاة الجدد في إطار حركة نقل ضخمة، أقرها وزير العدل بلقاسم زغماتي، طالت حوالى ثلاثة آلاف قاض، ورفضتها نقابة القضاة، معلنةً الإضراب منذ الأحد الماضي.

وتركت الفيديوهات المتداولة على نطاق واسع، صدمة وسط الشارع الجزائري، الذي لم يتوقع أن يتطور الصراع بين السلطة القضائية ونظيرتها التنفيذية إلى هذا الحد، إذ إنها المرة الأولى في تاريخ القضاء الجزائري، التي تقتحم فيها قوات الأمن مكاتبه، وتعتدي على "حراس القانون" داخل مؤسسة قضائية.

وكان وزير العدل بلقاسم زغماتي قد "رخّص" في كتاب وجّهه إلى رؤساء المجالس القضائية باستدعاء القوة العمومية إذا لزم الأمر، لتنصيب عدد من القضاة الجدد ممّن وافقوا على حركة النقل، علماً أن أعضاء مجلس قضاء وهران، بمن فيهم الذين لم يشملهم قرار وزير العدل، التزموا الإضراب الذي دعت إليه النقابة الوطنية للقضاة، بينما هناك 140 قاضٍ وقاضية في المجلس والمحاكم طالتهم حركة النقل وحُوّلوا بغالبيتهم الساحقة إلى مجالس قضاء المدن المجاورة.

التعليمات

وربط متابعون ما تعرّض له القضاة على يد قوات الشرطة والدرك، اليوم الأحد، بتصريح رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح وهو يخاطب وزير العدل بلقاسم زغماتي، بمناسبة احتفال رسمي بالذكرى الـ56 لثورة التحرير، المصادفة للفاتح من نوفمبر، قائلاً له "واصل إلى النهاية"، إذ بث التلفزيون الحكومي تسجيلاً لقايد صالح يتلقّى التهاني من وزراء وشخصيات عدّة، قبل أن يقترب منه وزير العدل، فبادره رئيس أركان الجيش بالفرنسية "Il faut aller jusqu'au bout"، أي "واصل إلى النهاية"، وردّ الوزير "شكراً ألف مرّة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأثار هذا التصريح جدلاً واسعاً وسط القضاة وعبر منصات التواصل الاجتماعي. وعلى نحو متسارع، طلبت وزارة العدل من رؤساء المجالس القضائية والنواب العامين قوائم بأسماء القضاة المتوقفين عن العمل.

وجاء في طلب الوزارة أنه "نظراً إلى كون التوقف عن العمل في المحاكم كان بحجة التضرر من نتائج الحركة السنوية التي أقرها المجلس الأعلى للقضاة، فإنه يطلب منكم إعداد قائمة القضاة المتوقفين عن العمل، على الرغم من أنّ الحركة لم تشملهم".

في المقابل، وصف المدير العام للشؤون القانونية في وزارة العدل عبد الحفيظ جرير، في تصريح له، اليوم الأحد، رد فعل القضاة الجزائريين إزاء حركة النقل الأخيرة بـ"التمرد والعصيان"، موضحاً أنه لا يمكن أن يعتبر في أي حال من الأحوال إضراباً وهم الكفيلون باحترام قوانين الجمهورية، وفق تعبيره.

القضاة ينتفضون والمحامون ينددون

وفي أول رد فعل، ندّد "نادي قضاة الجزائر" بواقعة اقتحام عناصر من الدرك الوطني لمقر مجلس قضاء وهران، واصفاً تعنيف القضاة بـ "التصرف الجبان والمستبد"، ومعتبراً أنها "سابقة في العالم لم تحصل في أشد الدول ديكتاتورية".

وجدّد نادي القضاة موقفه السابق بالدعوة إلى "رحيل وزير العدل بلقاسم زغماتي وكل مسؤول نفّذ أوامر غير شرعية وباطلة بقمع قضاة"، مشيراً إلى أن بقاء الوزير يُعدّ "خطراً على المنظومة القضائية واستقرار أجهزة مهمة وحساسة في الدولة".

وفي موقف تضامني، دان اتحاد منظمات المحامين الجزائريين في بيان ما وصفه بـ"أعمال العنف والتعدي من طرف رجال القوة العمومية على قضاة داخل حرم المجلس القضائي في وهران".

وأضاف البيان "الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين يدين مثل هذه التصرفات ويعتبرها مساساً خطيراً بسيادة السلطة القضائية، وتصرفاً غير مقبول مهما كانت الدواعي والمبررات".

وبلغت نسبة الاستجابة لإضراب القضاة 98 في المئة، وفق نقابة قضاة الجزائر، التي اتهمت الحكومة باستخدام أساليب بوليسية ضد القضاة، معلنة استمرار الإضراب حتى استقالة وزير العدل.

المزيد من العالم العربي