محمد الزعبي بساق واحدة... "حارس المدينة" في طرابلس

لا يستغرب عارفوه اندفاعته فهو شاب يمتاز بالنخوة والخلق الحسن

"ذوو الاحتياجات الخاصة في قلب الثورة، وعليكم إنصافهم"، هذا ما تقوله صورة الشاب محمد الزعبي، التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. فهذا الشاب الأربعيني الذي فقد إحدى ساقيه إبان الطفولة، لم يقبل أن يقف متفرجاً على ساحة النور في طرابلس، وإنما اندفع للمشاركة في تنظيف الطريق وكنسها، من ضمن "حراس المدينة" الذين يتولون التنظيم والتنظيف في ساحة التظاهرات.

لا يستغرب عارفو محمد اندفاعته، فهو شاب يمتاز بالنخوة والخلق الحسن، وهو صاحب قدرات لا محدودة، ولم تتمكن حالته الخاصة عرقلة سعيه لتغيير واقعه وتحسينه.

تجربة ثورة على الحياة

يروي الزعبي المحطات الأساسية في حياته. فقد تعرض لحادث في عمر السنتين، وتطوّر وضعه الصحي إلى أن اضطُّر الأطباء إلى بتر ساقه اليسرى في التاسعة من عمره. انعكست هذه التجربة على حالته النفسية، فنظرة المجتمع لا ترحم لأنها لا تقبل المختلف، لذلك لزم المنزل طوال فترة المراهقة وبداية الشباب، فكان ينتقل من المدرسة إلى البيت، وبالعكس. ولكن مع حصوله على شهادة البكالوريا المهنية، بدأ يشعر ببعض التغيير.

مع سن البلوغ، بات الزعبي مستعداً لمواجهة النزعة التمييزية لدى البعض، وساعده في ذلك رفاقه الأربعة، فعلى الرغم من ارتباطه بهم، إلاّ أنّه لم يكن بإمكانه مسايرتهم ومرافقتهم في ممارسة هواياتهم في تلك الفترة. اليوم، هو أب لأربع بنات، ويعطي نموذجاً عن تغيير النظرة إليه. فعندما قرر، تقدم للزواج لكن طلبه جوبه بالرفض. واضطُّر إلى الارتباط بحبيبته عن طريق "الخطيفة". وحالياً، أصبح المفضل لدى عائلتها "ويحلفون بشرفه".

يقول الزعبي إنه عندما نضج، اكتشف أن هناك عالماً جديداً خارج الجدران الأربعة للمنزل. ومع استعانته بالطرف الاصطناعي، بدأ يمشي بين الناس دونما استعانة بالعكاز. يستغرب سبب قلة الوعي. وعلى الرغم من عدم إخفاء امتعاضه من تلك النظرة، إلاّ أنّه يؤكد أن "كل إنسان معرّض". لذلك، يجب التنبه إلى أهمية الدمج عوضاً عن التهميش.

منتدى الشمال

انتمى الزعبي إلى منتدى الشمال لذوي الإعاقة، وبدأ يشارك في نشاطاته، وهو يلعب اليوم ضمن فريق كرة السلة التابع للمنتدى. حقّق المرتبة الثانية في أولمبياد الصليب الأحمر، كما أنه لاعب ضمن المنتخب الوطني اللبناني. وتحوّل شاباً فاعلاً في بيئته ومجتمعه. ومع إصراره على البدء بالعمل، اضطُّر إلى الاستغناء عن الطرف الصناعي، إذ لا يمكنه استخدامه طوال الوقت. كما أنه يجب ترميم هذا الطرف وتغييره كلّ سنة، وتبلغ كلفته حوالى ثلاثة آلاف دولار، وهو ما لا طاقة له به. تلقّى الزعبي عرضاً من قبل أحد الأطباء لتركيب طرف اصطناعي حديث، فلم يمانع شرط عدم إعاقته عن عمله وحركته.

فرص العمل ضئيلة

كل ذلك أكسبه مزيداً من القوة للمواجهة، ودفعه إلى طرق باب البحث عن وظيفة ثانية، إلاّ أنّ المؤسسات لم تفتح له أبوابها الواسعة. وهو يعمل اليوم لمدة 18 ساعة وبوظيفتين، بسطة القهوة وتعبئة الخضر والفاكهة في أحد المولات الكبيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتحدث محمد الزعبي عن منافسة غير مشروعة يتعرض لها ذوو الاحتياجات الخاصة في مجال الأكشاك، فهذه الأكشاك لا تمنح رخصها لمستحقيها وإنما لأصحاب الواسطة والنافذين.

تحوّل اليوم إلى نموذج وقدوة لدى رفاقه في المنتدى والشارع، لأن تجربته تؤكد أهمية الإرادة في تجاوز الصعوبات المختلفة. ويدعو جميع أصحاب الإعاقات وفاقدي الأطراف إلى الخروج من بيوتهم والمساهمة في الإنتاج، وإلى تحسين أوضاعهم وتشجيع غيرهم على المشاركة في الحياة العامة، لأن "الوضع الحالي في لبنان تعبان، ويجب أن يعتمد كل إنسان على نفسه".

أين القانون 220؟

على غرار ذوي الاحتياجات الخاصة، يطالب الزعبي بتطبيق القانون220  الصادر عام 2000. فهذا التشريع الذي كان يُفترض أن يحقق المساواة بين الناس، ويعطي أصحاب الهمم بعض الحقوق مثل العناية الطبية أو تعويض البطالة وحفظ حصة لهم بالعمل، لا يطبق. ويلفت إلى أنّ بطاقة ذوي الاحتياجات الخاصة التي منحته إياها وزارة الشؤون الاجتماعية، لم تنفعه بشيء، إلاّ عبور حاجز قوى الأمن. ولم تمنحه أي امتيازات أو تقديمات صحية وعلاجية. ويجزم أنه لم يستفد من أي تقديمات، معتبراً أن الإنصاف يكون في أن تؤمن له الدولة حقوقه، وتعوضه عن عدم القدرة على العمل. ويكشف عن أن وزارة الشؤون عندما طبقت نظام الإعانات الغذائية والمساعدات للعائلات الأكثر فقراً، لم تمنحها لذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الضعيفة، وإنما حصل عليها المحسوبون على الجهات السياسية النافذة.

يطمح الزعبي أن تحقق الثورة التغيير المرجو، وأن تُطوَّر القوانين لخدمة الفئات الضعيفة، وفي مقدمها ذوو الاحتياجات الخاصة، بغية تحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية.

المزيد من العالم العربي