Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يمكن استعادة التوازن القبلي في السودان بعد الحرب؟

تبدأ بإدراك أن القبيلة بحد ذاتها ليست سبب الصراع بل إن تسييسها هو الذي حول الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات للحشد والمواجهة

لا تزال القبيلة تشكل قوة فاعلة تؤثر في مسار الأحداث وتوجهها (أ ف ب)

ملخص

يمكن فهم العلاقة بين المركز والهامش من خلال ثلاثة نطاقات متداخلة، يمثل النطاق الأول مركز النفوذ، ويضم المدن وبعض القبائل المتحالفة مع السلطة. ويليه نطاق وسيط تقطنه قبائل خاضعة، ويديره وجهاء محليون تعينهم الحكومة المركزية، أما النطاق الثالث، فهو أكثر مرونة وتتسم حدوده بعدم الوضوح، وتقطنه قبائل تعيش في حال تمرد دائم.

 تعد القبيلة في السودان الركيزة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي بمثابة مخزون بشري يبني عليه المجتمع هياكله، وقد أدت التباينات في البيئة الجغرافية بين الشمال والجنوب إلى نشوء أنماط حياة متباينة بين القبائل المختلفة، وهو واقع كثيراً ما أشعل فتيل الصراعات حول السيطرة على الموارد الاقتصادية وطرق التجارة، وتفاقمت حدتها بفعل التوترات الطائفية والسياسية. والقبيلة تنطوي على هوية ثقافية وإثنية راسخة تميز أفراد مجموعة ما عن غيرهم، وبفضل تعزيزها عبر روابط القرابة الوثيقة والجوار، يمتلك أفرادها شعوراً قوياً بالهوية. ويتطلب تشكل المجتمع القبلي التقليدي وجود تنظيم عرفي مستدام ونظام للتبادل، إضافة إلى أن هناك بعداً عاطفياً، يتمثل في شعور عميق بهوية مشتركة، يعزز لدى الأفراد الإحساس بالانتماء.

ولا تزال القبيلة تشكل قوة فاعلة تؤثر في مسار الأحداث وتوجهها. ففي ظل الحرب الحالية التي بدأت منذ الـ15 من أبريل (نيسان) 2023، تآكلت مؤسسات الدولة، بينما برزت الانقسامات الإثنية والطائفية والفئوية إلى الواجهة. ويرى كثر أن هذه الانقسامات كانت موجودة دائماً، وإن كانت كامنة، وأن تجليها الحالي، الذي حمل سمات "التطهير العرقي"، اتضح جلياً في الأحداث التي اتهمت قوات "الدعم السريع" بارتكابها في حق قبيلة المساليت وغيرها من قبائل دارفور.

أدت الحرب في السودان إلى تعميق الشرخ العرقي، إذ ساد خطاب يتمحور حول الحشد والاصطفاف، وفي ظل هذه الأجواء تراجع الخطاب البناء والهادف، الذي كان يمكن أن يعمل على رتق النسيج الاجتماعي. ومنذ اللحظة التي أطلقت فيها الرصاصة الأولى أصبح المجتمع بأسره عرضة للاستهداف. ويشكل التحول الاجتماعي الذي أفرزته الحرب تهديداً حقيقياً للقوى الساعية إلى إنهاء الصراع، وإعادة بناء الدولة، واستعادة الحياة الاجتماعية والمدنية، بما في ذلك مؤسسات الدولة المختلفة، لضمان نظام اجتماعي متوازن. ويتطلب تحقيق ذلك تفكيك مراكز القوى والمصالح التي نشأت في خضم الحرب، وهي معركة لا تقل ضراوة عن الحرب ذاتها، وزادت ضرورتها في أعقاب الدمار الذي خلفه النزاع.

ظروف متراكمة

تكمن جذور الصراع القبلي في ظروف تاريخية تراكمت عبر الزمن لتشكل الواقع القاتم للوضع الحالي في السودان. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا النوع من الصراعات القبلية ظهر للمرة الأولى عام 1932، حين اندلعت مواجهات في منطقة شمال دارفور بين قبيلتي الزيادية والميدوب من جهة، وقبيلتي الكبابيش والكواهلة من جهة أخرى. وتكرر هذا النمط من الصراعات في الأعوام اللاحقة، وصولاً إلى عام 1983، وهو عام يمثل منعطفاً حاسماً في تاريخ النزاعات القبلية في السودان، حيث شهد ظهور صراعات بين القبائل الرعوية والقبائل الزراعية. وهناك أحداث خارجية ألقت بظلالها على هذه الصراعات، أبرزها الحرب التي دارت بين ليبيا وتشاد خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب الحرب الأهلية التشادية، إذ سعت القبائل المتحاربة في تلك النزاعات إلى طلب العون من أبناء عمومتها، المقيمين في السودان، مما أدى إلى تداعيات سلبية داخل النسيج القبلي السوداني.

 

وفي حين منحت المجموعات القبلية الدولة الحديثة، باعتبارها إطاراً تنظيمياً للمجتمع، مصدراً للسلطة والنفوذ الرسمي، فقد احتفظت في الوقت ذاته بصلاحية الفصل في النزاعات داخل نطاقها الجغرافي. وظلت تضطلع بمسؤوليات أخرى، مثل جمع الضرائب، وتجنيد أفراد قوات "الدفاع الشعبي"، وملاحقة الخارجين على القانون. وواصلت القبائل السودانية ممارسة سيادتها على نفسها ومواردها، وتدير شؤونها وفقاً لقوانينها وتقاليدها الخاصة، وهو واقع يثير تساؤلات حول كيفية تقاسم السيادة بين القبيلة والدولة.

 ظهرت مصطلحات لوصف هذا الواقع الذي يتسم بالاستقطاب الإثني، مثل التمييز بين "أولاد البحر أو الجلابة" و"أولاد الغرب أو الزُرقة". وقد أدى ذلك إلى حدوث شرخ عميق في نسيج المجتمع السوداني، وأثر في نظرة أبناء غرب السودان تجاه سكان "الوسط النيلي"، أي النخبة التي تسيطر على الدوائر الضيقة لصنع السياسات واتخاذ القرارات، وطريقة تعاملهم معهم. وتتعزز هذه النظرة لدى أبناء الغرب وغيرهم من القبائل في أقاليم الهامش، مثل تلك الموجودة جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة، بفعل حقيقة أن التعيينات الحكومية كانت غالباً ما تتم بناء على هذه المعايير ذاتها. وقد تجلى ذلك من خلال إدراج اسم القبيلة في الاستمارات الرسمية المستخدمة للتقدم للوظائف الحكومية أو للحصول على الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة.

استغلال النزاعات

عمدت أطراف فاعلة مختلفة إلى استغلال النزاعات القبلية لخدمة أجنداتها الخاصة، وفي الحرب الحالية أسهم الاستغلال السياسي لهذه النزاعات في توسيع نطاقها وتفاقم حدتها واستمرارها. وتتأصل النزاعات القبلية في السودان في مجموعة معقدة من العوامل، منها النزاعات حول الأراضي ومصادر المياه، وتداخل مسارات رعي الماشية مع الأراضي الزراعية، وتدفق الأسلحة، إضافة إلى التحريض المتعمد للعداوات القبلية والانقسامات الإثنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد أدى هذا إلى تسييس القبائل في المناطق الريفية، وتصاعد النزاعات القبلية المسلحة، التي تداخلت منذ عام 2003 مع الحرب الدائرة في دارفور بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية، قد فاقم الأزمة، إذ استخدم الاستقطاب السياسي لتسخيرها لتحقيق غايات إستراتيجية متنوعة. ويذكر أن النزاعات القبلية شهدت تصاعداً ملاحظاً خلال العقود الماضية، مقارنة بالعقود التي سبقتها. وقد غذى هذا التصاعد ظهور حركات مسلحة وأنشطة ميليشيات "الجنجويد" إذ تحولت فعلياً إلى واجهات تمثل قبائل بعينها. أدى ذلك إلى اندلاع صراعات في جميع أنحاء دارفور، مما يمثل تحولاً جذرياً مقارنة بالماضي، حين كانت مثل هذه النزاعات تقتصر على نطاق ضيق. وبات الصراع القبلي متجذراً بعمق في المنطقة حتى لم يعد من الممكن حله أو إدارته بسهولة عبر الآليات المحلية التقليدية، مثل "الأجاويد" (الوساطة المجتمعية) أو "الرواكيب" (مؤتمرات المصالحة)، نظراً إلى ظهور عوامل جديدة جعلت الأزمة أكثر تعقيداً.

 ولا تزال القبيلة تشكل عنصراً جوهرياً في العقلية السياسية السودانية، حيث تواصل ثقافتها وتراثها وقيمها ممارسة تأثير مستمر في المشهد السياسي في البلاد. وقد أثر ذلك سلباً في تطور المجتمع المدني السوداني، إذ جرى توظيف القبائل لتحقيق غايات سياسية خصوصاً في المناطق الريفية، بينما شهدت المراكز الحضرية تجاذباً بين التمترس خلف القبيلة والتحرر منها في العمل السياسي، وهو اتجاه عزز دور القبائل في توزيع المناصب السياسية. وأدى التوظيف السياسي إلى تسليح القبائل، مما حول بعضها إلى جماعات مسلحة منظمة، ومنحها نفوذاً واسعاً في كثير من المناطق، غالباً على حساب سلطة الدولة الرسمية ومكانتها.

طابع صدامي

في هذه الحرب اتخذت ديناميكيات الإثنية والنزعة القبلية طابعاً صدامياً، ولم يقتصر الأمر على إقليم دارفور، بل امتد ليشعل مشاعر الانقسام القبلي في كردفان، ومنطقة النيل الأزرق، وشرق السودان. واللافت أنه حتى المناطق الشمالية والوسطى، التي كانت بمنأى عن مثل هذه الانقسامات، تأثرت خلال الحرب، إذ أدى التوغل في منطقة الجزيرة، وما صاحبه من خطاب شعبوي يستهدف ما يعرف بـ"دولة النهر والبحر" (أي هيكل السلطة المتركز حول مناطق النيل)، إلى إثارة نعرات قبلية كامنة في تلك المناطق وفي الولاية الشمالية أيضاً.

ويمكن فهم العلاقة بين المركز والهامش من خلال ثلاثة نطاقات متداخلة، يمثل النطاق الأول مركز النفوذ، ويضم المدن وبعض القبائل المتحالفة مع السلطة. ويليه نطاق وسيط تقطنه قبائل خاضعة، ويديره وجهاء محليون تعينهم الحكومة المركزية، وهي مناطق عانت تاريخياً استغلالاً مستمراً وفرض ضرائب باهظة. أما النطاق الثالث، فهو أكثر مرونة وتتسم حدوده بعدم الوضوح، وتقطنه قبائل تعيش في حال تمرد دائم. ولا تكتفي هذه المجموعات بتمثيل تهديد للسلطة المركزية وحسب، بل قد تهدف أحياناً إلى الاستيلاء على الدولة بالكامل وبناء دولة جديدة على أنقاضها.

 

تجلى ذلك بوضوح في سعي "الحركة الشعبية لتحرير السودان" إلى الانفصال عن الدولة السودانية، وهي حركة تشكلت رؤيتها استناداً إلى أسس قبلية وعرقية محددة. وبالمثل، خاضت الحركات المسلحة في دارفور، التي تتألف من قبائل أفريقية مناهضة للسكان العرب في الإقليم، حرباً منذ عام 2003، مدفوعة بالتصورات ذاتها القائمة على الهوية. ثم أخيراً الحرب الأخيرة التي نهضت فيها قوات "الدعم السريع" مستندة إلى قبيلة "الرزيقات" وتمثل العرب وعرب الشتات الآتين من النيجر والصحراء، ضد "الزُرقة" قبائل دارفور "الزنجية"، ثم اتساع تصورات "الدعم السريع" ضد القبائل العربية الموجودة أساساً في السودان منذ قديم الزمان، في أقاليم الوسط النيلي والشمال بزعم احتكارهم للدولة المركزية وتهميش غرب البلاد. وهم في هذه التصورات يتبنون الأفكار والخطاب السياسي نفسه لحركات دارفور ذات الجذور الأفريقية، ولكنهم يرفضون وجودهم في الإقليم.

خطوات محتملة

تبدأ عملية استعادة التوازن القبلي في السودان بإدراك أن القبيلة في حد ذاتها ليست هي سبب الصراع، بل إن تسييس القبائل، والتوزيع غير العادل للسلطة والثروة، والنزاعات حول الأراضي، وضعف أنظمة العدالة، هي التي حولت الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات للحشد والمواجهة.

أولاً، مراجعة أدوار "الإدارة الأهلية" (القيادات القبلية التقليدية) من خلال تشريعات واضحة تهدف إلى إصلاحها وإعادة هيكلتها لتعود لممارسة وظائفها التقليدية، بأن تعمل القبيلة كآلية لفض النزاعات وتحقيق المصالحة، بدلاً من توظيفها كواجهة سياسية لحشد الجماهير أو تأجيج الحرب. وكذلك تحييد الزعامات القبلية عبر وضع أطر قانونية تمنع دخولهم في ولاءات حزبية أو ارتباطات بفصائل عسكرية، مما يضمن بقاءهم على مسافة واحدة من مؤسسات الدولة.

 

ثانياً، إنشاء آليات مستقلة للعدالة الانتقالية تستمع إلى الضحايا، وتحقق في الانتهاكات، وتعمل على تعويض المتضررين واسترداد الممتلكات. وتؤكد سياسة الاتحاد الأفريقي للعدالة الانتقالية لعام 2019 على أهمية الجمع بين المساءلة والمصالحة ومعالجة الجذور العميقة للصراعات.

ثالثاً، معالجة بؤر التوتر المتعلقة بـ"الحواكير" (أنظمة حيازة الأراضي التقليدية)، والأراضي الزراعية، ومسارات الرعي، ومصادر المياه، من خلال لجان محايدة تتولى تسوية المطالبات، وتوثيق الحقوق، وضمان العودة الآمنة للنازحين. وتؤكد "ورقة سياسات" الصادرة عن الأمم المتحدة في شأن حيازة الأراضي في السودان على أهمية دعم "الإدارة الأهلية" في عمليات الوساطة، وتفعيل كل من "المفوضية القومية للأراضي" و"مفوضية أراضي دارفور"، مع مراعاة حقوق النازحين والأشخاص الذين يشغلون الأراضي حالياً بصورة عادلة.

رابعاً، تنفيذ برنامج مرحلي لنزع السلاح واحتكاره في يد الدولة والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين السابقين، من خلال توفير التدريب وفرص العمل والدعم النفسي لهم.

وخامساً، بناء الثقة بدءاً من القاعدة الشعبية وصولاً إلى المستويات العليا، وذلك من خلال عقد مؤتمرات سلام محلية، وتنفيذ مشاريع مشتركة، وتطوير مناهج تعليمية تعزز مفهوم المواطنة المتساوية. ويوفر "اتفاق جوبا للسلام" إطاراً أساساً لمواجهة الاستقطاب القبلي، وإنشاء آليات للحقيقة والمصالحة. ويعتمد نجاح هذه الخطوات على وجود إرادة سياسية شاملة، ومشاركة مدنية حقيقية، ومؤسسات محايدة تطبق القانون على الجميع من دون استثناء.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل