Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الكرك إلى عمّان... هل تغير وجه الإرهاب في الأردن؟

بين الخلايا النائمة والذئاب المنفردة حادثتان داميتان في أقل من أسبوعين ومراقبون ينصحون بإستراتيجية للأمن والفكر معاً

تؤكد القراءات أن مجابهة الفكر المتطرف لا يمكن أن تقتصر على جهة بذاتها بقدر ما تتطلب تكاملاً بين مختلف مؤسسات الدولة (أ ف ب)

ملخص

يطالب مراقبون بحوار علمي يفند الشبهات والأفكار المنحرفة، عبر المؤسسة الدينية الأردنية لتقديم الفهم الوسطي للإسلام القائم على التسامح والرحمة وقيم المواطنة الصالحة.

في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف مدنيين أردنيين في كنيسة بمحافظة الكرك، والهجوم اللاحق الذي أودى بحياة رجل أمن في العاصمة عمّان، برزت تساؤلات حول طبيعة التهديدات الأمنية التي يواجهها الأردن، وما إذا كانت الحوادث الأخيرة تعكس حالات فردية معزولة أم مؤشرات على تحولات في أنماط التطرف والإرهاب.

ففي أقل من أسبوعين، وجد الأردن نفسه أمام هجومين دمويين أعادا ملف الإرهاب إلى واجهة الأسئلة الأمنية والسياسية. امتدت من هوية المنفذين أو دوافعهم المباشرة، إلى طبيعة التهديد الذي تواجه المملكة، وما إذا كانت هذه الحوادث تعكس تحرك خلايا ذات صلات تنظيمية أم أنها تحرك محدود لخلايا نائمة وذئاب منفردة.

مواجهة التطرف: الأمن والفكر معاً

في سياق متصل تؤكد القراءات والتقديرات الرسمية أن مجابهة الفكر المتطرف لا يمكن أن تقتصر على جهة بذاتها، بقدر ما تتطلب تكاملاً بين مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها.

ويقول مراقبون إن الإستراتيجية الوطنية لمواجهة التطرف يجب أن ترتكز على ثنائية الأمن والفكر، فبينما تتولى الأجهزة الأمنية التعامل مع التهديدات الميدانية المباشرة، تبرز الحاجة إلى معالجة أصحاب الفكر المتطرف عبر مسار علاجي يستهدف النزلاء والموقوفين على خلفية قضايا الإرهاب والتطرف داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، خصوصاً بعدما أظهرت التحقيقات أن جميع المتهمين في الأحداث الأخيرة سبق أن كانوا معتقلين على خلفية انتماءاتهم التنظيمية الإرهابية وأُفرج عنهم قبل أيام فقط من ارتكاب جرائمهم.

ولعل هذا ما دفع عبدالله النسور، رئيس الوزراء الأردني السابق، للدعوة إلى مراجعة محتوى برامج الإصلاح والتأهيل، وتعزيز الجوانب التعليمية والإرشادية والثقافية، لمواجهة الفكر المتطرف والحد من عودة المحكومين بقضايا إرهابية لارتكاب الجرائم.

ويطالب مراقبون بحوار علمي يفند الشبهات والأفكار المنحرفة، عبر المؤسسة الدينية الأردنية لتقديم الفهم الوسطي للإسلام القائم على التسامح والرحمة وقيم المواطنة الصالحة.

 

فيما يقول آخرون إن الدرع الأهم حالياً يتمثل في حماية الناشئة والأطفال والشباب، في ظل التحديات المعاصرة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، إذ باتت هذه المنصات نوافذ مفتوحة لتسلل الأفكار الهدامة لمن هم دون سن الـ18 .

يؤكد المتحدث باسم دائرة الإفتاء العام، أحمد الحراسيس، ضرورة وجود برنامج علاجي يستهدف من يحملون الفكر المتطرف، بمن فيهم الموجودون في السجون على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، من خلال الحوار ومناقشة الشبهات والأفكار التي يتبنونها، موضحاً أن علماء الدين في الأردن يمتلكون القدرة العلمية على محاورة هذه الفئات وتقديم مفاهيم الإسلام القائمة على التسامح والرحمة والمواطنة الصالحة.

 ودعا الحراسيس المساجد والمدارس إلى تناول قضايا التطرف وشبهاته بصورة واضحة، وأن يجري تعزيز مفاهيم الأمن الفكري والعقدي، وأدب الاختلاف والحوار وقبول الآخر والمواطنة الصالحة، إلى جانب توضيح كيفية الرد على شبهات المتطرفين بالقرآن الكريم والسنة النبوية وفهم العلماء للنصوص الدينية.

خلايا نائمة وذئاب منفردة

يربط المحلل السياسي الدكتور عبدالحميد قرالة بين ما حدث في الكرك وما حدث أخيراً من استهداف لشرطي من الأمن الدبلوماسي في عمّان، مشيراً إلى أن هذه الأحداث تستهدف أمن واستقرار الأردن الذي يعد نموذجاً للدولة الآمنة والمستقرة وتريد بعض الجهات أن تنقل إليه الفوضى لتمرير أجندات خبيثة.

يضيف قرالة، "لا داعي للقلق فالتاريخ يشهد على قدرة الأردن على مواجهة الإرهاب، رغم وجود فكر متطرف يريد أن يستهدف المملكة الموجودة في إقليم مضطرب ومنطقة تعيش حالاً من السيولة الأمنية".

ويدعو قرالة إلى معالجة أمنية ترصد أي خلايا نائمة وذئاب منفردة مع الإشارة إلى وجود من يؤمن بهذا الفكر في الأردن ولا يمكن إنكار ذلك، مطالباً بمراجعة القرارات الأمنية ووضع الخطط الاستباقية وتجويد الخطط وقيادة حملات توعوية اجتماعية وتثقيفية بين الشباب والمراهقين.

ويشير إلى الفضاء الرقمي المنفلت وضرورة مراقبته بالإضافة إلى تعزيز ثقافة التبليغ عن أي ثقافة كراهية أو محاولات تحويل المراهقين والشباب إلى ذئاب منفردة بيد التنظيمات الإرهابية.

ويختم قرالة بالقول، إن الأردن خاض حرباً بلا هوادة على هذا الفكر الظلامي، وحربه مع "داعش" طويلة، وهو في مقدمة الدول التي وجهت ضربات قاصمة له، لذلك هذا التنظيم لديه حقد طويل وكبير ضد الأردن.

من تفجيرات عمّان إلى هجوم 2026

شكلت تفجيرات فنادق عمّان في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 إحدى أبرز المحطات الدامية في تاريخ الإرهاب الحديث في الأردن، حين استهدفت ثلاثة فنادق بتفجيرات انتحارية متزامنة أوقعت عشرات القتلى ومئات المصابين، وتبناها تنظيم "القاعدة" في العراق.

وخلال عام 2016 أسفرت مواجهة أمنية مع خلية مسلحة في إربد، عن مقتل النقيب راشد الزيود وسبعة مسلحين. وفي العام ذاته وقع الهجوم الشهير بهجوم مخيم البقعة حيث قتل خمسة من الضباط العاملين في مكتب تابع لدائرة الاستخبارات العامة بهجوم مسلح.

وفي أحداث مدينة الكرك في العام نفسه وقعت هجمات مسلحة واشتباكات أمنية في المدينة الجنوبية وفي منطقة القطرانة، أودت بحياة 14 شخصاً، بينهم مهاجمون.

بعد عامين جرى تفجير عبوة استهدفت دورية أمنية قرب مهرجان الفحيص، أعقبه كشف خلية ومداهمة في مدينة السلط أسفرت عن سقوط قتلى من رجال الأمن.

وخلال عام 2022 وقعت أحداث معان والحسينية، حيث قتل العقيد عبدالرزاق الدلابيح في معان، تبع ذلك مقتل ثلاثة من رجال الأمن خلال عملية دهم أمنية لاحقة، إضافة إلى مقتل المشتبه فيه الرئيس.

في حين يشير تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب لعام 2022، إلى إحباط السلطات الأردنية 34 عملية إرهابية والإسهام في إحباط 54 مخططاً إضافياً على المستوى الدولي.

ارتباط بين الهجومين

وفي محاولة للربط بين الحادثتين الأخيرتين، يقول المحلل الأمني عمر الرداد إن استهداف كنيسة حمود في محافظة الكرك يحمل أهدافاً تتجاوز الحادثة ذاتها، في مقدمتها محاولة تفكيك النسيج الوطني الأردني وإثارة فتنة طائفية في مجتمع لم يعرف تاريخياً صراعاً بين مكوناته المسلمة والمسيحية.

 ويرى أن أحد الأهداف المحتملة للعملية كان إثارة قضية طائفية غير موجودة أصلاً في الأردن، ومحاولة زرع الانقسام بين المواطنين على أساس ديني، بينما الحادثة الأخيرة التي استهدفت رجل أمن في عمّان، تمثل هدفاً آخر في خطاب الجماعات المتطرفة، التي تصف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بأوصاف تكفيرية، من بينها "جيش الطواغيت". وعد أن استهداف هذه المؤسسات يأتي ضمن مشروع أيديولوجي يسعى إلى تقويض شرعية الدولة ومؤسساتها.

ويحذر الرداد من أن الهدف لا يقتصر على إثارة الانقسام أو ضرب المؤسسات، بل يمتد إلى نشر الخوف والهلع في المجتمع، من دون أن يستبعد وجود توجيهات أو تأثيرات خارجية مرتبطة بتنظيم "داعش" في الحوادث الأخيرة، لكنه شدد على أن التنظيم لا يستطيع تنفيذ عملياته من دون توافر بيئة حاضنة، سواء كانت فكرية أو اجتماعية، تتغذى على خطاب التكفير والإقصاء والتفرقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يضيف الرداد، "لسنا أمام عمليات معزولة وهناك رعاة ومسؤولون عنها، وتتبع العمليتين خلال فترة زمنية قصيرة يثير تساؤلات حول احتمال وجود نمط من الاستهداف المنظم، تقف خلفه جهات داعمة أو موجهة، سواء عبر تعليمات مباشرة أو من خلال توجيهات عامة تترك للأفراد أو الخلايا مهمة التنفيذ".

ويقول الرداد إن الأردن قد لا يكون أمام تنظيم ذي هيكلية مركزية معلنة على غرار ما شهدته ساحات أخرى في المنطقة، لكنه يواجه خلايا وعناصر تتبنى الفكر التكفيري، وقد تنسج مستويات متفاوتة من العلاقات مع تنظيم "داعش" أو غيره من التنظيمات المتطرفة، تراوح ما بين التأثر الأيديولوجي والتواصل والتنسيق، وصولاً إلى احتمالات الدعم المالي أو اللوجيستي.

هل تولد السجون متطرفين؟

في شأن متصل تتصاعد الدعوات التي تطالب بضرورة مراجعة تجربة النزلاء المتطرفين في السجون الأردنية إلى ما بعد الإفراج عنهم فبعد يوم واحد فقط من الهجوم الذي استهدف رجل أمن في عمّان، نقلت وكالة الأنباء الأردنية "بترا" مطالبات من مختصين وخبراء قانونيين بضرورة مراجعة منظومة الإصلاح والتأهيل، خشية تحول مراكز الاحتجاز إلى بيئات لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.

من بين هؤلاء رئيس محكمة أمن الدولة السابق محمد عفيف الذي يدعو إلى الانتقال من سياسة العقاب بعد وقوع الجريمة إلى مقاربة استباقية تشمل التأهيل والرعاية اللاحقة والرقابة الأمنية والفكرية على بعض المحكومين بعد انتهاء عقوباتهم.

بينما يدعو أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية ليث نصراوين إلى الفصل بين النزلاء المدانين في قضايا إرهابية ممن يشكلون خطراً أمنياً، وبين بقية النزلاء، محذراً من أن اختلاط المتطرفين بغيرهم قد يتيح لهم نشر أفكارهم واستقطاب أتباع جدد.

وتكتسب هذه الدعوات أهمية إضافية عند النظر إلى حجم الضغط الذي تواجهه مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن. فوفق أرقام رسمية، بلغ عدد النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل 27 ألفاً و817 نزيلاً موزعين على 17 مركزاً، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز نحو 14 ألفاً فقط.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير