Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كلفة الصمت وسياسة النأي بالنفس

الخطر الذي يترك لليمنيين اليوم قد تصل فاتورته إلى شعوب العالم غداً، والصمت الذي يحسب توفيراً للكلفة قد يتحول إلى أغلى الخيارات

يصوّب بندقيته نحو موقع على خطوط المواجهة مع الحوثيين في محيط جبل الميدان بمحافظة تعز، 26 أكتوبر 2026 (أ ف ب)

ملخص

إن سياسة النأي بالنفس قد تبدو للبعض تجنباً للتورط، ولكنها في الحال اليمنية قد تكون خطأ استراتيجياً. فالأزمات لا تعرف بالحدود، والتهديدات لا تتوقف لمجرد أن الدول اختارت الصمت، وما يبدو اليوم أزمة بعيدة قد يتحول غداً إلى عبء اقتصادي وأمني مباشر على الدول التي اعتقدت أن بإمكانها البقاء بمنأى منه

ليست المأساة في اليمن شأناً يمنياً خالصاً، وليست تهديدات البحر الأحمر وباب المندب أزمة يمكن للعالم أن يراقبها من بعيد من دون أن تطاوله عواقبها. فحين تستنزف الشعوب وتضعف مؤسسات الدول وتتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط وابتزاز فإن الخطر لا يبقى داخل الحدود بل يمتد إلى أمن الدول واقتصاداتها وأقوات شعوبها.

في اليمن يدفع المواطن ثمن سلطة الحوثيين من قوته ومدخراته وحقه في حياة كريمة، وسط ممارسات تشمل فرض قانون الخمس والاستحواذ على نسبة 20 في المئة من الثروات والممتلكات التي تدفع لجماعة طائفية عنصرية إرهابية، ناهيك بابتزاز التجار والضغط عليهم للاستحواذ على النسب الأكبر من شركاتهم أو تحويل ملكيتها لهم في كثير من الأحيان. ولا تقف التداعيات عند معاناة اليمنيين واستبدال دستورهم ونهجهم الديمقراطي بولاية الفقيه أو اختطاف أمنهم وسلمهم الاجتماعي، بل إن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يضع التجارة الدولية وإمدادات الطاقة والسلع الأساس أمام أخطار تتجاوز حدود المنطقة، ليتحمل المواطن داخل أوروبا وآسيا وأفريقيا جانباً من فاتورتها عبر ارتفاع كلف الشحن والتأمين وأسعار الغذاء والوقود.

ولعل ذلك يفرض سؤالاً هو هل تدرك حكومات العالم أن تجاهل ما يجري في اليمن قد لا يعفيها من تبعاته، بل يجعلها تواجهه لاحقاً بكلفة أكبر؟

إن أخطر ما في الأزمات ليس ما تخلفه من أضرار بل ما قد تكرسه من سوابق، فعندما يصبح تهديد الملاحة وسيلة لفرض الإرادة وتحقيق المكاسب من دون ردع فعال، فإن أطرافاً أخرى قد تجد في هذا النهج نموذجاً قابلاً للتكرار، وعندها لن تكون المسألة محصورة داخل اليمن أو البحر الأحمر بل في مستقبل أمن الممرات الدولية ومدى قدرة المجتمع الدولي على حماية قواعد التعامل بين الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن سياسة النأي بالنفس قد تبدو للبعض تجنباً للتورط، ولكنها في الحال اليمنية قد تكون خطأ استراتيجياً. فالأزمات لا تعرف بالحدود، والتهديدات لا تتوقف لمجرد أن الدول اختارت الصمت، وما يبدو اليوم أزمة بعيدة قد يتحول غداً إلى عبء اقتصادي وأمني مباشر على الدول التي اعتقدت أن بإمكانها البقاء بمنأى منه.

لذلك فإن دعم الحكومة اليمنية الشرعية ليس مجرد موقف سياسي، بل جزء من حماية مؤسسات الدولة ومنع ترسيخ سلطة الأمر الواقع بالقوة وتعزيز موقفها في مكافحة الإرهاب. ويمثل الاصطفاف الحقيقي والعملي مع السعودية وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية لحماية الملاحة جانباً مهماً من الاستجابة لتحديات تمس أمن المنطقة ومصالح العالم، ويتطلب ذلك دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً جاداً وقدرات دفاعية رادعة ضمن إطار قانوني واضح، إلى جانب تحرك دبلوماسي يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي باحتواء تداعياتها.

فالمطلوب من العالم ليس بيانات قلق تتكرر كلما تصاعد التهديد، بل سياسة واضحة تمنع تحول التهديد إلى واقع دائم وتربط حماية الملاحة بمساندة الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها. إن مسؤولية الحكومات وبخاصة تلك المقبلة على انتخابات جديدة في أوروبا تُقاس بقدرتها على استباق الأخطار وتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها ومنع كل ما قد يمس قوتهم ووضعهم المعيشي، وهو أمر بات يطاول المواطن داخل أوروبا كما هي الحال في سائر العالم. فالأمر لا يقتصر على التعامل مع النتائج بعد وقوعها، بل يتطلب التحرك قبل أن تتفاقم الأوضاع. وإذا كانت حماية المصالح الوطنية تقتضي التحرك عندما تتعرض التجارة والطاقة والأمن للخطر، فإن معالجة الأزمة اليمنية ينبغي ألا تنتظر حتى تتضاعف الخسائر وتتسع دائرة المتضررين.

إن الخطر الذي يترك لليمنيين اليوم قد تصل فاتورته إلى شعوب العالم غداً، والصمت الذي يحسب توفيراً للكلفة قد يتحول إلى أغلى الخيارات.

وأخيراً فإن الجهود الدبلوماسية لم تعد تقتصر على دفع العالم للاهتمام بما يجري في اليمن بل نقل الصورة بكل أبعادها وانعكاساتها على مصالح واقتصاد دول العالم، ومدى الاستعداد في تحمل الكلفة في حال استمرار المجتمع الدولي بتجاهله والتراخي معه.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء