ملخص
باختيارها مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027، تصبح قرية حمود الواقعة شمال شرقي مدينة الكرك جنوب الأردن مكاناً لا يشير إلى جريمة إرهابية ضربته وأرقت سكينته، بل تغدو معلماً يتعالى على الموت، ويسمو فوق خطاب الكراهية والإقصاء.
كانت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود مسرحاً لهجوم إرهابي وقع في الـ23 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، راح ضحيته تسعة أشخاص و40 جريحاً، وكان بين الضحايا أكاديميون ومثقفون وأطباء وناشطون قضوا أثناء مشاركتهم في تشييع سيدة فاضلة من القرية التي يقطنها نحو 250 شخصاً، وتتسم بطبيعتها التاريخية وبنائها الأثري. وتضم القرية واحدة من أقدم المدارس داخل مدينة الكرك، فضلاً عن تميزها بسوقها القديمة ومطحنتها التي شكلت نقطة استقطاب اقتصادي منذ زمن بعيد.
حمود مدينة للثقافة
الرد الثقافي على هذه الجريمة تمثل في عدة استجابات، أبرزها مبادرة وزارة الثقافة التي أطلقها الوزير مصطفى الرواشدة الذي قال إن اختيار "حمود" مدينة للثقافة "يأتي تقديراً لمكانتها في الذاكرة الوطنية وتاريخها التعليمي والثقافي، وإسهامات أبنائها في بناء المجتمع الأردني، وتأكيداً أن الثقافة تشكل ركيزة أساس في تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح والتعددية".
وأعدت وزارة الثقافة برنامجاً يتضمن افتتاح مكتبة جديدة داخل القرية وإقامة شارع للثقافة وإطلاق "جائزة حمود للرواية العربية"، وإقامة نصب تذكاري يوثق تاريخ القرية ويخلد تضحيات أبنائها "بما يعزز حضورها الثقافي والوطني، ويحتفي بذاكرتها ورموزها وإرثها المعرفي، ويوفر للأجيال الجديدة مساحة للتفاعل مع تاريخها وموروثها الثقافي".
من جانبها، أطلقت مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك لإبرشية بترا وفيلادلفيا وسائر شرق الأردن اسم "كنيسة الشهداء"، على كنيسة القرية التي تأسست عام 1908. وكان الناشط السياسي ضرغام هلسا، وهو من أبناء القرية، طالب بذلك في منشور على صفحته عبر "فيسبوك" أكد فيه أن "المسيحيين عرب منذ فجر التاريخ، ولا عروبة من دون مسيحيين".
وذكر القيم العام لمطرانية الروم الملكيين الكاثوليك الأب نبيل حداد أن إطلاق اسم "كنيسة الشهداء" ليس مجرد تغيير في التسمية، بل هو "توثيق للدماء الزكية في تاريخ المكان، وتحويل لذكرى الشهداء إلى رسالة إيمان وصمود ووفاء".
غالب هلسا
وارتبطت قرية حمود بعدد من الوجوه الثقافية والسياسية، فإليها ينتسب الروائي غالب هلسا صاحب روايات "الضحك" و"الخماسين" و"السؤال" و"سلطانة" والذي كتب في القصة القصيرة، وأهم مجموعاته "وديع والقديسة ميلادة" و"زنوج وبدو وفلاحون". وله في الفكر والنقد كتب عديدة، وله باع في الترجمة، إذ يعد من أوائل من نقلوا إلى العربية كتاب "جماليات المكان" لغاستون باشلار.
ولم يعش هلسا زمناً طويلاً في الأردن، وهذا ما انعكس على مناخات أعماله الأدبية التي تحضر فيها مصر وسوريا ولبنان وبغداد، لكنه في رواية "سلطانة" يرسم ملامح للمكان الأردني يعود فيه لزمن الطفولة، ويتأمل في التحولات التي رافقت بناء الدولة والمجتمع داخل الأردن في منتصف القرن الماضي.
وعلى رغم حياته المليئة بالإنجازات المتعددة فإن غالب هلسا توفي في دمشق عن عمر (57 سنة) عام 1989، ونقل جثمانه ليوارى ثرى بلاده التي غاب عنها طويلاً، وكرمته بعد رحيله بمنحه جائزة الدولة التقديرية عام 2007، وهي أرفع جائزة تمنحها المملكة.
مثقفون ومناضلون
وإلى قرية حمود ينتسب أيضاً مثقفون ونقاد وسياسيون، من بينهم يلمع اسم المناضلة تيريز هلسا التي انخرطت في العمل الفدائي الفلسطيني، وشاركت في عملية خطف طائرة "سابينا" عام 1972، بهدف الضغط على إسرائيل للإفراج عن أسرى فلسطينيين وعرب.
وتذكر مصادر "متباينة" إصابة بنيامين نتنياهو أثناء هبوط الطائرة في مطار اللد بفلسطين المحتلة، بعدما اقتحمتها قوة خاصة إسرائيلية تنكرت بزي الصليب الأحمر، وكان من ضمنها نتنياهو باعتباره عسكرياً في الكوماندوس، وأثناء الاشتباك أطلقت تيريز هلسا النار عليه فأصابته في كتفه، وجرى اعتقالها عقب العملية وأُفرج عنها عام 1983 في صفقة تبادل أسرى.
وهناك ممن يرتبط بقرية حمود نسباً ومسقط رأس لعائلته، المناضل مشعل الخيطان الهلسا، الذي أمضى أعواماً داخل معتقل الخيام الإسرائيلي جنوب لبنان الذي كان رمزاً للظلم والقمع، حيث احتجز فيه مئات اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، وتعرضوا داخله لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل، بحسب وثائق كشف عنها جهاز الاستخبارات العامة الإسرائيلية (الشاباك).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التفاصيل المتصلة بهذه البلدة الصغيرة تصب في رصيدها الوطني والثقافي، وتجعل من الصعب استيعاب الأسباب التي جعلت قوى الظلام تسيل دماء أبنائها الآمنين في مكان مقدس له طهرانيته وحرمته.
بيان من أجل وطن تعددي
وتتجلى حال التضامن الواسعة في الأردن مع ضحايا هذه الجريمة، إذ يجري الحرص على التعامل معها باعتبارها نقطة معتمة في حال الاجتماع الأردني، وأن الرد على الجريمة يكون بتعظيم قيم الحياة. وبهذه العين يمكن النظر إلى مبادرة أمانة عمان بإطلاق اسم "شهداء كنيسة حمود" على إحدى حدائق العاصمة.
المثقفون في الأردن رأوا في الجريمة إفرازاً لتغول خطاب الكراهية التي يبث عبر المنابر والمدارس والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي، ودعوا في بيان وقع عليه أكثر من 250 شخصية أدبية وأكاديمية ونقابية ناشطة، إلى تفكيك حواضن التكفير والتمكين الثقافي والفني وهيكلة المنظومة التربوية، وإحياء الفكر التنويري ومكافحة خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير.
وطالب المثقفون في "بيان من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب" بـ"استراتيجية شاملة تتجاوز البعد العقابي، إلى حلول جذرية تعيد تأهيل من انحرف، وتحصن البلد من أي خراب قادم".