ملخص
لا تتوقف أبعاد العملية عند حدود الجغرافيا المحلية، فهي مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي والإقليمي وبحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
أنهت عملية فجر اليمن اليوم الخميس شهرها الأول، بالتزامن مع احتدام المعارك بين القوات الحكومية والحوثيين والآخذة بالتمدد إلى جبهات أخرى تتجاوز تلك التي دارت فيها خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، عند السواحل الغربية والهضاب المطلة عليها في تعز ولحج.
وفي واقع أمر الدوافع، لم تكُن العملية مجرد خطوة عسكرية جديدة، بل محاولة حكومية لكسر الجمود الذي فرضته هدنة أبريل (نيسان) عام 2022 عقب تصعيد الحوثيين الذي بدأ منذ أغسطس (آب) الماضي، بمحاولة فرض جسر جوي مباشر مع طهران وقصف المعسكرات، ثم محاولاتهم التمدد صوب الساحل الغربي وباب المندب والمرتفعات الجبلية في تعز ولحج.
والهدف الحكومي يرمي إلى استعادة المبادرة في الميدان، والانتقال من نهج الصد والدفاع إلى مرحلة هجوم يستهدف " إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني".
من المحلي إلى الدولي
ولا تتوقف أبعاد العملية عند حدود الجغرافيا المحلية، فهي مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي والإقليمي، وبحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولذلك ركزت المراحل الأولى منها على تأمين السواحل والمضايق الحيوية، حتى لا يتحول النفوذ الحوثي فيها إلى ورقة ضغط إقليمية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الأوسع.
وهكذا أصبحت المعركة نقطة تقاطع بين الحسابات المحلية وإستراتيجيات ردع التهديدات غير المسبوقة التي تطاول خطوط إمداد التجارة العالمية وطاقة الخليج، خصوصاً السعودية التي تحملت مع اليمنيين، الكلفة الأبرز في هذه المعركة التاريخية المرتبطة أيضاً بالمصالح الدولية التي سجلت غياباً عن إسناد اليمنيين.
على باب المندب والوازعية
عملياتياً، استطاعت القوات الحكومية في اليوم الأول للعملية إحداث تقدم ميداني كبير واستعادت مواقع إستراتيجية من قبضة الميليشيات التي عانت كثيراً جراء انكشافها العسكري في الساحل أمام مراصد المقاتلات الحربية.
وسيطرت "ألوية العمالقة" الجنوبية صباح الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على مضيق باب المندب ومحيطه، باستثناء جيوب حوثية لا تزال تحتمي في حواف هضابه، عقب عملية التفاف نوعي قبل أن تتجه عبر الشريط الساحلي على البحر الأحمر نحو ذو باب واقتربت من مركز المدينة وتوقفت في مكانها.
29 يوماً مضت على المهمة المعلنة من دون إنجاز ميداني جديد، بل على العكس، خسرت الشرعية مزيداً من المواقع المهمة في ريف تعز الغربي والجنوبي ووصلت الميليشيات إلى مناطق وقرى مديرية المقاطرة وأطراف طور الباحة والصبيحة في محافظة لحج المحاذية للعاصمة الموقتة عدن.
وكانت الشرعية تهدف منذ اليوم الأول للمعركة الأول، إلى السيطرة على منطقة الوازعية الإستراتيجية (غرب تعز) ومن ثم قطع شرايين إمدادات الميليشيات الآتية من المناطق الشمالية وعزل قواتها المتقدمة في تعز ولحج.
وبحسب المعلومات العسكرية، واجهت القوات المهاجمة ممثلة بـ"قوات العمالقة" الجنوبية وقوات "درع الوطن" وتشكيلات قتالية أخرى، صعوبة بالغة في اختراق السلاسل الجبلية الوعرة والضيقة في مناطق الوازعية وما وراء جبال كهبوب حيث تحتمي الميليشيات، نتيجة حواجز الألغام والخنادق والسواتر على الطرقات والمداخل وقطع الجسور، إضافة إلى المقاومة الحوثية الصلبة عند التضاريس الحاكمة التي يخبرون القتال فيها.
استعادة المبادرة
وفي المقابل، تستميت أنساق قتالية حوثية متعددة ومضاعفة، وفقاً لمعطيات الهدف الميداني الحثيث، لشق السلسلة الجبلية الجنوبية الغربية الممتدة من التربة إلى طور الباحة للوصول إلى الساحل، بغية إحداث اختراق جوهري في جبهة الشرعية جنوباً وكسرها، من خلال شطر القوات الموجودة على امتداد سواحل بحر العرب إلى نصفين وإحداث التفاف لمحاصرة القوات الحكومية المنتشرة في باب المندب وذو باب وجبال كهبوب وأطراف الوازعية والاستفراد بها بعد قطع إمداداتها.
يمكن القول إن الـ 48 ساعة الماضية بددت هذا المسعى وأضعفت توقعات حدوثه بعد استعادة قوات الجيش والمقاومة زمام المبادرة والهجوم، فتمكنت من التقدم على جبهات عدة من بينها الجوف (شمال شرقي) بمحاذاة الحدود السعودية، ومناطق المقاطرة وتعز (جنوب غربي)، ولكنها لم تنهِ الخطر الحوثي تماماً، فالميليشيات لديها قدرة عسكرية لا يستهان بها، معززة بقوة نارية كثيفة ونوعية في مقدمتها الصواريخ الباليستية والحرارية والفرق الانتحارية التي "تبذل النفس في سبيل أعلام الهدى" في إشارة إلى قادة الجماعة التي تدعي "حقها الإلهي في حكم الأمة"، ولأجل هذه الغاية شنت الحروب ضد اليمنيين منذ عام 2004.
إعلان العودة للحرب
في قراءة تحليلية لما أنجزه الشهر الأول في جردة الفجر اليمني الموعود، وأين يقف وبالتالي المآلات المترتبة في ضوء ما تحقق وما بقي للإنجاز، يقول الباحث السياسي اليمني حسام ردمان إن الإعلان عن إطلاق هذه المعركة يمثل من المنظور السياسي عودة الحكومة والتحالف العربي مرة أخرى لحال الحرب بصورة صريحة، "فيما الموقف العملياتي لم يترجم حتى الآن على نحو يرتقي إلى الأهداف التي وضعتها لنفسها".
وعقب شهر على لحظة ساعة صفر المعركة، لم يترجم هذا الإعلان، وفقاً لردمان، إلى "عمليات هجومية واسعة النطاق بالنسبة إلى القوات الحكومية حتى الآن عدا ما تم بصورة جزئية وبسيطة جداً في محافظة الجوف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وضمن حسبة المنجز، أعلن مجلس القيادة الرئاسي اليوم خلال بيان بمناسبة مرور شهر على انطلاق عملية "فجر اليمن"، أن القوات المسلحة نفذت 40761 عملية استهداف عسكرية للميليشيات الحوثية في مختلف الجبهات، جرى خلالها تحييد نحو 20 ألفاً من قياداتها وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من 5 آلاف آلية، مؤكداً أن هذه الحصيلة "تعكس حجم الاستنزاف والضربات الموجعة التي تتلقاها الميليشيات وقدراتها الحربية".
طقوس عقائدية كشفت عن أعداد القتلى
والتحييد يشمل القتل أو الإصابة أو تعطيل مهمة الخصم، وعلى رغم أن ليست هناك إحصاءات عددية يصدرها الحوثي عن قتلاه، فإن ثمة طقوساً عقائدية كشفت عن العدد المهول من القتلى، وهي الصور التي ملأت جنبات شوارع مناطق سيطرته، ومن بينها صنعاء ومديريات تعز وصعدة.
وتأتي الصور عادة في قالب تكريمي بصورة واسم القتيل تحت صفة "الشهيد"، ويفسر هذا الأمر أيضاً لتشجيع الالتحاق بصفوفه والتعبئة غير المباشرة، والمكأفاة كما يوهم بها أتباعه ليست رواتب مالية في الدنيا وإنما "الجنة في الآخرة"، وفق معتقداتهم.
في ميزان الفعل والانفعال
وبحسب معطيات الأحداث، فالمعركة التي أعلنها رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي لم تنطلق من قاعدة وضع عسكري مستقر وموحد تماماً للقوات الحكومية، بل جاءت في إطار رد الفعل الحكومي الذي تفاجأ باندفاعة حوثية واسعة وسريعة بدأها خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، شملت الساحل الغربي ومعظم قرى وأرياف محافظة تعز، ووصلت إلى مناطق ذات أهمية إستراتيجية قرب باب المندب والأطراف الشمالية الأولى لمحافظة لحج المحاذية لعدن.
ولذلك فإن جزءاً من أهداف العملية كان استعادة مواقع خسرتها الحكومة، وليس التقدم نحو مناطق جديدة.
ويرى ردمان خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن قرار ساعة الصفر "جاء متعجلاً بينما كان من المفترض أن يتأخر أشهراً إضافية إلى بداية العام المقبل حتى تستطيع قوات الشرعية أن تستكمل جاهزيتها وتوحد قرارها".
ويرجع قرار الاستعجال إلى الدوافع المرتبكة للشرعية في مواجهة المتغيرات الجديدة التي فرضتها المبادرة الحوثية ببدء الحرب ومن بينها "المتغيرات التي طرأت خلال الآونة الأخيرة مع اندفاعة الجماعة في سبتمبر الماضي وسقوط المخا والساحل الغربي ثم ما لحق ذلك في أكتوبر بسقوط محافظة تعز، مما دفع القيادة في الشرعية إلى إعلان عملية ’فجر اليمن‘".
أقرب للتعبئة منه للحرب
وحتى الآن، لا يمكن اعتبار هذا الإعلان، بحسب ردمان، "إيذاناً ببدء عمليات هجومية واسعة لتحقيق الأهداف التي أعلنتها العملية ووضعت لنفسها هدفاً طموحاً يتمثل في تحرير كامل اليمن ولم يترجم هذا المسعى بالمعنى العملياتي حتى اللحظة، ولكن من المنظور السياسي نستطيع أن نفهم أن هذا القرار يمثل إعلاناً من قبل الحكومة والتحالف العربي عن العودة لحال الحرب"، لأن الحوثيين "كانوا من بدأوا التصعيد وفي المقابل كان خطاب الشرعية والسعودية يقوم على أساس التمسك بالهدنة وعدم الذهاب إلى الحرب".
في الاستخلاص لمشهد الشهر الماضي الذي تؤكد البيانات الميدانية اليومية أن الميليشيات دفعت مقابل تقدمها في تعز والساحل الغربي، فاتورة بشرية ضخمة، يعتقد ردمان بأن إطلاق مهمة "فجر اليمن" العسكرية "أقرب إلى إعلان التعبئة العامة والجاهزية العسكرية التي تحاول الشرعية من خلالها تحقيق قدر من الصمود العسكري لكبح أي تقدم للحوثيين، خصوصاً في محافظة لحج التي من الممكن أن تترجم في قادم الأيام إلى عمليات هجومية واسعة في عمق الجماعة".
وعلى رغم المكاسب العسكرية الأولية، فإن الاختبار الحقيقي لهذه العملية يظل مرهوناً بقدرتها على التعامل مع تحديات الميدان والسياسة والساعة، وأبرزها تماسك الجبهات وتوحيد الجهد العسكري والتعامل مع المتغيرات الدولية.
فالغاية كما تؤكد البيانات الرئاسية اليمنية، ليست تقدماً موقتاً، بل متنامياً "حتى الوصول إلى صنعاء واستعادة الدولة من القبضة الإيرانية عبر الوكيل الحوثي"، عبر استثمار الضغط العسكري لإعادة تشكيل موازين القوى على الأرض وفرض واقع سياسي جديد، ينتهي ربما بتدمير القدرات الحوثية بصورة جذرية، أو يدفعها إلى مسار تفاوضي جاد تحت وقع الانكسار، من موقع لا يسمح لها باستثمار فرص التهدئة لإعادة بناء قدراتها العسكرية بدعم إيراني عبر التقنيات والخبراء.