Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانتخابات النصفية تفتح جبهة جديدة ولا تنهي الحرب

هل يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس إلى تعديل حسابات الإدارة الأميركية تجاه إيران؟

لقطة جوية تُظهر سفناً راسية قبالة ساحل خصب في محافظة مسندم بسلطنة عمان، بالقرب من مضيق هرمز، 2 أكتوبر 2026 (أ ف ب)

ملخص

تحلل المقالة انعكاسات نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 على المواجهة العسكرية والتفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يمنح فوز "الديمقراطيين" بالكونغرس صلاحيات أوسع للرقابة واستدعاء المسؤولين وتقييد الاعتمادات المالية، على رغم استمرار ترمب بحمل صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، حتى تسلّم المجلس الجديد في يناير (كانون الثاني) 2027، وعلى الجانب الآخر تسعى طهران إلى استثمار المأزق السياسي الأميركي، والتمسك بشروطها السبعة لإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع العقوبات عبر التصعيد الميداني، وفتح قنوات الوساطة الدولية مع روسيا والوسطاء الإقليميين.

لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 مجرد انتكاسة انتخابية للحزب "الجمهوري" والرئيس دونالد ترمب، فقد جاءت في لحظة تتداخل فيها الحرب مع إيران مع الضغوط الاقتصادية الداخلية، وتعثر المسار الدبلوماسي، وتصاعد الأخطار في مضيق هرمز، ومن ثم فإن دلالتها بالنسبة إلى طهران تتجاوز حسابات الحزبين داخل واشنطن، لتطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس إلى تعديل حسابات الإدارة الأميركية تجاه الحرب والتفاوض؟

حقق "الديمقراطيون" فوزاً وانتزعوا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وأشارت التغطيات الانتخابية إلى أن الاستياء من ارتفاع كُلف المعيشة والتضخم والرسوم الجمركية، إضافة إلى الحرب مع إيران، كانا من العوامل التي أسهمت في معاقبة "الجمهوريين" انتخابياً، وقد أقر ترمب بأن الحرب كانت أحد أسباب خسارة حزبه، فيما ربط نائبه جي دي فانس الهزيمة أيضاً بتداعياتها السياسية.

إن قراءة أثر هذه النتائج في إيران تتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات عند التحليل، وهي القيود المؤسسية التي قد يواجهها ترمب، وحسابات طهران التفاوضية، واحتمالات استمرار التصعيد العسكري، إذ تمنح سيطرة "الديمقراطيين" على المجلسين قدرة أكبر على التحقيق والرقابة، واستدعاء المسؤولين ومساءلة الإدارة في شأن أهداف الحرب وكُلفها ونتائجها، كما تمنحهم نفوذاً في مناقشة الموازنات العسكرية والاعتمادات الإضافية اللازمة لاستمرار العمليات.

غير أن هذه المكاسب لا تعني أن الكونغرس يستطيع إنهاء الحرب بقرار سياسي بسيط، فالرئيس الأميركي يظل القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأي تشريع يفرض قيوداً ملزمة على العمليات العسكرية قد يصطدم بـ "فيتو" رئاسي لا يمكن تجاوزه إلا بغالبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ، وهي غالبية لا يمتلكها "الديمقراطيون" وفق النتائج الحالية.

وتظل سلطة الاعتمادات المالية إحدى أهم أدوات الضغط، فبإمكان الكونغرس رفض تمويل إضافي، أو ربطه بشروط تتعلق بنطاق العمليات ومدتها، وطلب تقارير دورية حول الأهداف العسكرية والخسائر والكُلف، لكن تأثير هذه الأداة لن يكون فورياً بالضرورة، إذ يمكن أن تستمر بعض العمليات اعتماداً على اعتمادات قائمة، وكذلك فإن الخلاف حول حدود صلاحيات الرئيس والكونغرس في إدارة العمليات العسكرية، يظل قائماً.

والتوقيت هنا بالغ الأهمية، فـ "الجمهوريون" يحتفظون بالسيطرة على الكونغرس خلال الفترة الانتقالية حتى نهاية العام، بينما يبدأ المجلس الجديد عمله في يناير (كانون الثاني) 2027، ولذلك فلا ينبغي افتراض أن نتائج الانتخابات ستفرض قيوداً مؤسسية فورية على ترمب، وإن كانت قد غيرت بالفعل البيئة السياسية التي يتحرك فيها.

طهران بين استثمار المأزق الأميركي والتمسك بالشروط الـ 7

من الواضح أن إيران تتابع نتائج الانتخابات باعتبارها عاملاً إضافياً في حسابات واشنطن، لكنها لا تقدم مؤشرات على أنها ستبني إستراتيجيتها على انتظار الكونغرس الجديد، فقد أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن طهران لا تنتظر نتائج الانتخابات الأميركية، ولا تصوغ سياستها وفقها، ورأى مسؤولون إيرانيون أن خسارة الجمهوريين تعكس فشل سياسة الضغط والحرب في تحقيق أهدافها.

تتحرك طهران على مسارين متوازيين، الأول التشدد في شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، فقد أكد أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي"، محسن رضائي، أن الرد الأميركي على المطالب الإيرانية غير مقنع، وأن إعادة فتح المضيق مشروطة بالتعامل الكامل مع الشروط الإيرانية السبعة وتنفيذها، وتشمل وقف الحرب على مختلف الجبهات، ورفع الحصار البحري والعقوبات النفطية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى مطالب تتعلق بوجود القوات الأميركية والضمانات والتعويضات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما المسار الثاني فهو إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة من خلال الوسطاء، مما يعكس هذا الموقف رغبة إيرانية في تحويل الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى أوراق تفاوضية، لا تقديم تنازلات مسبقة في شأن الملفات الإستراتيجية، وكذلك فإن لقاء رضائي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، وتسليمه رسالة من المرشد الإيراني، يضيفان بُعداً سياسياً إلى تحرك طهران، في ظل استعداد موسكو المعلن للوساطة بين واشنطن وطهران.

ولا يمكن فصل أثر الانتخابات عن التطورات الميدانية في مضيق هرمز، ففي الخامس من نوفمبر الجاري أفادت تقارير بوقوع حوادث جديدة، استهدفت ناقلات وسفناً داخل المضيق والمياه المحيطة به، وسط استمرار التهديدات لحركة الملاحة، وتكشف هذه التطورات أن طهران لا تتعامل مع المضيق على أنه مجرد ملف تفاوضي، بل بكونه إحدى أدوات الضغط الإستراتيجي في المواجهة مع الولايات المتحدة.

لكن هذه الورقة تنطوي على أخطار متبادلة، فاستمرار تعطيل الملاحة يرفع كلفة الأزمة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ويزيد الضغوط على واشنطن، لكنه قد يوفر أيضاً مبرراً لتصعيد عسكري أميركي جديد، خصوصاً إذا تعرضت السفن أو المصالح الأميركية لمزيد من الهجمات، وقد أظهرت التصريحات الأميركية أن خيار استئناف الضربات لم يُستبعد، على رغم الهزيمة الانتخابية.

ومن هنا فلا تعني خسارة ترمب أن الخيار العسكري أصبح مستبعداً، بل قد تدفعه إلى إعادة تقييم توقيت العمليات ونطاقها وكلفتها السياسية، وكذلك فإن الإدارة قد تسعى إلى تحقيق مكسب عسكري أو تفاوضي سريع، قبل أن يبدأ الكونغرس الجديد ممارسة صلاحياته الرقابية بصورة أوسع.

هل تقترب التسوية أم تتسع فجوة التفاوض؟

تخلق نتائج الانتخابات حافزاً لدى الإدارة الأميركية للبحث عن مخرج يقلل الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب، لكنها لا تعني أن واشنطن ستقبل بالشروط الإيرانية، أو أن طهران ستعد خسارة "الجمهوريين" ضمانة كافية لأي اتفاق مستقبلي، فالمسألة لا تتعلق فقط بوقف العمليات العسكرية، وإنما بترتيبات ما بعد الحرب، ومستقبل العقوبات والحصار البحري، والوضع في مضيق هرمز، والملف النووي، والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وضمانات عدم تجدد الهجمات، وهي ملفات تتجاوز قدرة الكونغرس وحده على حسمها، وترتبط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع.

كذلك لا ينبغي افتراض أن الحزب "الديمقراطي" يمثل كتلة موحدة ضد الحرب، أو أن قيادته ستستخدم أدوات الكونغرس لوقفها، فهناك فجوة بين الاعتراض الشعبي على الحرب، ومواقف المؤسسات الحزبية، وتظل حقيقة واحدة وهي أن الاعتراض على إدارة ترمب لا يساوي بالضرورة رفض الأهداف الإستراتيجية الأميركية تجاه إيران.

تسعى إيران إلى استثمار الانقسام الداخلي الأميركي، وتعزيز موقعها التفاوضي عبر التشدد في ملف هرمز، والتمسك بالشروط السبعة، والإبقاء على قنوات الوساطة مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع موسكو والقوى الإقليمية، ومن ثم فإن التأثير الأهم للانتخابات قد لا يكون إنهاء الحرب، بل تغيير حسابات كلفتها وتوقيتها، فترمب بات يواجه جبهة داخلية أكثر تعقيداً، بينما تحاول إيران تحويل هذا الضغط إلى مكاسب تفاوضية، وبين الطرفين تستمر معادلة تجمع بين التهديد العسكري والوساطة الدبلوماسية، حيث لا تبدو الحرب محسومة ولا التسوية قريبة.

المزيد من آراء