ملخص
لا يزال العراق يتعافى من تداعيات ممارسات "داعش" الذي خلف أكثر من 200 مقبرة جماعية لم يعثر عليها كلها بعد، وقد تضم ما يصل إلى 12 ألف جثة، بحسب الأمم المتحدة.
في محكمة جنايات الكرخ في بغداد، يتوالى مثول سجناء فرنسيين متهمين بالانتماء إلى تنظيم "داعش" الإرهابي: ملابس برتقالية، ووجوه محلوقة، وفي كلامهم ندم لا يُنسي الرعب الذي بثه الإرهابيون لأعوام في قلوب الملايين.
في عام 2025، نقل 47 فرنسياً من سوريا إلى العراق. وبدأت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي محاكماتهم بتهمة الانتماء إلى التنظيم الإرهابي الذي سيطر بين عامي 2014 و2017 على مساحات شاسعة من البلدين وارتكب كثيراً من الانتهاكات والفظائع. وإن تألف خصوصاً من عراقيين وسوريين، لكن كان في صفوفه كذلك كثير من الأجانب.
في أولى قراراتها الأسبوع الماضي، قضت المحكمة برئاسة القاضي محمد سلمان بالسجن المؤبد، أي لمدة تصل إلى 20 عاماً كما شرح سلمان، على تسعة مدانين بالانتماء إلى التنظيم، وبالسجن 15 عاماً على شاب يبلغ 24 سنة اصطحبته والدته معها إلى سوريا قبل أكثر من عقد.
خلال النطق بالحكم، قال الشاب الذي تمتنع وكالة الصحافة الفرنسية عن ذكر اسمه لأسباب مرتبطة بملفه القضائي، بصوت مرتجف بالعربية، "أنا ذهبت إلى سوريا، لكن أمي هي من اختارت عني، فما ذنبي؟".
ويمثل كل متهم أمام المحكمة في جلسات عدة. في الجلسة الأولى، يجري التعريف بالمتهم ويوكل إليه محام. وفي جلسات لاحقة، تعرض المحكمة وثائق من ملفه القضائي: صوراً شمسية، تاريخ ومكان ولادته، عدد أفراد عائلته ووظائفهم، وأحياناً أوراق تسجيله في التنظيم.
بعد ذلك يبدأ الاستجواب، ويروي المتهمون رحلة سفرهم من فرنسا إلى سوريا. ثم توجه إليهم المحكمة الاتهام بـ"جريمة الانتماء إلى تنظيم ’داعش‘ الإرهابي". وفي جلسة أخيرة، تنطق بالحكم.
في إحدى الجلسات، يتكئ سجين على قضبان خشبية تفصله عن القضاة. بدا مبتور اليد اليمنى وقد فقد إحدى عينيه، وقال إنه خسرهما في أثناء القتال مع التنظيم في سوريا.
وتدمع عينا آخر غير متمرس بالعربية، وهو يحاول بصعوبة فهم كلام القاضي الذي يضيع كثير منه في الترجمة الشفهية إلى الفرنسية.
"أنا نادم وحزين"
قال المتهم كمال بن مبارك (42 سنة) إنه عمل سائقاً لدى شرطة "داعش" في الرقة شمال سوريا، مضيفاً "أنا نادم وحزين على نفسي ومن نفسي، لأنني لم أكن صغيراً حين ضحك علي التنظيم".
وروى أنه شعر، مع بداية النزاع في سوريا عام 2011، "بغضب بسبب انتهاكات نظام (بشار الأسد) في حق الشعب السوري". فاعتنق "فكر التنظيم الذي كان يجتزئ القرآن"، كما قال في المحكمة، مضيفاً "لم أفهم ذلك إلا حين أصبحت في السجن وأصبح القرآن علاجي".
وقال عادل بوعون (28 سنة) قبل الحكم عليه بالسجن المؤبد "أنا نادم على كل ما فعلته. خسرت كل شيء". وشارك بوعون، وفق المحكمة، مع التنظيم بعمليات في حلب وتدمر، من دون أن تتضح أفعاله بدقة للحاضرين.
وبدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، هزم التنظيم عام 2017 في العراق، وعام 2019 في سوريا حيث احتجز آلاف المشتبه في انتمائهم إلى الجماعات الإرهابية مع عائلاتهم، في سجون ومخيمات تولت إدارتها القوات الكردية التي كانت رأس حربة في هزم التنظيم، حتى مطلع العام الحالي.
وروى بوعون أن معتقلي التنظيم عاشوا في سجون القوات الكردية في سوريا، "أعواماً صعبة جداً"، قائلاً "مات كثير من السجناء، وتعرضنا لتعذيب جسدي ونفسي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومطلع العام الحالي، تسلمت السلطات السورية الجديدة، التي أطاحت حكم الأسد وتوصلت إلى اتفاق مع الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، إدارة السجون التي وجد فيها الإرهابيون.
ونقل الجيش الأميركي إثر ذلك أكثر من 5700 موقوف من حوالى 60 جنسية إلى العراق حيث تكتظ السجون أصلاً بالمشتبه في انتمائهم إلى التنظيم.
ونددت مجموعات حقوقية بالطابع السريع لمحاكمات المتهمين بقضايا الإرهاب في العراق، ورأت أن الأحكام تصدر فيها على عجل وبناء على اعترافات تحت التعذيب.
وأكد الخضر السبوعي (34 سنة)، وهو أحد المتهمين في إحدى الجلسات، أنه عمل حصراً في الاتصالات في سوريا خلال فترة سيطرة التنظيم، مضيفاً "هذه المحاكمة كلها عبارة عن ضغط. أنتم سجلتم أقوالاً ليست أقوالي".
وبين المتهمين الذين لم يمثلوا بعد، أدريان غيال الذي انتقل إلى سوريا عام 2015، وتبنى باسم التنظيم هجوم نيس جنوب فرنسا الذي أودى بـ86 شخصاً في الـ14 من يوليو (تموز) 2016.
"معاملة لا إنسانية"
وبدا التأثر بالغاً في جلسة أخرى، على وجوه ثلاثة متهمين لدى رؤيتهم أشقاءهم الذين جاؤوا من فرنسا. وسمح لهم القاضي بالدردشة جانباً مع أفراد عائلاتهم لبضع دقائق، بعد أعوام طويلة من الفراق.
وفضل أفراد العائلة عدم التصريح للصحافيين، تفادياً للوصمة الاجتماعية وحفاظاً على خصوصيتهم.
خلال مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال المحاميان الفرنسيان ماتيو باغار وماري دوزيه اللذان يدافعان عن نحو 30 من الفرنسيين الـ47، إن القضاء العراقي منعهما من دخول الأراضي العراقية للمشاركة في جلسات محاكمة موكليهما، على خلفية تصريحات نددا فيها بـ"معاملة لا إنسانية" يتعرض لها المعتقلون.
ويطالب المحاميان بترحيل السجناء إلى فرنسا للسماح بالقضاء هناك بمحاكمتهم. ودفع تعذر حضورهما بالمحكمة إلى انتداب محاميين عراقيين لتسلم ملفاتهما. ورفض المحاميان العراقيان التصريح. وقال باغار، وهو وكيل الشاب الذي حكم عليه بالسجن 15 عاماً، "حتى لو أن عقوبته مختلفة، لكنه عُذّب كأنه شخص بالغ وحوكم كشخص بالغ".
ويحضر المحاكمات مراقبون ومسؤولون من السفارة الفرنسية وصحافيون. وعبرت منظمات حقوقية عن خشيتها من صدور أحكام بالإعدام في هذه المحاكمات.
ولا يزال العراق يتعافى من تداعيات ممارسات التنظيم الذي خلف أكثر من 200 مقبرة جماعية لم يعثر عليها كلها بعد، وقد تضم ما يصل إلى 12 ألف جثة، بحسب الأمم المتحدة.
وعلى رغم هزيمته، لا يزال "داعش" يعد العراق وسوريا "ساحة أيديولوجية وعملياتية رئيسة"، مع ما يصل إلى 3 آلاف مقاتل معظمهم في سوريا، بحسب تقرير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أغسطس (آب) الماضي.