Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما تكون ترجمة الشعر خيانة لغوية إبداعية مشبعة بالحب

المغربي سعيد بن الهاني يطرح المسألة في كتابه "حمالو الندوب" نظرية وتطبيقا

لوحة للرسام محمد خياطة (صفحة الرسام على فيسبوك)

في عام 1976 نشر الشاعر الفرنسي إيف بونفوا مقالة استهلها بجملة بدت من الوهلة الأولى حاسمة: "ترجمة الشعر مستحيلة". طبعاً، لا يمكن أخذ هذا الاستهلال مأخذاً قطعياً، فبونفوا نفسه هو أحد أهم مترجمي الشعر في فرنسا. فهو إن كان يقر باستحالة ترجمة الشعر، إنما يعترف بالمقابل بإمكانية ترجمة النص الشعري "القصيدة". فالمترجم وهو ينقل إلينا النص المكتوب لن يكون وفياً، مهما بذل من جهد، في نقل الشعر الذي يحفل به هذا النص. ولهذا انتشرت في الحياة الثقافية الفرنسية تلك الفكرة التي يتداولها الجميع "الترجمة خيانة"، وزكّى هذا الأمر ذلك الجناس الذي يجمع بين الفعلين "ترجم" و"خان" في اللغة الفرنسية: Traduire وTrahir.

وقبل إيف بونفوا بقرن ونيف وصل الشاعر البريطاني صامويل كولريدج إلى خلاصة مفادها أن ما ينقله المترجم من لغة إلى أخرى ليس بالضرورة هو الشعر المكتوب في لغته الأصلية، بل هو فكرة عنه. وقبل الشاعرين الفرنسي والبريطاني أكد الجاحظ أن "الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب".

 لكن "أليس في الترجمة من الآداب الأخرى حافز على التجديد والإبداع؟"، كما جاء في إحدى مقدمات مجلة "شعر" اللبنانية التي احتفت بالشعر الأجنبي وقدمت العديد من ترجماته.

هذه الأفكار المتداخلة تحضر أمامنا ونحن نقرأ الترجمات التي يقترحها المغربي سعيد بن الهاني لعدد من النصوص الشعرية الأجنبية في كتاب جديد صدر حديثاً عن دار "خطوط وظلال" (عمان) بعنوان "حمالو الندوب".

في مقدمة الكتاب يعترف الكاتب بأن الترجمة فعلاً خيانة، لكنه يستطرد بلمسة إبداعية حين يصرح بأنها خيانة تمارس بعشق. استوحى المترجم، بتنسيق مع الناشر، غلاف كتابه من الشاعر التشيلي روبيرتو بولانيو، وتحديداً من نص حافل بالصراخ الوجودي يرى فيه بولانيو أن "التقدم في العمر جريمة". في هذا النص يخبرنا بولانيو أنه آثر البقاء مع "الكلاب الرومانسية" بعيداً عن "صور الألم والمتاهة".

المحنة الوجودية

يبدو أن المسألة الوجودية كانت مدخلاً أساسياً للمترجم المغربي في اختيار النصوص التي تنتمي إلى جغرافيات وحقب مختلفة. فمنذ المقطع الأول للشاعر الأرجنتيني روبرتو خواروث يتضح الخيط الناظم الذي يسبك النصوص المترجمة، ويكشف بالتالي ذوق المترجم وخلفية انتقاءاته: "أفكر في هذه اللحظة/ أن لا أحد ربما في الكون يفكر بي/ أنا الوحيد الذي يفكر بي". ولعل اختيار نص خواروث كمفتتح للنصوص المترجمة لم يكن اعتباطاً، هو الذي سبق أن قال في سياق آخر: "أظن أن في الشاعر الأكثر وحدة والأكثر عزلة تسكن الإنسانية جمعاء".

سعى المترجم إلى تقديم نصوص يمكن وصفها بالعمق، لأنها في معظمها حملت هم الوجود وعبرت عما يعتمل في الذات من قلق بخصوص شكل وجودها. وللتدليل على ذلك يكفي أن نتأمل النص الموالي مباشرة لنص خواروث. يقول الشاعر الفرنسي، المصري الأصل، إدموند جابيس في مطلع هذا النص: "أنا في طور البحث الآن عن إنسان لا أعرفه/ لم يكن أبداً بهذا القدر سوى أنا بنفسي". يمكن أيضاً أن نلمس التيمة ذاتها في نص المجري جوزيف أتيلا الذي يستهله على هذا النحو: "لست أنا الذي يصرخ/ إنها الأرض التي توبخ"، أو عند الفرنسي أنتونين أرتو الذي يطرح تلك الأسئلة الأولية عن الوجود في نصه "من أنا؟". عند البرتغالي فرناندو بيسوا أحد المترجمين في الكتاب تبدو الفرضية التي انطلقنا منها أكيدة: "سأصبح جحيماً أن أكون أنا... سأشعر أبدياً بالاحتراق في داخلي، بلا جدوى الرغبة العقيمة في العودة إلى الوجود". الإحساس بفداحة الوجود وشبهة الانتماء يجسدها الفرنسي جان جينيه في صورة العزلة وقسوة المحيط: "وحيد أنا مُنزوٍ في علم مبلل/ بهذه الطيات الرطبة بهذه الشعلات القاسية/ أي أزهار جميلة ستتدبر أموري؟".

تتفرع المسألة الوجودية في النصوص المترجمة إلى تيمات مجزأة: الشيخوخة عند هنري ميشو، والانتحار عند فرانك فوناي، واليأس عند أندريه شديد، والرغبة في تغيير شكل الحياة عند بوريس فيان، ومعنى أن تكون شاعراً عند جوزيف برودسكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 قدم المترجم نماذج لنصوص شعراء معروفين مثل إميلي ديكنسون، وفرناندو بيسوا، وجورج سيفيرس، وأنطونيوا غامونيدا، وقسطنطين كفافيس، كما قدم أسماء أخرى تشكل اكتشافاً لعدد من قراء الشعر.اللافت في ترجمات سعيد بن الهاني هو أنه يضمن كتابه نصوصاً شذرية لعدد من الشعراء، ونحن لا نعرف إن كانت نصوصاً شعرية أو حكماً نثرية يقف خلفها شعراء، كما هو الشأن بالنسبة إلى نصوص أمبروز بييرس وماريا ثامبرانو وستانيسلاف جيرسي ليتش وبول فاليري وبرنارد شو وبيار ريفيردي وإيريك شوفيار، وغيرهم.

لم يكتفِ سعيد بن الهاني بترجمة نصوص الشعراء الفرنسيين أو العرب الذين كتبوا بالفرنسية، مثل جويس منصور، وفينوس خوري غاتا، وجورج شحادة، وأندريه شديد، بل ترجم أيضاً عدداً كبيراً من النصوص المنقولة إلى الفرنسية من لغات أخرى تسمى وسيطة، مثل اليونانية والتشيكية والبرتغالية والإسبانية والألمانية وغيرها. لقد جمع في مختاراته تجارب شعرية متفرقة جغرافياً وتاريخياً، قد يحس القارئ بأن لا شيء يجمعها - فضلاً عما ذهبنا إليه - سوى الشعر نفسه، لكنه يحس في الآن ذاته أن المترجم فتح لنا نافذة كبيرة على حديقة الشعر العالمي، محافظاً على نضارة أزهارها. كيف لا وهو نفسه شاعر؟

المزيد من ثقافة