Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 النار تحول الحطام إلى أثر جمالي في لوحات جان بوغوسيان

معرض بعنوان "الشعلة المستمرة" يضم أعمالا متعددة التقنيات والموضوعات

الحطام الجميل في معرض جان بوغوسيان (خدمة المعرض)

ملخص

بين ألسنة اللهب التي تحرق، وخيوط الدخان التي ترسم، ثمة شيء ضائع أثيري ومتبخر، يقع بين المرئي والمكتوب. لعل هذا ما يتمثل في أحدث تجارب الفنان التشكيلي جان بوغوسيان. يستعيد بوغوسيان في أعماله المعروضة في غاليري صالح بركات (كليمنصو) بعنوان "الشعلة المستمرة"، الماضي ليستكشف بها الحاضر، عبر مسارات متعددة الثيمات والخامات والوسائط، تتمحور جوهرياً حول النار، هذا الوسيط الفني الذي توغل في صميم  فكر "ما بعد الحداثة" في الغرب، مستلهماً جذراً بدائياً يعود ليقظة البشرية والوعي الأول للعقل في تطويع عناصر الطبيعة وكائناتها

يتشكل عمل الفنان جان بوغوسيان من طريقة تطويع النار وما ينتج منها من آثار حروق وسرديات لحكايات الغيوم العابرة في السماء وتاريخ حضارات وثقافات قديمة تبخرت كالدخان، غير أن هذا الجانب المفهومي لا يشكل سوى الجانب التقني للتجارب التي تتخطى المعطيات المتداولة لآثار الحرق الظاهرة، نحو اختبارات أكثر تعقيداً متعلقة بأنواع الخامات والألوان والملامس وهي عوامل إضافية تحاكي الانفجارات البركانية والأمواج البحرية العاتية ومشاهد انفجار مرفأ بيروت وتداعيات "برج بابل" ومهابة أشجار الأرز والإيقاع التراكمي لطبقات اللون الشبيهة بجذوع الأشجار المعمّرة.

وخلال معرضه الجديد هذا، ثمة تجارب عدة ومسارات متفرعة من طريقة استخدام النار كوسيط فني، غير أن شغفه بسحر تدفقات اللون يدفعه غالباً الى إطفاء النار سريعاً كي يعود لأصباغه اللونية ليشعلها ويفجرها ويجعلها تثور وتغضب من دون أن تنطفئ جذوتها. وفي هذا التلاعب بالوسائط تمويه يشتت درامية النار المفترضة، ليمنح اللون بطولته التعبيرية. وتتجلى هذه التصاعدية في سرديات بصرية تتوسل التجريد، سعياً إلى مزيد من الحرية في دمج الخامات والمواد لتحقيق جماليات جديدة تعكس لمسته الخاصة ومقاربته الشاعرية والانفعالية أحياناً. وفي جميع استكشافاته للمواد، هناك كثافة وعمق وحساسية وسماكة وفرقعة وتشقق وتبرقش وسطح غني بالتأويلات البصرية.

رقصة النار

جان بوغوسيان هو فنان بلجيكي متعدد الاختصاصات ذو أصول أرمينية لبنانية، اشتهر باختياره المتميز للنار وسحابات الدخان في الفن التجريدي. ولد في حلب عام 1949 لعائلة من صائغي المجوهرات، وعمل بداية في تجارة العائلة بينما كان يدرس الاقتصاد وعلم الاجتماع في جامعة القديس يوسف في بيروت. عام 1975، دفعته الحرب الأهلية اللبنانية إلى الانتقال إلى بلجيكا حيث درس في أكاديمية الفنون الجميلة في بوافور وأوكل Uccle. وشارك منذ عام 1992 في إنشاء مؤسسة للفنون في "فيلا إمبان" في بروكسل إلى جانب والده وشقيقه، من دون ان يتوقف عن استكشاف المواضيع المعاصرة، مرسخاً مكانته كشخصية بارزة في عالم الفن اليوم. وشارك في معارض عربية ودولية واسعة النطاق، شملت تمثيل أرمينيا في "بينالي فينيسيا" عام 2017.

أخذت ممارسته الفنية منعطفاً حاسماً عندما بدأ التجريب باستخدام النار كوسيط أساس منذ عام 1988، ليصبح هذا الاستخدام للحرق بصمته المميزة. وانتقل بوغوسيان في تجاربه من الاستخدام الظاهر للنار وما يتركه فعل الحَرق من آثار ألوان وثغرات ظاهرة على القماش، إلى مراحل أكثر عمقاً واشتغالاً على المؤثرات البصرية للسطح التصويري، متأثراً بالفنان الألماني أنسلم كيفر الذي ربط بين النار وأشعار بول سيلان وتداعيات الحرب العالمية الثانية وما خلفته من حرائق ودمار. فظهرت في نتاج بوغوسيان ثيمة الكتب المحروقة، وأدخل أيضاً مادة أوراق الذهب في صميم أعماله التجهيزية الضخمة، وهي تتراءى على نطاق ضيق في معرضه الحالي من خلال ثيمة "أشجار الأرز" بين النار والرماد.

ولطالما كان مأخوذاً بالضخامة التي لا تزال ترافق تجاربه المعاصرة بسحر تأثيرها البصري. ويصف بوغوسيان تجاربه الراهنة بأنها "رقصة نار"، تبحث عن التوازن وسط الفوضى، من خلال المعالجات والتحولات التقنية التي يتعرض لها سطح اللوحة، حيث تمثل النار وجهي الحياة، الدفء من جهة، والعنف المرتبط بالحرائق وعذابات الإنسانية من جهة أخرى.

 علامات غائرة كالندوب

يستلهم بوغوسيان التاريخ والأساطير والذاكرة الجماعية، ويستحضر في أعماله آثار الحروب والدمار، وهي تبرز في الاستخدام الخفيّ للنار، وما ينتح منه فعل الاحتراق من سحابات دخان تسير بين شرايين الضوء، ترتسم على شكل هياكل مدن مهجورة وبيوت محترقة وشيفرات مبهمة كأنها حروف من لغات مندثرة أو صفحات من مخطوطات قديمة. في إيماءات تشبه جنّيات من خيال وظلال تتمايل في الفراغ الذي يشكل قاعدة للتشكل بين يدي فنان يتحكم في نفث الدخان وتوجيهه لتكوين تآليف تجريدية داخل فضاءات بصرية تنبض بالعمق والغموض.

إنها لغة وسفر وشظايا من الذاكرة وعناصر طبيعية بين موسيقى وتكرار في مقاربات تجريدية متقشفة أحادية اللون، تبدو على مقربة من تآليف يانيس كونيليس (أحد رموز الفن الفقير) التخييلية والتركيبية، فتكتسب اللوحة معنى وجودها من خلال الألوان الشفافة وحال الذوبان والتبخر الناتج من الدخان. والدخان هو اللغز الهائم المتطاير الذي لا يمكن تقييده حين يتحول إلى مادة لونية لمفردات تتكرر على مساحة اللوحة ذات الطبيعة "المرآتية" بفعل الطيّ. علامات ورموز آثار موسومة وممحوة ورؤى تتجسد في إنشاء واعٍ للثيمة المقصودة، لكأنها قراءة سردية حرة قريبة من الهمزات الحروفية اللاواعية لهنري ميشو في مرحلة "الميسكالين"، ولا سيما أن لغة بوغوسيان تعتمد على الفراغ كقوة power إزاء هشاشة العلامات والرموز الخطية الغائرة في جلد اللوحة كالندوب.

وإزاء البُعد الظني لهذه الأعمال التي تكتفي بلون الرماد والشفافيات النورانية بتأويلاتها الشاعرية، تنبري على نقيضها لوحات تجسد انفجارات لونية على هيئة براكين ثائرة ذات فوهات تلقي حمم الجمر والرماد وشرارات اللون في انفعال حركي وتجريدي في آن واحد، يذكّر بالتبعثر اللوني المتطاير لفن "الأكشن الأميركي" المتمثل في لوحات جاكسون بولوك، غير أنه بعيد كل البعد من التراجيديا في التعبير، بل على النقيض يتبدى الركام اللوني كطبقات من مواد مختلطة من بينها ورق "الكريبون" الياباني الذي يحمل على سطحه المجعد والمتموج، آثار الحروق التي نالت منه من دون أن تخفي أثره. والمفارقة تكمن في الحركة الانفجارية أعلى اللوحة بالتوازي مع غنائية الألوان الملتهبة في قعرها بوصفها طبقات من قشور الأرض المنقلبة بفعل الاحتراق والترسب.

الموجة الكبيرة

ويعطي الفنان بوغوسيان هذه التجارب أقصى حالات الامتلاء اللوني بين التناغم والتصادم والتوتر والدّعة في آن واحد، وهي تجارب مرتبطة بصورة وثيقة بسلسلة الأعمال المهداة إلى الفنان الياباني هوكوزاي الذي ترك أسلوبه في رسم المناظر تأثيرات كبيرة في مفهوم المنظور لدى الانطباعيين الفرنسيين، ولا سيما لوحته المعروفة بـ"الموجة الكبيرة". والموجة هي الموضوع الذي ظهر بالصدفة في عمل لجان بوغوسيان يعود لعام 2018، حين مزج الجص والطلاء فنتج  من المزيج رذاذ يشبه موجة مهيبة، شجعته على المضي قدماً في استكشاف العوالم البحرية وما تضج به من ألوان وملامس وشقوق ومسارات حركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال سلسلة "أبراج بابل"، يعيد جان بوغوسيان تفسير الأسطورة القديمة من خلال النحت الخزفي. وتتكون هذه الأعمال من طبقات متراكمة غير منتظمة تستحضر الطبقات المعمارية لمعابد الرافدين في صوغ معاصر يقوم على فكرة الارتقاء الروحي والتداعي والحطام بفعل الحروب على مرّ الأزمنة. وتتجلى البنية الارتقائية بحضورها المؤثر في منحوتاته الخشبية، حيث التكرار في التأليف العضوي يشكل قوام التكاوين التجريدية، وهي الأمثل في التعبير عن علو قامات الأشجار ومفهوم الغابات المحروقة بروح بدائية و"طوطمية" تتجلى في للحروق بشروخها العميقة. هكذا يستحيل الحرق لديه لغة جمالية وإنسانية، يرمم بها الفراغ، ويستنطق من خلالها طقوس المادة بين رماد الماضي وإشراقة الحاضر.   

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة