Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا وصفقة الطائرات الروسية... أثرها ومداها 

محللون يؤكدون قدرتها على تحقيق "إستراتيجية الردع" وفرض واقع جديد في البحر الأحمر لمصلحة أطراف دولية وإقليمية

آبي أحمد وحرمه في موسكو أثناء اطلاعهما على الطائرات المقاتلة الروسية التي تم الاتفاق عليها (مكتب الاتصال الحكومي الإثيوبي) 

ملخص

يرى مراقبون أن الصفقة التي لم يكشف عن إجمال كلفتها المالية أتت خلال وقت حذرت المنظمات الإغاثية الدولية، بما فيها منظمة العون الإنساني، من أن نحو 3.9 مليون شخص في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية طارئة داخل إثيوبيا، بينما تواجه الأسر النازحة بمن فيهم سكان مدينة ميقيلي في تيغراي تأخراً في توزيع المواد الغذائية ونقصاً حاداً في الحاجات الأساس. 

أثار حصول إثيوبيا على 12 طائرة مقاتلة من طراز "سو- 35" الروسية الصنع خلال زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى موسكو على هامش القمة الأفريقية - الروسية، والاتفاق على تسلم أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي "أس- 400" في المستقبل القريب، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية الأفريقية، وبخاصة لجهة تأثيره في الاستقرار الإقليمي داخل منطقة القرن الأفريقي، لا سيما وسط التوترات القائمة في البحر الأحمر، والخلافات المصرية - الإثيوبية المتصاعدة خلال الفترة الأخيرة حول ملفي مياه النيل والمشروع الإثيوبي للوصول إلى سواحل البحر الأحمر. 

وارتكز الاهتمام الدولي بالصفقة الروسية - الإثيوبية التي نُفذت قبل مواعيدها المعلنة بعام كامل لجهة تزامنها مع نذر الحرب المحتملة في القرن الأفريقي، وبخاصة بين إريتريا وإثيوبيا، فضلاً عن تزامنها مع الأزمة الإثيوبية - الصومالية. 

ويرى مراقبون أن الصفقة التي لم يُكشف عن إجمال كلفتها المالية أتت خلال وقت حذرت المنظمات الإغاثية الدولية، بما فيها منظمة العون الإنساني، من أن نحو 3.9 مليون شخص في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية طارئة داخل إثيوبيا، بينما تواجه الأسر النازحة بمن فيهم سكان مدينة ميقيلي داخل تيغراي تأخراً في توزيع المواد الغذائية ونقصاً حاداً في الحاجات الأساس، مما دفع المراقبين لشؤون المنطقة إلى التحذير من الأبعاد الإنسانية والأخلاقية لسباق التسلح في دول تعاني شعوبها الفقر والمجاعة. 

أهداف دفاعية

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي صرح خلال وقت سابق بأن بلاده ستكون "أول دولة في أفريقيا جنوب الصحراء تجهز بهذه الطائرات المقاتلة الحديثة، التي تصنف ضمن الجيلين الرابع والخامس"، مؤكداً أن بلاده تلقت تعهداً روسياً بتسلم أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي "أس- 400" في المستقبل القريب.

وأضاف أن شراء هذه الطائرات يأتي ضمن استعدادات بلاده للدفاع عن نفسها ومنع انتهاك مجالها الجوي، موضحاً "إذا لم نبنِ هذه القدرة فسيكون من الصعب علينا الحفاظ على وجودنا كدولة داخل منطقتنا".

وتعد الجزائر الدولة الأفريقية الوحيدة التي زُودت بهذه الطائرات المقاتلة حتى الآن. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهته قال المحلل العسكري الروسي ألكسندر فاليري إن طائرات "سو- 35" تصنف ضمن "طائرات الجيلين الرابع والخامس التي ظهرت في ظل عصر تكنولوجيا الطيران المتطورة والتنافسية، وبإمكانها تحقيق أهداف عدة للدولة الأفريقية الواقعة داخل منطقة مضطربة بالصراعات.

وأضاف "إنها طائرات تمتاز بقدرتها على المناورة وسعة حمولتها من الأسلحة وارتفاع تحليقها وقدرتها على كشف الأهداف البعيدة المدى فضلاً عن سرعته، وهي وإن لم تكن أحدث إنجازات تكنولوجيا الطيران الروسي إذ تتقدم عليها طائرات مقاتلة من الجيل الخامس، فإنها تعد من ضمن الطائرات الأكثر تأثيراً في مستوى تحديد الأهداف وسرعة الأداء، ومن ثم فإن الحصول عليها قد يغير موازين القوى الإقليمية بصورة كبيرة". 

تجاوز الانتكاسات 

بدوره نقل موقع "بي بي سي" الناطق باللغة الأمهرية عن الطيار العسكري الإثيوبي تشومي تينكولو قوله، إن "هذه الطائرات المقاتلة ظلت تحظى باهتمام دولي كبير باعتبارها حديثة وذات قوة عالية"، مقارناً إياها بطائرات "ميغ" المقاتلة التي كان يقودها سابقاً والأجيال المختلفة من الطائرات المقاتلة التي تلتها.

وأوضح تشومي أنه بحصول القوات الجوية الإثيوبية على هذه التكنولوجيا الحديثة، فإنها ستتجاوز حتماً الانتكاسات التي تعرضت لها منذ عام 1991 عقب انهيار نظام منجستوا هيلي ماريام، مشيراً إلى أن جيله يبدو الآن فخوراً بهذا المستوى الذي وصلت إليه القوات الجوية في مثل هذا الوقت القصير، متوقعاً أن تتيح إعادة تجهيز القوات الجوية بطائرات "سو- 35" الحديثة "هيمنة كبيرة داخل المنطقة".

وفي إشارة إلى التحديات التي تواجه بلاده وبخاصة ضمن نزاعها الطويل الأمد مع مصر حول مياه نهر النيل، قال تشومي "إن التطور الأخير سيدفع مصر للاستعداد أكثر من أجل مواجهة هذا التحدي، كذلك على إثيوبيا أن تعزز قدراتها، فهي في حاجة إلى اتخاذ الاستعدادات الكافية، ليس للعدوان بل للدفاع عن النفس".

وبينما تعد طائرات "سو- 35" الـ12 التي تسلمتها إثيوبيا إضافة قيمة للقوات الجوية، يعتقد الطيار العسكري الإثيوبي أن البلاد في حاجة إلى مزيد من الطائرات المقاتلة لأن المنطقة "تشهد أزمة جيوسياسية معقدة"، مؤكداً أن إثيوبيا "تخوض صراعاً محتدماً للدفاع عن نفسها والحفاظ على سلامة أراضيها ومصالحها الوطنية".

حليف وصديق

من جهته يرى المتخصص المصري في الشؤون العسكرية والإستراتيجية العميد سمير راغب أن حصول إثيوبيا على طائرات "سو- 35" يعد "تطوراً نوعياً ضمن سياق النفوذ الإقليمي المحتدم داخل القرن الأفريقي"، مؤكداً أن القاهرة سعت إلى الحصول على هذه التكنولوجيا الحربية منذ أكثر من ستة أعوام، لكنها واجهت اعتراضاً أميركياً كبيراً أثناء فترة رئاسة ترمب الأولى في إطار ما يُعرف بـ"قانون كاتسا الأميركي"، موضحاً أن الاعتراض على حصول القاهرة على الطائرات الروسية يعود للتصنيف الإستراتيجي الذي تعتمده واشنطن لعلاقاتها مع كل من القاهرة وأديس أبابا، ففي حين تعد الأولى صديقاً للولايات المتحدة تصنف الثانية كـ"حليف" لها، إذ تصنف واشنطن دول شمال أفريقيا صديقة لحلف "الناتو" في حين تنظر إلى إثيوبيا كأقوى حلفائها داخل منطقة القرن الأفريقي التي تشهد اضطرابات واسعة، ومن ثم فإن الحسابات الإستراتيجية الأميركية ترجح ضرورة تطوير قدراتها الدفاعية كـ"شرطي للمنطقة المضطربة"، مما يتقاطع مع التدخلات الأميركية المتكررة لإنقاذ إثيوبيا من التفكك في أكثر من مناسبة. 

ويرى راغب أن الصمت الأميركي تجاه حصول إثيوبيا على "سو- 35" ينبغي فهمه في هذا السياق الإستراتيجي، على عكس الاعتراضات الأميركية في شأن حصول كل من مصر وتركيا على ذات السلاح خلال الأعوام الماضية، موضحاً كذلك أن ثمة أهدافاً واضحة للطرف الروسي من تنفيذ الصفقة قبل موعدها، يتعلق بالتحولات الجيوسياسية القائمة داخل منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فللتوقيت دلالات سياسية وإستراتيجية واضحة في تحقيق الصفقة. 

 

ويتابع أن أديس أبابا تلعب أدواراً إقليمية لحساب أطراف عدة داخل المنطقة وخارجها، منوهاً بأن مشروع النفاذ إلى البحر الأحمر لا يتربط بمصالح إثيوبية بحتة، بل له علاقة باصطفافات إقليمية ودولية تحقق مصالح النفوذ الإقليمي لأطراف أخرى من بينها إسرائيل وروسيا، إلى جانب دول إقليمية أخرى.

ويقدر راغب أن ثمة وعوداً قطعتها أديس أبابا لروسيا وإسرائيل حول الوجود في البحر الأحمر، وبخاصة ضمن مداخله الجنوبية وتحديداً بمضيق باب المندب، إذا ما قدر لأديس أبابا السيطرة على سواحل إريتريا في البحر الأحمر أو إقليم صوماليلاند على خليج عدن، ومن ثم يرى أن "الصفقة ككل تتعلق بمسألة إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي داخل منطقة تضم أهم الممرات المائية الإستراتيجية حول العالم، لا سيما وأنها تمثل ممراً عالمياً لنحو 15 في المئة من حجم الملاحة الدولية". 

إلى جانب ذلك ينوه المحلل العسكري المصري إلى أن لروسيا أسباباً أخرى وجيهة تتعلق بالجانب الاقتصادي والتجاري، وبخاصة أنها تتعرض لعقوبات قاسية من قبل الدول الغربية على خلفية الحرب الروسية - الأوكرانية، ومن ثم فهي في حاجة ماسة إلى تنويع صادرات سلاحها نحو دول أفريقيا في ظل الحصار القائم، مؤكداً أن ثمة شقاً تجارياً للصفقة التي تقدر بنحو مليار دولار أميركي.

موازين القوى

لكن السؤال الأبرز في هذا الجانب يتعلق بمن دفع فاتورة هذه الصفقة، وبخاصة أن إثيوبيا تعاني تواضع قدرتها الشرائية في إشارة إلى أن ثمة أطرافاً دولية وإقليمية قد تكون ضالعة في إتمام الصفقة لتحقيق أهداف جيوسياسية. 

وضمن إجابته عن هذا السؤال يرى المحلل العسكري المصري أنه على رغم أهمية حصول إثيوبيا على طائرات "سو- 35" في رفع قدراتها الدفاعية والهجومية، فإن من الصعوبة بمكان الزعم بأن هذا العامل وحده كفيل بتغيير قواعد اللعبة أو موازين القوة الإقليمية داخل المنطقة، مشيراً إلى أن الترسانة الحربية الإثيوبية لا تزال متواضعة قياساً بالقوى الأخرى كالقدرات الجوية المصرية، فحجم الطائرات الإثيوبية المقاتلة لا يتجاوز بضع وعشرين طائرة، من دون احتساب المسيرات التي تعد سلاحاً خفيفاً، فيما لا يتجاوز عدد البطاريات كتيبتي دفاع جوي، علاوة على أن الجيش الإثيوبي تعرض لإنهاك كبير في الحروب الداخلية خلال العقود الماضية، ولا يزال منهمكاً في مواجهة جماعات متمردة داخل أكثر من إقليم، بالتالي فإن الاعتقاد أن صفقة سلاح واحدة قوامها 12 مقاتلة من نوع "سو- 35" يمكن أن تغير من قواعد الاشتباك وموازين القوة يعد تحليلاً غير دقيق. 

ويوضح أن الحروب الحديثة على رغم اعتمادها بصورة كبيرة على العتاد الجوي، فإنه لا يعد سلاحاً كافياً لحسم المعارك الكبرى أو إعادة تشكيل موازين القوى بصورة كلية، مشيراً إلى الحروب الأخيرة التي تُخاض داخل إيران وأوكرانيا وغيرها من المناطق الساخنة لم يتمكن السلاح الجوي وحده من حسم معاركها أو تحقيق نصر بصورة حاسمة، إذ لا يزال للقوات البرية تأثير واسع. 

إستراتيجية الردع 

من جهته يرى المتخصص الأمني الإثيوبي طلاهون أببي أن "حصول إثيوبيا على طائرات "سو- 35" يمثل في حد ذاته هدفاً عسكرياً وأمنياً مهماً لبلاده"، موضحاً أنه "يحقق إستراتيجية الردع لأي قوة معادية"، ويمثل عاملاً جوهرياً لفرض التحولات الجيوسياسية التي تسعى أديس أبابا إلى إحداثها في شأن ملف البحر الأحمر، وبخاصة أنها بتنفيذها لهذه الصفقة أضحت الدولة الوحيدة في دول جنوب الصحراء المالكة لهذه التكنولوجيا الحربية، ومن ثم أصبحت تتمتع بقدر عالٍ من الثقة والقدرة على الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية داخل منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مشيراً إلى أن صفقة الطائرات تستهدف التوازن مع القوة المصرية أكثر من أي قوى أخرى في القرن الأفريقي. 

ويشير المتخصص الإثيوبي إلى أن السياسات الدفاعية التي اتبعتها الحكومة الإثيوبية قد تبدو مكلفة للغاية، لجهة أن التقديرات تشير إلى أن كلفة الطائرة الواحدة تتجاوز 80 مليون دولار في الأقل، لكن الضرورات الأمنية والإستراتيجية المرتبطة بملفي النيل والبحر الأحمر ظلت تتطلب تلك الكلفة المادية الكبيرة، مقابل تنفيذ أهداف جوهرية لبقاء واستمرار الدولة وتحقيق استقرارها. 

وأوضح أن كلفة الطائرات إضافة إلى الأسلحة وتدريب الطيارين وقطع الغيار تجعل هذا القطاع الجوي باهظ الثمن، مشيراً إلى أن هذه الطائرات الحديثة تتطلب تدريباً عالياً، إذ إن تدريب طيار واحد وتأهيله للخدمة يكلف الدولة ملايين العملات الأجنبية، و"يستغرق ما يصل إلى سبعة أعوام من التدريب لإعداد طيار محترف وموثوق".

وشدد على أن ميزان القوى الإقليمي في طريقه للتحول بعد الصفقة الروسية - الإثيوبية الأخيرة، خصوصاً في ظل التحولات النوعية التي تشهدها خطط الحروب الحديثة التي تعتمد بصورة أساس على القوات الجوية، مضيفاً "اليوم لا نعيش عصراً تُخاض حروبه بالجنود والبنادق كما في الماضي، إذ إن القوات الجوية هي التي تبدأ الحرب والقدرة التدميرية التي يمكن أن تلحقها طائرة واحدة بالعدو ربما تفوق ما يمكن أن تدمره قوات برية من كتائب عدة، بالتالي لا يمكن إنكار تأثير الصفقة الأخيرة في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية داخل المنطقة". 

ويتابع المتخصص الإثيوبي "على رغم وجود الطائرات المسيرة فإن القوات الجوية لا تزال تلعب دوراً محورياً في الحروب الحديثة، لجهة حجم قدراتها التدميرية العالية ودقة أهدافها، بالتالي فهي كفيلة بإحداث فارق كبير ضمن المعارك"، موضحاً أن القوات البرية هي المسؤولة في نهاية المطاف عن حفظ السلام والاستقرار، لكن القوات الجوية هي التي تقود الحروب الحديثة وتقلل من كلفتها المادية والبشرية، إلى جانب قدرتها على تحقيق الأهداف بصورة مركزة". 

ويختم بالقول "مع ذلك لا ينبغي اختزال القدرات العالية التي حققتها صفقة الطائرات الروسية للجيش الإثيوبي في جانبها الهجومي، فهي بالأساس تهدف إلى رفع القدرات الدفاعية فضلاً عن الأهداف المتعلقة بإستراتيجية الردع، ووفق هذا السياق ينبغي قراءة السعي الإثيوبي للتسلح بأحدث التكنولوجيات الحربية، إذ تخصص أديس أبابا موازنات طائلة للسلاح الحديث باعتباره ضماناً للسلم وإعادة تشكيل للنفوذ الإقليمي الذي يحقق الاستقرار وليس باعتباره أداة حرب ومواجهة فحسب، موضحاً أن الحروب عادة تنشأ نتيجة إدراك لدى أحد الأطراف باختلال موازين القوى لصالحه، في حين أن واقع توازن القوة يحقق السلم والاستقرار".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير