ملخص
منذ أن اجتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي مساحات كان فيها الخيال البشري يتجاوز نفسه من أجل إنتاج الدهشة وإبهار المشاهدين ونقل التجربة الشخصية ومكابداتها إلى الشاشة... منذ ذلك الحين والأسئلة لا تنفك تنهمر حول القيمة التي جنتها السينما من وراء هذا التحول التقني الأكبر والأعمق والأخطر في التاريخ.
ثمة للوهلة الأولى ما يشبه الاعتقاد بأن تلك التقنيات التي يجري بفضلها توليد السيناريو ورسم الشخصيات واستنساخها وصناعة الصوت، فضلاً عن معالجته، وكذلك المؤثرات البصرية، وسواها جعلت الصورة مفتقرة إلى حرارة الإحساس والتفاعل، فيكون الأثر المنتقل إلى المشاهد مشوباً بالافتعال والتصنع، ومرسوماً بدقة لا ترومها الذائقة، لأن النقصان جزء من الطبيعة البشرية. والمشاهد يتفاعل مع الدمعة الحقيقية، لا مع الحقنة المائية التي تقذف في عين الممثل قبل المشهد الدرامي.
صناعة الخيال
لكن ذلك ليس سوى جزء من الصورة الكبرى التي تخبر بأن السينما، وهذا أمر بديهي، هي صناعة الخيال، وقد نقول الوهم، بالتالي لا فرق إن أنتج ذلك بالطرق التقليدية الكلاسيكية، أو عبر المحاكاة الحاسوبية. أضف إلى ذلك أن هناك فرقاً (يخفى على كثر) بين المؤثرات البصرية والفنية التي تمنح الفيلم حيوية وإيقاعاً ونصاعة، وبين تلك التي تُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من دون الحاجة إلى ممثلين أو كاميرا أو استوديو.
في فيلم "الأوديسة" الذي أخرجه أخيراً ديف ووكر، جرى الاعتماد على أداة "Grok Imagine" المخصصة لتوليد الصور ومقاطع الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي، بحسب ما كشفت عنه شركة "إكس أي آي" التي أسسها إيلون ماسك، لكن ذلك لا يقلل من أهمية العمل ومهارة صانعيه وممثليه.
آخر الأعمال التي تجلى فيها الإبهار البصري والنفسي، كان الفيلم المكسيكي الضخم "النجاة من إعصار أوتيس" (Surviving Hurricane Otis) الذي عرض الأسبوع الماضي على منصة "نتفليكس"، ويجسد قصة حقيقية عن إعصار مدمر ضرب المكسيك في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
الإعصار الذي كان من الفئة الخامسة دمر منتجع أكابولكو المكسيكي، مخلّفاً دماراً هائلاً، إذ دمّرت الرياح المباني واقتلعت الأشجار وأزاحت منحدرات جبلية بأكملها، مما أسفر عن مقتل 52 شخصاً وفقدان 31 آخرين، كان معظمهم من البحارة.
أبعد من الإعصار
المخرج خورخي ميشيل غراو حوّل هذه المأساة إلى قصة تراجيدية تتعدى الإعصار بحد ذاته، إلى معاينة الأوضاع المعيشية التي تقضّ مضاجع المكسيكيين الذين كشفت مأساة الإعصار عن عمق التباين الطبقي الذي يرزحون تحت نيره، لأن ثمة طبقة تتمتع بسائر الامتيازات، وتستخدم البشر كأدوات لحماية مصالحها حتى لو كان ثمن ذلك الموت والاختفاء، كما جرى مع بطليْ الفيلم الأخوين البحارين الشابين اللذين يعملان حارسين ليخت فاخر في خليج أكابولكو، لم يصغِ مالكه لاستغاثاتهما فيما كانت مياه الإعصار تبتلع صيحاتهما، وتدمر مركبهما، وتقذفهما إلى البحر الهادر وعتمة المصير.
المخرج غراو أراد أن يجعل المأساة عنواناً لألم كل مكسيكي، لكنه لم يلجأ إلى الدراما المدرّة للدموع والآهات، بل شرع في تقديم واحد من أضخم إنتاجات أفلام الكوارث الطبيعية في السينما المكسيكية، كما وصفته صحيفة "إل باييس" (El País) الإسبانية، إذ استُخدم خزان مياه مصمم خصيصاً للفيلم، إضافة إلى تقنيات مؤثرات الرياح والمياه في "استوديوهات تشوروبوسكو" في مكسيكو سيتي.
500 شخص للمؤثرات الصوتية
وعلى مدى ثلاثة أعوام، شارك 800 شخص في العمل، من بينهم 500 تفرغوا حصرياً للمؤثرات البصرية. ووفق المخرج المكسيكي "كان هناك جيش كامل يعمل على تصميم مياه البحر والأمواج والرياح، طبقة تلو الأخرى"، ويضيف أن الفيلم واجه تحدياً تقنياً كبيراً تمثل في محاكاة إعصار من أقصى درجات القوة (بسرعة رياح تصل إلى 170 ميلاً في الساعة) داخل استوديو مغلق.
وتحمل تصريحات مخرج "النجاة من إعصار أوتيس" (95 دقيقة) تصوراً للإنتاج المعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي والفتوحات الحاسوبية، إذ جرى بناء خزان مياه بمساحة 200 متر مربع، وتجهيز ثلاثة قوارب يزن كل منها ثمانية أطنان لتصوير المشاهد المائية. واستُخدمت كذلك مراوح ضخمة ومدافع مياه، مع الاستعانة بجدول بياني دقيق يوضح حركة الرياح وارتفاع منسوب المياه في كل لحظة من لحظات الإعصار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وما يمنح الفيلم ميزة تضعه في مصاف الأفلام العالمية الكبرى أنه لم يغرق في مياه المؤثرات البصرية، ولم يتوغل في تيه الجماليات، بل مزج ذلك كله بإحساس عاطفي جسدته الشخصيتان الرئيستان في الفيلم "ويربول" و"كانديدو" (وهما أخوان غير شقيقين) على نحو إبداعي، مما يدحض (نسبياً) فكرة أن التقنية تفسد التعاطف، بل إن التحدي يكمن في خلق بيئة قابلة للإنشاء الرقمي من دون التخلي عن أنفاس التجربة الإنسانية. ولأجل ذلك شارك البحاران الناجيان من الإعصار الحقيقي مارلون فالديز وجوناثان تشينو في تقديم المشورة للممثلين، وكانا موجودين في موقع التصوير، وساعدا في مرحلة ما بعد الإنتاج، وراجعا أيضاً رموز الاتصال اللاسلكي المستخدمة بين القوارب في السيناريو، كما تقول الصحيفة الإسبانية في التقرير الذي أعدته الكاتبة بياتريس غيلين.
ما وراء القص
الفيلم يضيء على تقنية "ما وراء القص" (Metafiction) وهي أسلوب سردي يعترف فيه العمل بطبيعته المصطنعة القائمة على "الخيال حول الخيال"، مما يحيل مجدداً إلى السجال حول مهمة السينما ووظيفتها باعتبارها "ممارسة فلسفية" تمتلك، وفق هنري برغسون، القدرة على التلاعب بالزمن بتمديده، أو تسريعه، أو عكسه، مما يمنح المشاهد إدراكاً جديداً للواقع والذاكرة.
أسئلة كثيرة تبقى معلقة طرحها الفيلم المكسيكي وسواه من أفلام استفادت من التقنيات الحاسوبية وتوليدات الذكاء الاصطناعي، من بينها هل كان ركوب البحر والمخاطرة أفضل من الإعصار المصنوع في الاستوديو؟ وهل حقاً أن الذكاء الاصطناعي يقتل الدهشة؟ وهل على الممثل أن يقتحم الوغى ويعرض حياته للموت، كي يقنع المشاهد بإحساس الخوف؟ ثم ألا يمكن تصنيع الخوف بوضع الممثل الموهوب في ظروف ينشئها الاستوديو، ويضبطها المخرج الحكيم، وتصوغها المؤثرات الفنية، فيستجيب الجسد للتهديد ويتماهى مع إفرازاته؟
في ضوء هذه المعطيات، نعود لسؤال الصدق والحقيقة، فليست كل تجربة حقيقية تضمن الصدق، وليس كل تخيّل ينتج زيفاً، بل ثمة ما هو أبعد من ذلك يتمثل في تحدي أن يخلق الزيف (الوهم) شعوراً غامراً بالتعاطف الذي يضمر إحساساً عالياً بالصدق. ولعل تخليق إعصار في غرفة استوديو، وتصنيع أمواج واستغاثات دليل (ربما) على استطاعة الوهم المتقن أن ينافس الحقيقة، في الأقل سينمائياً.