Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لغة البروفنسال "وطن" الشاعر الفرنسي ميسترال

قصيدته "كالندال" ملحمة حب للجنوب الفرنسي ذات نزعة انفصالية أوصلته إلى جائزة نوبل وأثارت عليه أبناء قومه

فردريك ميسترال (1830-1914) بريشة فيليكس أوغست كليمنت (غيتي)

ملخص

من أبرز أعمال الشاعر الفرنسي فردريك ميسترال، قصيدته الملحمية "ميريو"، التي نشرها عام 1859، وتروي حكاية حب مأسوية في البيئة الريفية البروفنسالية، مستحضرة طبيعة الجنوب الفرنسي وعاداته ومعتقداته. وقد أسهم إعجاب الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين بالعمل في انتشار شهرة ميسترال خارج حدود منطقته

يبدو الشاعر الفرنسي فردريك ميسترال (1830-1914) في زمننا هذا منسياً. وهذا على رغم أنه كان واحداً من أوائل الفائزين الفرنسيين بجائزة نوبل الأدبية، مع أن ذلك الفوز كان موضع غضب كثر من "التوحيديين" الفرنسيين بسبب نشاطات ميسترال اللغوية البروفنسالية التي كانت تسعى، في رأيهم، إلى فصل أقسام من الجنوب الفرنسي عن الوطن الأم، من طريق إبراز خصوصيات لغوية وغير لغوية، ما أثار حنق مناوئيه وجعل جائزة نوبل تبدو، إذ أعطيت له في موقف يساند انفصالاً ما في فرنسا.

صحيح أنه هو نفسه قد أوضح الأمور في ذلك الحين منكراً أنه يفكر في أي تقسيم لفرنسا أو انشقاق عنها، لكن كثراً من الفرنسيين ظلوا ينتقدونه و"نوبل" التي أعطيت له، حتى في أوساط الذين أحبوا شعره وعلاقته مع الطبيعة والتاريخ اللذين يعبر عنهما ذلك الشعر، ولا سيما قصيدتاه الكبيرتان "ميريو"، وبخاصة "كالندال" التي سنتحدث عنها هنا بعد سطور.

لكن لا بد من الإشارة أولاً إلى أن ميسترال قد كرس حياته لإحياء اللغة البروفنسالية، وهي أحد الصور الأدبية للغة الأوكسيتانية، التي كانت تتراجع أمام هيمنة الفرنسية في التعليم والإدارة والحياة الثقافية.

ومهما يكن من أمر، لم يكن ميسترال شاعراً فحسب، بل كان صاحب مشروع ثقافي متكامل، رأى أن الدفاع عن لغة المنطقة هو دفاع عن ذاكرتها وتقاليدها وهويتها. وهو عام 1854، شارك في تأسيس حركة "الفليبرج" (Félibrige)، التي سعت إلى إعادة الاعتبار للأدب البروفنسالي، واستعادة مكانته بوصفه لغة قادرة على التعبير عن التجارب الإنسانية الكبرى.

ملاحم حب للطبيعة واللغة

 كان أبرز أعمال ميسترال، كما نوهنا أعلاه، قصيدته الملحمية "ميريو" (Mirèio)، التي نشرها عام 1859. وتروي حكاية حب مأسوية في البيئة الريفية البروفنسالية، مستحضرة طبيعة الجنوب الفرنسي وعاداته ومعتقداته. وقد أسهم إعجاب الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين بالعمل في انتشار شهرة ميسترال خارج حدود منطقته.

ولكن من أعمال ميسترال المهمة أيضاً قصيدته الملحمية "كالندال" (Calendal)، فضلاً عن معجمه الضخم للغة البروفنسالية، الذي جمع فيه مفرداتها وتنوعاًتها اللغوية، مؤكداً أن مشروعه لم يكن شعرياً فحسب، بل لغوياً وتاريخياً أيضاً. وفي عام 1904، نال ميسترال جائزة نوبل للآداب، حيث بدا تكريمه اعترافاً بقيمة شعره وأصالته، وبجهوده في صون التراث اللغوي والثقافي لمنطقته.

ولا بد من القول إن أهمية ميسترال تكمن في أنه جعل من المحلية طريقاً إلى العالمية، فلم ير في القرية والحقول والأغاني الشعبية عالماً ضيقاً، بل مادة أدبية قادرة على التعبير عن الحب والمصير الإنساني وجمال الطبيعة. وهكذا أصبح واحداً من أبرز رموز النهضة الثقافية الإقليمية في أوروبا خلال القرن الـ19. مما يعيدنا إلى ملحمته البديعة "كالندال" التي نشرت للمرة الأولى في عام 1866، وكانت من أبرز أعمال ميسترال التي ذكرتها لجنة نوبل عند منحه جائزتها الأدبية الكبرى في ذلك العام الباكر من القرن الـ20.

والقصيدة عبارة عن ملحمة يختلط فيها التاريخ بحسابات الحب والصراع السياسي بالوصول إلى الحدود القصوى في التفاعل مع الطبيعة والتمازج بين العناصر وآيات البطولة، وذلك بالتحديد على طريقة التروبادور، وبخاصة تلك التي يقوم فيها البطل برواية حكايته.

حكاية بطولة ومعاناة

والحكاية هنا هي حكاية كالندال نفسه (كالنداو في اللغة البروفنسالية) الذي أعار الملحمة اسمه عنواناً لها، من ثم يتولى هو إخبارنا بما حدث له وهو الصياد المتجول عادةً في الغابات وفي الوديان والهضاب وبحار المناطق الجنوبية الفرنسية، وتعد عادة من أجمل المناطق الفرنسية وأكثرها احتفاءً بالنور والحياة.

وما يرويه لنا البطل هنا هو حكايته، بخاصة مع حبيبته الحسناء إستيريل التي كان أول لقاء بينهما حين لمحها في منطقة نائية من جبال تسمى العربية "جيبال" كأثر من آثار الوجود العربي القديم في تلك المنطقة من العالم.

لقد وقع كالندال كما يروي لنا بنفسه، إذا، في هوى إستيريل التي تحكي له حكايتها، وهي ذات الجمال الساحر إلى درجة أن أهل المنطقة يعتقدونها جنيَّة من السحرة. وما ترويه إستيريل يتعلق بعزلتها في ذلك المكان من العالم وهي في الأصل بارونة تعد الوريثة الأخيرة لأسرة نبيلة هي أسرة إيغلون المعروفة في مدينة "بو" البروفنسالية، التي كانت في الماضي تجسد القوة والمجد في تلك المدينة، لكن الكونت الشرير والغازي سيفران تمكن من السيطرة على المدينة كما على قصر أسرة إيغلون المنيف، وتمكن من أن يفرض خطبته لإستيريل، إذ فتنته جرأتها وجمالها. في البداية قبلت الفتاة بالخطبة، لكنها اكتشفت يوم العرس أن سيفران ليس في حقيقته سوى زعيم عصابة من اللصوص، يحمل تاريخه عدداً كبيراً من الجرائم. فما كان منها إلا أن هربت إلى تلك الجبال النائية، حيث تعيش الآن في تضافر حميم مع الحيوانات الضارية التي تحميها وتبجلها بوصفها ملكة المنطقة دون منازع.

وهكذا، إذ تروي إستيريل حكايتها لكالندال يحكي لها هو حكايته بدوره. وهو إذ يغرم بها يرضى أن يستجيب لشروطها ويكرس حياته لنيل رضاها وجعل نفسه جديراً بها.

الانتصار الحقيقي

وهكذا، من مغامرة إلى أخرى تتوالى القصائد الملحمية التي يروي كالندال لنا فيها مغامراته التي على رغم نجاحه فيها، تبقى إستيريل متمنعة عليه راغبة منه بمزيد مؤكدة له أن الثروات لا تثير اهتمامها ولا الانتصارات الجزئية، ولا حتى ركوب الأخطار، محدثة إياه عن إنجازات شعراء التروبادور التي تختلط فيها البطولات بآيات الغرام والتعانق مع الطبيعة وعناصرها، حاثَّةً إياه على سلوك تلك الدروب حتى يضحى جديراً بها.

وهكذا، يجد بطلنا نفسه مجبراً على التحرك بطريقة مختلفة تتجاوز كل جهوده السابقة. وتكون بداية التجاوز مأثرة يقوم بها عبر التحالف مع شتى زعامات المنطقة التي كانت تمزقها صراعات داخلية تهدف إلى السيطرة على مدينة مرسيليا سيطرة ترمز إلى التوصل أخيرا لتكوين وطن بروفنسالي واحد. وبالفعل يتمكن كالندال في نهاية الأمر من توحيد القوى وتحرير البروفنسال بأسره من هيمنة عصابات ماركو ماو التي تعيث فيه فساداً واستعماراً. وهو إذ يفعل ذلك يستقبله شعب البروفنسال استقبال البطل الموحد. فيشعر أخيراً أنه بات على وشك الحصول على قبول إستيريل به زوجاً وحبيباً، لكنه يكتشف هنا أن ثمة عقبة أخيرة تبقى تترصده: سيفران المحتل قصر آل إيغلون، والراصد إستيريل بدورها.

وإذ تنفتح أمام كالندال معركة جديدة، يجد نفسه وقد وقع في فخ ينصبه له المجرم الخطر، لكنه يتمكن من الهرب وصولاً إلى "الجبال"، حيث ينضم إلى إستيريل وقد أدركا أن عليهما توحيد جهودهما لخوض تلك المعركة الأخيرة. وهما بالفعل يخوضانهما ضد سيفران وقواته التي شنت عليهما هجوماً ضخماً، وكانت أحرقت الغابة أملاً في إحراق العاشقين المقاومين، لكنها بادت في الحريق مع قائدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكاية الحب حكاية الوطن

ينظر الفرنسيون، ولا سيما البرفنساليون منهم، إلى هذه الملحمة نظرتهم إلى نص رمزي يتحدث من خلال إستيريل عن الوطن السليب الذي يتعين استعادته وتوحيده. وهم في الوقت ذاته ينظرون بالتالي إلى كالندال بوصفه رمزاً للروح البروفنسالية البطولية المرتبطة في ذاكرتهم الجماعية بالماضي المجيد لتلك المنطقة من العالم. وهو الماضي الذي تجسده الأميرة الحسناء التي لا يعني الارتباط بها أقل من الارتباط بفكرة استقلال ما، ينبغي أن تعيشه منطقة البروفنسال كوطن يقوم على الإحساس بالطبيعة والحب والجمال ضمن عالم شعري ساحر كان ذا معنى ووجود بالنسبة إليهم في غابرات الأزمنة ويكاد يتجلى في مجمل متن الشعر التروبادوري الذي يشكل الأساس الذي بنى عليه فردريك ميسترال قصيدته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة