Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعويذة التشيلية ميسترال الشعرية لـ"اليأس" و"الحنان"

شعر أمومة وطفولة وشغف جعل مبدعته أول فائزة بـ"نوبل" من أميركا اللاتينية

غابرييلا ميسترال (1889-1957) (ويكيميديا)

ملخص

تتميز قصائد الشاعرة التشيلية غابريلا ميسترال بمزيج من العاطفة المكثفة والتأمل الروحي واللغة التي تستلهم التقاليد الدينية والشعبية. ويحتل موضوع الأمومة مكانة أساسية في عالمها الشعري، لكنه لا يقتصر على التجربة الشخصية، إذ يتحول إلى تعبير عن الحنان الإنساني، والرغبة في حماية الضعفاء، ومواجهة قسوة العالم.

تحتل الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال (1889ـ1957) مكانة متميزة في تاريخ الشعر المكتوب بالإسبانية، ليس في أميركا اللاتينية وحدها، بل في الأدب العالمي أيضاً.

ولدت باسم لوسيلا غودوي ألكاياغا في بلدة فيكونيا شمال تشيلي لتتخذ لاحقاً وحين شرعت في كتابة الشعر، اسمها الأدبي الذي جمعت فيه، على الأرجح، صدى اسمين أدبيين ارتبطت بهما: الإيطالي غابرييلي دانونزيو والفرنسي فردريك ميسترال.

بصورة عامة، يمكن القول إن ميسترال لم تأتِ من الأوساط الثقافية الكبرى، في بلدها، بل من بيئة ريفية تركت آثارها العميقة في شعرها، سواء في صور الطبيعة والجبال والوديان، أو في اهتمامها بالفقراء والأطفال والمهمشين. وقد عملت في التعليم، قبل أن تتسع شهرتها وتتولى مهام ثقافية ودبلوماسية في عدد من البلدان، لتصبح صوتاً بارزاً من أصوات الثقافة التشيلية.

بين الأمومة والحنان

تتميز قصائد غابريلا ميسترال بمزيج من العاطفة المكثفة والتأمل الروحي واللغة التي تستلهم التقاليد الدينية والشعبية. ويحتل موضوع الأمومة مكانة أساسية في عالمها الشعري، لكنه لا يقتصر على التجربة الشخصية، إذ يتحول إلى تعبير عن الحنان الإنساني، والرغبة في حماية الضعفاء، ومواجهة قسوة العالم. كذلك يحضر الحب والفقد والموت حضوراً متكرراً، في شعر لا يفصل الألم الفردي عن التجربة الإنسانية العامة.

ومن أبرز مجموعاتها الشعرية "اليأس" (Desolación) الصادرة عام 1922، و"الحنان" (Ternura) عام 1924، و"قطع الأشجار" (Tala) عام 1938. وتكشف هذه الأعمال عن تطور تجربتها من الاعتراف العاطفي الحميم إلى رؤية أكثر اتساعاً تشمل الطفولة والطبيعة والمصير.

الشعر بين اليأس والحنان

بصورة عامة، يصعب الاقتراب من شعر غابرييلا ميسترال من دون التوقف عند تلك المفارقة التي تمنح عالمها الشعري فرادته: كيف يمكن للألم أن يكون منبعاً للحنان، وكيف يستطيع اليأس، بدلاً من أن يقود إلى القسوة أو الانكفاء، أن يفتح القلب على معاناة الآخرين؟ والحقيقة ان ليس من الصعب جداً العثور على إجابات ولو مختصرة على مثل هذه الأسئلة، بصورة خاصة في الديوانين الأكثر شهرة اللذين أصدرتهما الشاعرة خلال النصف الأول من عشرينيات القرن الـ20، أي عند بدايات ظهورها في عالم الحياة الشعرية في بعدها الشعري، وهما كما ذكرنا قبل سطور "اليأس" و"الحنان" اللذان تبدو فيهما الشاعرة الشابة آنذاك، وكأنها تطرح المعضلة والحل تباعاً، مما جعل النقاد يعدون المجموعتين متكاملتين، وتنبئان بالهموم المقبلة التي ستشغل شعر تلك المبدعة لتقوداها بعد ذلك بأكثر من عقدين من السنين لتكون أول كاتبة من القارة اللاتينية، في تاريخ جائزة نوبل الأدبية تفوز بهذه الجائزة.

ولقد رأى النقاد منذ ذلك الوقت الباكر كيف أن "في شعر ميسترال، لا يبدو الحنان نقيضاً لليأس، بل كأنه الوجه الآخر له، أو الاستجابة الإنسانية التي يحاول بها الإنسان أن يحتمل قسوة الوجود". ولقد حرص النقد منذ ذلك الوقت على أن يذكر بأن الشاعرة قد ولدت عام 1889، وعاشت حياة لم تخلُ من الحرمان والفقد، "فوجدت في الكتابة الشعرية وسيلة للتعبير عن جراحها العاطفية وأسئلتها الروحية". وقد تجلى ذلك بوضوح في ديوانها الأول "اليأس" الصادر عام 1922، الذي يكشف عن "صوت شعري مشبع بالوحدة والأسى، لكنه لا يستسلم لهما استسلاماً كاملاً". فالحب في هذا العالم، كما يبدو من خلال شعر ميسترال "ليس وعداً بالسعادة بقدر ما هو تجربة تكشف هشاشة الإنسان، وتضعه في مواجهة الغياب والموت واستحالة استعادة ما ضاع".

اليأس رؤية للوجود

لكن النقد رأى أيضاً أن اليأس عند ميسترال "ليس انفعالاً عاطفياً محضاً، بل يتحول إلى رؤية للوجود، حيث يبدو الإنسان كائناً محكوماً بالفقد، يبحث عن عزاء لا يضمن له العالم العثور عليه".

وفي هذا السياق أكد معظم النقاد على أن الشاعرة، وتحديداً "في قصائدها عن الموت والحب المستحيل، تحرص على أن تتخذ اللغة نبرة اعترافية حادة، تتداخل فيها الرغبة في الاحتفاظ بالمحبوب مع الوعي باستحالة ذلك". ولا يعود الحزن مجرد موضوع شعري، "بل يصبح قوة تشكل الإيقاع والصورة ونبرة الخطاب، حتى تبدو القصيدة أحياناً أقرب إلى صلاة تنطلق من قلب مجروح".

غير أن هذا العالم القاتم - ودائماً بحسب ما يقول لنا النقد الباكر لشعر ميسترال - إنما يجد امتداده المختلف في ديوانها التالي "الحنان" الصادر عام 1924، إذ هنا تنتقل الشاعرة إلى الطفولة والأمومة وأغاني المهد، من دون أن تتخلى عن عمقها الوجداني. "فالحنان ليس زينة عاطفية، ولا صورة مثالية لعالم بريء، وإنما هو محاولة لحماية الهشاشة الإنسانية من العنف والوحدة".

والحال، أن هذه المحاولة تكتسب دلالة خاصة حين نتذكر أن ميسترال، التي عملت في التعليم، وجهت جانباً مهماً من كتابتها إلى الأطفال، وجعلت من الشعر وسيلة للرعاية والتربية، من دون أن تتنازل عن قيمته الفنية.

علاقة تكاملية

ومن هنا تنشأ، وأيضاً في رأي النقاد الباكرين، تلك "العلاقة العميقة بين الديوانين: ففي "اليأس" نسمع صوت الإنسان الذي يتألم لأنه فقد، وفي "الحنان" نسمع صوت الإنسان الذي يحاول أن يمنع الآخرين من الوقوع في العزلة نفسها. كأن الشاعرة تستخلص من تجربتها الشخصية مسؤولية أخلاقية تجاه العالم، "فمن عرف الألم يصبح أكثر قدرة على إدراك ألم سواه، شرط ألا يتحول جرحه إلى مصدر للمرارة وحدها".

ولعل هذه القدرة على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس إنساني شامل، هي ما يفسر المكانة التي احتلتها ميسترال في الشعر الحديث، وصولاً إلى نيلها جائزة نوبل للآداب عام 1945 كما أشرنا. فهي لا تقدم الحنان بوصفه انتصاراً نهائياً على اليأس، بل بوصفه مقاومة يومية له، مقاومة لا تمحو الموت أو الفقد، لكنها تمنح الحياة معنى يستحق الدفاع عنه. وهكذا، فإن اليأس والحنان ليسا عالمين متعارضين في شعر غابرييلا ميسترال، بل قطبان تتشكل بينهما رؤيتها الشعرية: "ألم يكشف هذا الشعر، في نهاية المطاف وفي تكامل الرؤى، هشاشة الإنسان الغارق في يأسه، وحنانا يحاول صون هذه الهشاشة؟".

من الواضح إزاء هذا كله أن في المسافة بين اليأس والحنان، تتولد قصيدة غابرييلا ميسترال، حيث يصبح الشعر، في نهاية المطاف، طريقة لمواجهة العزلة، وإعادة اكتشاف ما تبقى في الإنسان من قدرة على الحب والرحمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نوبل وتكريم الشعر

ولعل هذا البعد المزدوج المتكامل في شعر غابرييلا ميسترال هو الذي حتم عدَّ محكمي نوبل شعرها صورة عن التفكير الإنساني الجماعي لشعوب أميركا اللاتينية. فكان أن منحت جائزة نوبل للآداب، لتصبح أول كاتب من أميركا اللاتينية ينالها كما أسلفنا.

لقد كرمت الجائزة شعراً جعل من العاطفة الفردية وسيلة لاستكشاف أسئلة الوجود والرحمة والعدالة. ويرى النقاد على أية حال، أن أهمية ميسترال لا تكمن في كونها شاعرة تشيلية كبيرة فحسب، بل "في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية، بما فيها من حزن وحنين، إلى لغة إنسانية تتجاوز الحدود القومية والثقافية". ومن هنا بقي شعرها حاضراً بوصفه دفاعاً عن الإنسان في هشاشته، وعن الكلمة الشعرية حين تصبح صورة من صور التضامن مع الحياة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة