Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رؤى الشاعر الفرنسي روبير ديسنوس تخرج من سباتها

كتاب يجمع للمرة الأولى إشراقاته التي تجلت في نومه اليقظ

الشاعر الفرنسي روبير ديسنوس مستسلما للنوم المغناطيسي بعدسة مان راي (متحف المصور مان راي)

جميعنا يدرك أن السورياليين كانوا هواة اختبارات تتلاعب بحدود المعرفة والشعور. هوى يفسّر اهتمامهم المبكر بالتنويم المغناطيسي كوسيلة لتحرير سيرورة الإبداع من سيطرة العقل والمنطق، وانطلاقهم عام 1922 في تنظيم جلسات "الأحلام اليَقِظة" الشهيرة في منزل أندريه بروتون التي سعوا من خلالها إلى إثارة خيالاتهم بأدوات الرغبات المكبوتة والذكريات الكامنة في اللاوعي. ومن بين الذين شاركوا في هذه الجلسات، كان الشاعر روبير ديسنوس (1900 ــ 1945) الأكثر إشراقاً، باعتراف بروتون الذي كتب في "البيان السوريالي الأول" (1924): "ديسنوس هو أكثر شخص اقترب من الحقيقة السوريالية".

وفعلاً، في تلك الليالي المغناطيسية، كان هذا الشاعر يستسلم بسهولة للنوم ويجيب من داخل نعاسه عن أسئلة أصدقائه. وحين كانوا يضعون قلماً في يده، كان يكتب ويرسم أشياء "تفوق الإدراك"، وفقاً لبروتون الذي احتفظ حتى وفاته بالأوراق التي تحمل ثمار نوم صديقه اليقِظ. أوراق كانت تنام منذ سنوات طويلة في علبة داخل مكتبة "جاك دوسيه" الخاصة، وبات بإمكاننا اليوم الاطّلاع عليها إثر قيام الشاعر كريستوف لانغلوا بجمعها في كتاب صدر حديثاً عن دار "غاليمار". أوراق لا تكمن قيمتها فقط في منحنا كمّاً من الشهادات على إشراقات صاحبها المذهلة، بل أيضاً في تشكيلها خير مقفز للغوص في ذاكرة السوريالية.

أعماق اللاوعي

صحيح أن جزءاً من هذه النصوص والرسوم صدر في العدد السادس من مجلة "أدب" (1922)، وأن ديسنوس أصدر أيضاً مختارات منها في ديوان "جسد وممتلكات" عام 1930. لكن كتابه الجديد يمنحنا للمرة الأولى فرصة اكتشاف جميع الرؤى التي انبثقت من لاوعيه آنذاك، ومن خلالها، تكوين فكرة دقيقة عن مناخ تلك الملحمة الجماعية الكاشفة التي تشكّل الفعل المؤسس للثورة السوريالية.

يجسّد ديسنوس من دون مبالغة، عصر السوريالية الذهبي (1922 ــ 1930) لكونه استطاع أن يكون، في الوقت نفسه، أنموذجاً أصلياً للشاعر المعجزة، ومحرّضاً نارياً، وعاشقاً متيّماً، وذلك الذي أملى أثناء نومه قصائد كاملة فتحت أبواب عالمٍ خارق بلغتها الفتية التي أعيد فيها ابتكار كل شيء، ليس فقط الكلمات، بل أيضاً الإيقاعات والصور. قصائد يرتفع صوت الشاعر فيها على شكل نشيد "يتغذّى من صرير وبرق، وتشحنه غنائية تجد أصداءها في ظلمات ليلٍ مشمس، في عمق أحلامنا".

في الحوارات التي أجريت معه عام 1952، وعاد فيها إلى تلك الحقبة المجيدة من حركته، أكّد بروتون: "في أجواء جلسات التنويم المغناطيسي والوسائل الفريدة التي وفّرتها لنا آنذاك، ذلك الذي وجد نفسه أكثر من أي واحد فينا، وترك بصمة دامغة على هذا النشاط، هو ديسنوس. (...) لم يندفع أحد مثله على جميع دروب الخارق. كل الذين حضروا غوصه اليومي في ما كان في الحقيقة المجهول بذاته، انجرفوا داخل نوع من الدوار وتعلّقوا بحبال ما كان بإمكانه أن يقوله، وما كان قادراً على خطّه بشكلٍ محموم وخاطف على ورقة".

من هنا الافتتان الذي نختبره لدى قراءة الكلمات القليلة التي تحضر على كل واحدة من هذه الأوراق، ثم لدى رؤيتنا الطريقة التي تنخرط هذه الكلمات فيها داخل الرسوم. فـ "في "أخدود الحلم هذا، تخرج قوى النفس المدهشة من خمودها"، يقول الشاعر لانغلوا في مقدّمته لهذه الأوراق. ولا عجب في ذلك، فمنذ البداية فرض ديسنوس نفسه داخل مجموعة بروتون بقدراته التعبيرية الاستثنائية التي كانت تثمر فيضاً لا ينضب من الكلام، تستدعي الكلمات داخله بعضها بعضاً، وفقاً لتجانسها الصوتي، وأيضاً بحماسته في الانغماس في مختلف الاختبارات، و"بإتقانه اللغة السوريالية بيُسرٍ فريد"، على قول بروتون.

النوم اليقظ

وفي الواقع، لم يكن ديسنوس قادراً فقط على التفاعل مع المحيطين به وخطّ  قصائد  ورسوم أثناء نومه اليقظ، بل أيضاً على بلوغ حرية الفكرالأولى التي تركن في حالة النعاس هذه. كان أيضاً ذلك الذي ذهب أبعد ما يكون في عشق العفوي والخارق. ولذلك، لم يبالغ بروتون حين كتب عنه في مجلة "أدب" عام 1924: "السوريالية نظام اليوم، وديسنوس نبيّها". فهو وحده كان يملك مهارات النوم الضرورية، كما برهن عن ذلك لجميع رفاقه أثناء جلسات التنويم المغناطيسي التي امتدت على مدى ثلاثة أشهر، ضمن شروط أكثر فأكثر مقلِقة، نظراً إلى تفاقم صعوبة إخراجه من حالة الوسيط الذي باته.

في الجلسات الأولى، نطق ديسنوس بتوريات باهرة، مخضعاً الكلمات إلى تقطيع يقتلعها من واقعها المادي، وأسقط على أوراقه خطوطاً محررة من أي نية تعبيرية، تتبع اندفاعها وتدور على نفسها، مجسّدة أشكالاً شبه طفولية، قبل أن تتمدد وتتحوّل إلى تشكيلات معقّدة ومشاهد. وفي بضع جلسات، تطورت هذه الخطوط لتصبح كائنات، ثم عوالم، مثبتةً موهبة صاحبها في ابتكار أشكال جديدة، بهرت سرعة تنفيذها كل الحاضرين في منزل بروتون، ومن بينهم زوجة هذا الأخير التي أسرّت للكاتبة دونيز ليفي في شأنها: "كنا نرتجف امتناناً وخوفاً". أما بالنسبة إلى بروتون، فكانت هذه الاختبارات حاسمة إلى درجة أنه نشر في روايته الوحيدة "نادجا" (1924) صورة لديسنوس نائماً، وعلّق عليها قائلاً: "مَن لم ير قلمه يُسقِط على الورقة، من دون أدنى تردد، وبسرعة خاطفة، تلك المعادلات الشعرية، لا يمكنه أن يشكّل فكرة عما كان ينطوي عليه هذا الفعل، وعن قيمته الرؤيوية المطلقة".

قمة الإستبصار

وفعلاً، في تلك الحقبة التي أدمتها حربٌ عالمية وطبعتها ثقافة فقدت مصداقيتها بموافقتها على هذه المذبحة، كانوا قليلين جداً أولئك الذين حاولوا، في كنف رائد السوريالية ومعه، الصعود إلى قمة الاستبصار وتحرير أنفسهم من الأشكال التي كان يفرضها الأدب آنذاك، ومن التاريخ الذي أخضعهم لعنفه، من أجل الالتزام بما دعا إليه رامبو قبل خمسة عقود، أي "بلبلة جميع الحواس"، وبنتائجه. أما لماذا كان ديسنوس الألمع من بينهم في الهبوط إلى أعماق اللاوعي وبلوغ تلك النقطة التي تتلاشى فيها الذات ويتفتت العقل، فلاستسلامه كلياً لحالة الانخطاف الناتجة من تنويمه. حالة ما لبث أن أدمن عليها وبات مستحيلاً احتواء فيضها الحلمي داخل الحدود الزمنية لتلك الجلسات، ما دفع بروتون إلى وضع حد لهذه الاختبارات مطلع 1923، وإلى بذل كل طاقته من أجل إقناع ديسنوس بصواب قراره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبقى أن نشير إلى أن لانغلوا، بجمعه ثمار هذه الاختبارات داخل كتاب ، راهن على فرضية أنها ستأخذ، في تجاورها، معنى جديداً. رهان ناجح في نظرنا لأن حضورها، الواحدة تلو الأخرى، داخل صفحات هذا الكتاب، وبشكلها الأولي، يُظهِر انسجاماً مبلبلاً في ما بينها، إلى جانب سماحه بتذوّق إشراقاتها الشعرية والرسومية التي لم تكشف بعد عن كل أسرارها ودلالاتها.

إشراقات تعكس بطاقتها الجارفة، رغبة في اختبار انصهار كلي بتيار الحياة، وتظهر ببُعدها الرؤيوي قدرة على استباق المنية وتحديد ظروفها، كما في ذلك الرسم الذي تتوسّطه الجملة التالية: "هنا يرقد روبير ديسنوس". ونرى فيه سكة حديد تستحضر بانتهائها عند أبواب مبنى مغلق تلك التي كانت تسلكها القطارات إلى معسكرات الاعتقال النازية. رسم تنبّأ ديسنوس فيه بموته في معسكر تيريزين، قبل 23 عاماً على حدوثه، ودفع لانغلوا في خاتمة مقدمته إلى التساؤل: "هل نحن الذين ننتج موتنا بإعطائه الشكل الذي يجب أن يتّخذه لنا وحدنا؟ أم أنه هو الذي يبيت سرّاً في قاع لاوعينا، طوال حياتنا، ولا يكشف عن نفسه إلا أثناء الحلم؟".

المزيد من ثقافة