ملخص
تتضمن إحدى إفادات الضحايا، "إيقاف المساعدات عن نساء رفضن الخضوع لمطالب المشرفين الجنسية، ليصبحن وأطفالهن في مواجهة الجوع والعوز، بعدما فقدن المعيل الوحيد للأسرة".
لا تكتفي الجماعة الحوثية بخوض حروبها العسكرية الواسعة ضد اليمنيين والتضحية بالآلاف من الرجال والفتيان في سبيل مشروعها المدعوم من إيران، بل امتدت إلى الجوانب الاجتماعية بانتهاج سلوكيات غير مسبوقة تتعلق بأرامل وأطفال قتلاها الذين بلغوا أعداداً كبيرة منذ التصعيد الأخير منتصف أغسطس (آب) الماضي.
وكشفت الناشطة الحقوقية، رئيس مؤسسة تمكين المرأة اليمنية، زعفران زايد، عما وصفته بـ"المأساة الإنسانية المروعة" التي تعيشها مئات العائلات التي فقدت أبناءها ورجالها في صفوف الميليشيات، بعدما "وجد النساء والفتيات والأطفال أنفسهم أمام منظومة من الاستغلال والابتزاز والقهر".
وتوضح زايد خلال حديثها لـ"اندبندنت عربية" أن الجماعة الحوثية "تبدأ بالدفع بالرجال إلى جبهات القتال، ولا ينتهي الدور بمقتلهم، بل تمتد إلى أراملهم وأطفالهم وبناتهم، في دائرة متوارثة من الفقر والتجنيد والاستغلال".
وكشفت عن جهاز يدير هذه العملية يحمل مسمى "بيت العطاء" يستخدم أنماطاً خطرة من الانتهاكات التي تستهدف عائلات القتلى في صفوف الميليشيات، تشمل الابتزاز بالمساعدات الغذائية، والتحرش بالأرامل، والضغط لتزويج النساء والفتيات بمقاتلي الجماعة، إلى جانب استدراج أبناء القتلى إلى معسكرات التعبئة والتجنيد.
من الموت إلى استغلال الأسر
الحقوقية زايد تطرقت إلى أنماط عدة في سلوك الجماعة "لاستغلال عائلات الضحايا" من خلال برنامج "بيت العطاء" الذي يهدف إلى "الاحتفاء بالأسر التي فقدت ثلاثة أو أربعة من أبنائها في جبهات القتال، وتقدم هذه الخسائر البشرية باعتبارها نموذجاً للتضحية"، بينما تكشف نتائج الرصد الحقوقي للمؤسسة عن "الوجه الآخر لهذه الدعاية، حين تتحول العائلات المنكوبة إلى بيئة مفتوحة للاستغلال، وتصبح أرامل القتلى وأطفالهم الحلقة الأضعف في منظومة تتحكم فيها قيادات الميليشيات ومشرفوها".
وتؤكد أن هذا الاستغلال لا يتوقف عند حدود الفقر وفقدان المعيل "بل يمتد إلى التدخل في الحياة الخاصة للنساء، والضغط عليهن للزواج المتكرر من مقاتلين، ثم إعادة تزويجهن بعد مقتل أزواجهن في الجبهات، في ممارسات تسلب المرأة حقها في اختيار شريك حياتها وتحولها إلى ضحية مستمرة للحرب".
زواج متكرر أو ابتزاز جنسي
ووثقت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية حالات لنساء تعرضن لضغوط للزواج من أكثر من مقاتل في صفوف الميليشيات، إذ يدفع الزوج إلى الجبهة، وبعد مقتله تبدأ ضغوط جديدة لتزويج أرملته بمقاتل آخر.
وفقاً لشهادات ضحايا تستعرضها الناشطة الحقوقية زايد تضمنت "طلب الزواج من عناصر حوثية دون مراعاة فترة العدة الشرعية، في أوساط عائلات تتبنى تفسيرات عقائدية خاصة تزعم أن وجود الزوج في جبهات القتال يغني عن اشتراطات العدة بعد وفاته"، وأثارت هذه الممارسات، وفقاً للإفادات، "صدمة اجتماعية واسعة في محيط بعض الأسر، لما تمثله من مخالفة للأحكام الشرعية المعروفة والأعراف الاجتماعية السائدة في المجتمع اليمني".
وتكشف بلاغات أخرى وصلت إلى المؤسسة عن تعرض أرامل قتلى "للتحرش ومساومات من مشرفين مسؤولين عن توزيع مساعدات محدودة، لا تتجاوز في بعض الحالات سلة غذائية".
تتضمن إحدى إفادات الضحايا "إيقاف المساعدات عن نساء رفضن الخضوع لمطالب المشرفين الجنسية، ليصبحن وأطفالهن في مواجهة الجوع والعوز، بعدما فقدن المعيل الوحيد للأسرة".
تقول الحقوقية زايد إن تحويل الغذاء إلى وسيلة للابتزاز الجنسي يمثل أحد أبشع أشكال استغلال النساء في ظروف الحرب، ويكشف عن المستوى الذي بلغته حاجات الأسر المنكوبة كأداة للسيطرة والإخضاع بدلاً من أن تكون محل حماية ورعاية.
استضعاف اليتيمات
وفي إفادة أخرى لأسرة يمنية تتحفظ عن كشف محافظتها أو أي تفاصيل قد تقود إلى تحديد هوية ضحاياها، تتعلق بفتيات يتيمات فقدن شقيقهن الوحيد بعد تجنيده ومقتله في صفوف الميليشيات الحوثية.
وتؤكد الشهادة تعرض الأسرة للابتزاز والضغوط المستمرة، ومحاولات إخضاع الفتيات، وصولاً إلى التعذيب والسجن والعنف المسلح.
ووفقاً للبلاغ، تعرضت إحدى الفتيات للسجن لمدة ثلاثة أعوام، بينما أطلق النار على أخرى خلال محاولة للهرب.
وتواصل الأسرة، بحسب الإفادة، محاولاتها للنجاة عبر تغيير مكان سكنها، غير أنها تواجه ملاحقة متكررة، وتربط الشهادة صعوبة الاختفاء بإجراءات رقابية تفرضها الميليشيات الحوثية عبر عقال الحارات والأحياء، وإلزامهم بمتابعة بيانات السكان والمستأجرين والعائلات الوافدة إلى الأحياء السكنية.
وتحتفظ مؤسسة تمكين المرأة اليمنية بتفاصيل هذا البلاغ، وتؤكد استعدادها لتقديمها إلى جهة قضائية أو آلية تحقيق مستقلة تتوافر لديها ضمانات فعلية لحماية الضحايا وأسرهن ومنع تعرضهن للانتقام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وللتعليق على ما تضمنته هذه الإفادات، تواصلت "اندبندنت عربية" مع القيادي في جماعة الحوثي، حميد عاصم، الذي نفى صحة هذه التهم، ووصفها بـ"الموضوع التافه الذي لا يستحق النقاش بخاصة ونحن من يحافظ على القيم والمبادئ والأخلاق"، من دون مزيد من التفاصيل.
250 حالة... والفقر أداة للإكراه
في سياق الرصد، شملت الحالات التي تحققت منها مؤسسة "تمكين" نحو 250 حالة زواج لقاصرات تراوح أعمارهن ما بين 9 و16 سنة داخل أسر فقدت معيليها وتواجه أوضاعاً اقتصادية واجتماعية قاسية، توزعت على محافظات صنعاء وذمار وصعدة وحجة وإب وعمران.
وسجلت صنعاء 78 حالة، وذمار 54 حالة، وصعدة 45 حالة، وحجة 32 حالة، وإب 23 حالة، وعمران 18 حالة.
تؤكد رئيسة "تمكين" أن هذه الحصيلة تكشف عن اتساع الأخطار التي تواجه الفتيات داخل العائلات المنكوبة في ظل استغلال الفقر وغياب الحماية الأسرية والاجتماعية، والضغوط التي يمارسها مشرفون ونافذون لتزويج الفتيات بمن تصفهم الميليشيات بـ"المجاهدين".
ومن ضمن الشهادات التي وصفتها بـ"الصادمة"، إفادة امرأة من محافظة صنعاء، تحتفظ المؤسسة بالأحرف الأولى من هويتها "أ م ع" تحدثت عن مأساة فقدان ابنتيها تحت غطاء الزواج.
وبحسب بلاغها، تعرضت طفلتها الأولى "س" (14 سنة) للاختطاف تحت غطاء الزواج ونقلت إلى محافظة البيضاء، بينما نقلت ابنتها الثانية "ب" (16 سنة) إلى مكان مجهول، من دون السماح للأم بالتواصل معها أو معرفة مصيرها.
هذه الشهادة تكشف عن المستوى الخطر الذي تواجهه الفتيات حين يتحول الزواج إلى غطاء لانتزاعهن من أسرهن، وحرمان الأمهات من حق الاطمئنان على بناتهن، وسط غياب وسائل الحماية والمساءلة.
من المقاتل الأول إلى الرابع
ومن خلال ما تكشفه لنا الحقوقية زايد لا تنحصر القضية في تزويج القاصرات، بل تمتد إلى نساء شابات فقدن أزواجهن الواحد تلو الآخر في جبهات القتال الحوثية.
تتضمن الوقائع "حالات لنساء لم يكملن الـ21 من العمر، ومررن بتجارب زواج متكررة انتهت إحداها، وفق إفادتهن، بالزواج من المقاتل الحوثي الرابع".
أطفال القتلى... الموت بالوراثة
وفي موازاة الظروف التي تواجه النساء والفتيات، تكشف المؤسسة عن أخطار متزايدة تواجه أبناء القتلى الذين تستدرجهم الميليشيات الحوثية عبر جهات وجمعيات تحمل تسميات مرتبطة بـ"رعاية الشهداء"، وتوظف المساعدات والأنشطة التعبوية والخطاب العقائدي لتعميق ارتباط الأطفال بالجبهات وتمجيد القتال والانتقام والعنف، إذ "تبدأ عملية الاستقطاب باستحضار صور الآباء والأشقاء القتلى، وتلقين الأطفال مفاهيم الثأر والانتقام ومواصلة مسيرة القتال، وصولاً إلى تحويل بعضهم إلى مقاتلين جدد يسيرون في الطريق ذاته الذي فقدوا فيه آباءهم وإخوتهم".
إزاء هذا النهج، تحذر المؤسسة الحقوقية من هذه الممارسات التي "لا تستهدف حاضر الأطفال فحسب، بل تصادر مستقبلهم وتعيد إنتاج الحرب داخل الأسرة الواحدة، بحيث يصبح فقدان الأب مدخلاً لتجنيد الابن، ويتحول الحزن إلى أداة تعبئة، والفقر إلى وسيلة استقطاب، والطفولة إلى مورد بشري جديد للحرب".
وأكدت أن الانتهاكات التي يكشفها ملف "بيت العطاء" تستوجب تحقيقات مستقلة وشاملة في مسؤولية قيادات الميليشيات الحوثية ومشرفيها والمتورطين في ابتزاز الأسر، والتحرش بالأرامل، والإكراه على الزواج، والاختطاف، والاحتجاز والتعذيب، وتجنيد الأطفال واستغلال حاجات أسر القتلى.
وتطالب بتوفير حماية عاجلة للنساء والفتيات اللاتي يواجهن هذه الانتهاكات، وإنشاء آليات آمنة وسرية لتلقي الشكاوى وإجلاء المهددات، وضمان تقديم المساعدات الإنسانية بصورة مستقلة عن نفوذ الميليشيات ومشرفيها، وفتح تحقيقات في مصير الفتيات المحتجزات أو المنقولات إلى أماكن مجهولة.
وتدعو الأمم المتحدة والآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى التعامل مع هذه البلاغات على أنها مؤشرات خطرة على أنماط من الانتهاكات التي قد تشكل جرائم جسيمة تستوجب المساءلة، مع إعطاء الأولوية لحماية الضحايا والشهود وعدم تعريضهم لمزيد من الأخطار.
وتشير إلى أن المأساة الحقيقية التي تقف خلف برنامج "بيت العطاء" ليس عدد الرجال الذين فقدتهم الأسرة في جبهات الميليشيات الحوثية فحسب، بل في المصير الذي ينتظر من تبقى منها "أرملة تبتز بلقمة أطفالها، وطفلة تنتزع من أسرتها تحت غطاء الزواج، وشابة تتكرر مأساتها مع كل مقاتل يدفع إلى الموت، وطفل يجري إعداده ليرث بندقية أبيه بدلاً من أن يرث حقه في الحياة".