ملخص
يتناول الدبلوماسي البريطاني السابق السير جون جنكينز خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" مستقبل الصراع مع إيران، ويرى أن هيمنة الحرس الثوري على القرار السياسي والعسكري تعرقل فرص التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، محذراً من أن مطالب طهران في شأن مضيق هرمز والتعويضات وانسحاب القوات الأميركية لا تصلح أساساً للتفاوض، فيما يشدد على أن تدخلاتها الإقليمية عبر جماعات مسلحة تقوض الثقة بأية ضمانات.
للكاتب الأميركي المعروف توماس فريدمان عبارة شهيرة تذيلت مقالته في صحيفة "ذا نيويورك تايمز"، المنشورة في الـ22 من يناير (كانون الثاني) عام 2003 التي كان يدافع فيها عن اتخاذ إجراءات استباقية في العراق، فكتب "إذا كنا تعلمنا شيئاً من أحداث الـ11 من سبتمبر، فهو أنك إذا لم تذهب إلى 'الحي السيئ'، فإن ذلك الحي سيأتي إليك"، من منطلق اعتقاده بأن عدم التعامل مع المناطق غير المستقرة في العالم يتيح لعدم الاستقرار العالمي أن يصل إلى الدول الغربية.
تعود كلمات فريدمان للواجهة مجدداً في ظل مشهد معقد يسود منطقة الشرق الأوسط، فتتوالى الأحداث والتطورات بصورة دراماتيكية وكأن أحدهم فتح "صندوق باندورا". وفي الوقت نفسه، باتت القوة التقليدية التي اعتادت التدخل والقيام بدور أساس في تاريخ صراعات المنطقة، تقف كمشاهد ينتظر النهاية وبعضها يمر عرضياً ثم يتجاهل ما يقع. وفي خضم تلك التوترات التي تهدد استقرار المنطقة، فإن الخطر أصبح يتوسع عالمياً مخيماً بشدة على الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة غلق مضيق هرمز والتهديدات التي تحدق بحركة التجارة العالمية مع سيطرة الحوثيين على باب المندب. وأمام هذا المشهد، قدم الدبلوماسي البريطاني الرفيع السير جون جنكينز الذي تولى مناصب دبلوماسية رفيعة في منطقة الشرق الأوسط خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" رؤية حول الصراعات التي تعج بها المنطقة، وقراءة لمستقبل الجماعات المسلحة التي تهدد استقرار بلدانها.
ناقشنا مع جنكينز الوضع الأمني في المنطقة وما يتعلق بتسوية حرب إيران مع الولايات المتحدة وسلوك النظام الإيراني تجاه دول الجوار، وعندها ضحك الدبلوماسي الرفيع الذي شغل منصب كبير الدبلوماسيين البريطانيين المتخصصين في الشؤون العربية، قائلاً "يُضحكني دائماً عندما أسمع وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) أو رضائي أو غيرهما في طهران يقولون ’نحن لا نتدخل أبداً في شؤون الآخرين‘، بينما هم يتدخلون طوال الوقت! حتى هنا في بريطانيا يتدخلون ويدفعون لأشخاص لشن هجمات على أهداف يهودية وأميركية". وجاء ذلك في معرض حديثه عن الضمانات التي تحتاج إليها دول المنطقة قبل قبول أي ترتيب يبقي على النظام الإيراني أو قدراته العسكرية.
لا ضمانات موثوقة
ويقرّ جنكينز بأنه من الصعب رؤية كيف يمكن تحقيق ذلك، فالضمان الأساس المطلوب هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولكن الإيرانيين جعلوا من التدخل في الدول الأخرى إستراتيجية سياسية لهم، ويقول إن "النظام نفسه يعتقد بدوره المهيمن في المنطقة، ويعتقد بأنه يستطيع إخضاع جماعات في دول أخرى لخدمة مصالحه وبقائه، وهو أحد أسباب وجود ’حزب الله‘، ودور قوات "الحشد الشعبي" في العراق والدور الذي يقوم به الحوثيون بدرجة ما".
وإلى أن يتغير ذلك، يرى جنكينز أن "أحداً لن يصدق الضمانات التي من الممكن أن يقدموها. أما عن الضمانات التي يمكن تقديمها إلى إيران، كأن تنفي أميركا سعيها إلى الإطاحة بالنظام، فنعم، لكن ذلك سيكون مشروطاً بالسلوك الإيراني. وعندما خضنا هذا النوع من المفاوضات سابقاً، كما حدث خلال الاتفاق النووي (الموقع عام 2015)، لم يغير الإيرانيون سلوكهم، وهذه مشكلة كبيرة جداً".
ويناقش الدبلوماسي البريطاني بعداً آخر يتعلق بإسرائيل، فيرى أن "كثراً في المنطقة يقولون إن إسرائيل تشكل تهديدا ًكبيراً علينا مثل إيران. أنا لست من المنطقة ولا أعتقد ذلك حقاً، لكني أعتقد أيضاً بأنه ما لم تُدمج إسرائيل في المنطقة ضمن نظام أمني جديد، فستظل عنصراً مسبباً لعدم الاستقرار بسبب الأفعال التي ترى أنها بحاجة إلى اتخاذها في جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية ومناطق أبعد. ولا أعتقد بأن هذا سيتغير حتى تشعر إسرائيل بأنها مجتمعة في نظام إقليمي مرضٍ"، وعن إمكان تحقيق ذلك يجيب أن "هذا أمر بعيد المنال في المستقبل".
المنطقة ليست مشروعاً عقارياً في نيويورك
بينما يبدي جنكينز إعجابه بفريق الدبلوماسية الأميركية المعني بالتفاوض في الشرق الأوسط، فإنه يلمح إلى الخلفية المهنية لأولئك المبعوثين الأميركيين في عالم الأعمال التي لا تتناسب مع حجم المسائل السياسية المعقدة في المنطقة، ويقول "إذا نظرت إلى الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط حالياً، تجد أن من يديرها هم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وتوم براك في أنقرة الذي يبدو معجباً كثيراً بتركيا. هم أناس أذكياء، فكوشنر مثير للإعجاب للغاية، ولكن لا يمكنك حل هذه المشكلات بالتعامل معها وكأنها مشروع عقاري في نيويورك. هذه قضايا معقدة تتعلق بالكرامة الوطنية والنفوذ الدولي".
ويشير في معرض رده على سؤال عن إستراتيجية واشنطن لإنهاء الصراع مع إيران، إلى غياب الوضوح حول الدور الذي تريد الولايات المتحدة الاستمرار في الاضطلاع به في المنطقة، مضيفاً أن "التاريخ كان معقداً وكثراً استاؤوا مما فعلته أميركا كغزو العراق وأفغانستان...".
ولا يعتقد الدبلوماسي البريطاني السابق بأن لدى الولايات المتحدة إستراتيجية أو خططاً للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط كل على حدة، وحتى في ما يتعلق بـ"غزة و’مجلس السلام‘ وغيرهما، فهذا لن يتحقق في أي إطار زمني منظور. وهذا يرتبط بـحركة ’حماس‘ وإسرائيل". ويوضح أن السلام يتطلب جهداً مستمراً، مستشهداً بجهود وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر عام 1973، "لم يكُن مهتماً بالشرق الأوسط قبل ذلك، وعندما اندلعت حرب أكتوبر (تشرين الأول)، قضى نحو عام يتنقل بين العواصم ويعقد الصفقات. بدأ بصفقة صغيرة لفك التشابك بين إسرائيل ومصر في سيناء، ثم التقى (الرئيس السوري حافظ) الأسد في سوريا، وكان يتحدث مع (الرئيس المصري أنور) السادات و(رئيسة وزراء إسرائيل) غولدا مائير طوال الوقت، مكرساً نفسه بالكامل لهذه القضية. هذا هو الالتزام الحقيقي".
ما يريده الحوثيون غير مقبول
بالحديث عن عودة الصراع في اليمن الذي عصف حتى الآن بأكثر من 250 ألف شخص اضطروا إلى النزوح من مناطقهم نتيجة للعنف، فضلاً عن أزمة متفاقمة على صعيد الغذاء والصحة، يرى جنكينز أن "المفتاح لمعظم هذه الصراعات هو إيران"، ويقول إنه "من الممكن التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين، لكنهم يريدون بوضوح السيطرة على مساحة من اليمن تتيح لهم التوسع خارج مناطق نفوذهم التقليدية في الشمال، والوصول إلى مأرب ومواردها النفطية، فضلاً عن الموانئ، ليس في المخا وحسب، بل في الحديدة والمكلا أيضاً، وهو أمر لا أرى أنه مقبول"، مضيفاً أن إبرام اتفاق مع الحوثيين ستكون له، ضمناً، تبعات تتعلق بالتوصل إلى اتفاق مع إيران أيضاً، متسائلاً عن طبيعة الاتفاق الذي يمكن إبرامه مع طهران.
وفي هذا الصدد، يشير جنكينز إلى محدد آخر لمستقبل الصراع القائم في المنطقة يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية في الـ27 من الشهر الجاري، فيقول "أعتقد بأن هذا سيكون له تأثير أيضاً، لأنه إذا دخلت في فترة من عدم اليقين السياسي في إسرائيل، فمن الصعب جداً تخيل نهاية للصراع الإيراني- الإسرائيلي في أي وقت قريب، والأمر نفسه إذا تشكلت مجدداً حكومة برئاسة نتنياهو". ويصف العلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة بـ"معضلة هندسية معقدة تتداخل فيها أطراف وأبعاد مختلفة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تخيّم على الصراع بين واشنطن وطهران حال من "لا حرب ولا سلم"، فبينما تفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، تتمسك إيران بإغلاق مضيق هرمز، مع إصرارها على فرض رسوم عبور على ناقلات الطاقة، فيما تراوح المفاوضات بين الطرفين مكانها في شأن إنهاء الحرب والتوصل إلى تفاهم حول البرنامج النووي الإيراني، ويرىجنكينز أن المطالب الإيرانية التي تشمل انسحاب القوات الأميركية من المنطقة والحصول على تعويضات كاملة عن أضرار الحرب وفرض السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، تجعل التوصل إلى اتفاق أمراً بالغ الصعوبة، ويقول "هذا بالنسبة إليّ أمر غير مقبول على الإطلاق، ولا يصلح أساساً لبدء التفاوض".
ويضيف أن شركات النفط الأميركية قد لا تعارض بالضرورة دفع ما بين خمسة و10 دولارات إضافية للبرميل، إذا كان ذلك هو ثمن عبور المضيق. لكن المسألة، بحسب جنكينز ، تتجاوز الاعتبارات التجارية، إذ إن السماح لدولة بفرض سيطرتها على مضيق هرمز ستكون له تداعيات تتجاوز منطقة الخليج، وتمتد إلى مضيق ملقا وتايوان وقناة بنما، فضلاً عن المبادئ التي تحكم قانون البحار، ويخلص إلى أنه لا يرى كيف يمكن أن ينجح مثل هذا الترتيب.
ويظل السؤال المحوري، وفق جنكينز، هو متى سيشعر الإيرانيون بأن حجم الأضرار التي لحقت ببلادهم بلغ حداً يدفعهم إلى الدخول في مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة؟ ومتى يمكن بلوغ هذه المرحلة؟ ويقر بأن لا أحد يستطيع معرفة الإجابة، مشدداً على أن أي اتفاق محتمل يجب أن يحقق مصالح إيران والولايات المتحدة ودول الخليج العربية، ولا سيما السعودية.
فشل بريطانيا في مواجهة تهديدات إيران
وأعلنت بريطانيا الأسبوع الماضي نشر طائرات مقاتلة من طراز "تايفون" تابعة لسلاح الجو الملكي في مهام دفاعية مضادة للطائرات للمساعدة في حماية المدن السعودية والبنية التحتية الحيوية من الهجمات الجوية التي يشنها الحوثيون، مما يثير السؤال عما إذا كان القرار تراجعاً عن موقفها السابق خلال حرب إيران بالامتناع عن المشاركة في العمليات العسكرية في المنطقة، ويعيد الجدل حول أولويات لندن إذا فشلت الولايات المتحدة في تسوية دائمة مع إيران، ورداً على هذا يسترجع جنكينز النفوذ السابق الذي تمتعت به المملكة المتحدة نتيجة قدراتها العسكرية، فخلال ثمانينيات القرن الماضي امتلكت بريطانيا قوات بحرية كبيرة في الخليج لتأمين الملاحة ومضيق هرمز.
ويشير جنكينز إلى أن استجابة بريطانيا كانت بطيئة للغاية عندما هاجمت إيران ووكلاؤها دول الخليج، وعلى رغم أن هذا التأخر قد يفسر على أنه عدم اكتراث، فإنه يعزوه إلى "الفوضى السياسية التي شهدتها بريطانيا منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي (بريكست) والتي أعاقت الحكومات المتعاقبة عن التركيز على السياسة الخارجية والشرق الأوسط"، ويقول "إذا أردنا أن نؤخذ على محمل الجد، فعلينا أن نأخذ أنفسنا على محمل الجد، وأن نخصص الموارد المالية الكافية للقضايا التي تهمنا"،مشدداً على أن دول الخليج باتت تمتلك قدرات أكبر للاعتماد على نفسها، لكنه يؤكد أن المنطقة لا تزال تمثل نقطة اشتعال حاسمة للاقتصاد العالمي، نظراً إلى دورها المحوري في أسواق الطاقة وأهمية نجاح مشاريع مثل "رؤية السعودية 2030" التي يرى أنها تقدم نموذجاً للمنطقة بأكملها، فضلاً عن المصالح الاقتصادية المتبادلة بين بريطانيا ودول الخليج.
ولا يقتصر التهديد الإيراني على منطقة الشرق الأوسط أو التأثير في أسعار الطاقة عالمياً وحسب، بل هناك اتهامات بريطانية للنظام الإيراني بالوقوف وراء هجمات داخل المملكة المتحدة استهدفت مواطنين يهوداً وكذلك محاولة استهداف قاعدة "فيرفورد" الجوية التي تستخدمها القوات الأميركية في بريطانيا، بينما لا تزال العلاقات الدبلوماسية قائمة بين البلدين.
وإضافة إلى حظر منظمة الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، يقول جنكينز إن الحكومة البريطانية تحتاج إلى اتخاذ إجراءات أخرى مثل إغلاق "المركز الثقافي الإسلامي" والمؤسسات المرتبطة به في حي ميدا فيل في لندن والتي بحسب قوله "تقع تحت سلطة مكتب المرشد الأعلى وتبث أيديولوجيات سامة"، مضيفاً أنه يجب إيلاء اهتمام أكبر بالتهديدات الداخلية، وكما أشار مدير جهاز الاستخبارات الداخلية (أم آي 5) خلال خطابه قبل أسبوعين، فإن الدعم الإيراني والتمويل للهجمات الإرهابية ضد أهداف يهودية، فضلاً عن المحاولة الفاشلة لاستهداف القاعدة الأميركية في فيرفورد خلال الأشهر الأخيرة، جرى التعامل معها ببطء شديد. ويقول جنكينز إن "هناك فشلاً مؤسسياً داخل الحكومة والدولة البريطانية في تحديد التهديدات والتعامل معها في الوقت المناسب، وهي مشكلة سياسية بحاجة إلى حل داخلي عاجل".
تغير النظام من الداخل
وفي مقالته المنشورة في مارس (آذار) الماضي، ينتقد جنكينز ما يراه مغالطة سياسية شائعة لدى بعض القادة والمحللين الغربيين، تتمثل في استحضار تجربة غزو العراق عام 2003 للتحذير من أي تدخل عسكري ضد إيران. ويسرد جينكنز أوجه اختلاف جوهرية بين البلدين، لكن السؤال يظل قائماً، مع القمع الدموي للاحتجاجات، حول ما إذا كانت الثورة لا تزال خياراً متاحاً أمام الشعب الإيراني، ليردّ مشيراً إلى أن صعوبة إجراء استطلاعات الرأي، فضلاً عن سيطرة النظام على وسائل الإعلام والتواصل، تجعل من الصعب تحديد اتجاهات الرأي العام الإيراني بدقة. لكنه يستدل بمؤشرات غير مباشرة على تراجع التدين، من بينها انخفاض معدلات ارتياد المساجد والتزام الصيام خلال شهر رمضان على مدى العقود الثلاثة الأخيرة. ويشير كذلك إلى ارتفاع مستوى تعليم المرأة الإيرانية، وهو تطور لم يكُن النظام يستهدفه بالضرورة، لكنه تحقق بالفعل. ويقول "تقديري الشخصي أن نحو 70 في المئة من السكان يرغبون في نظام مختلف. فهم لا يزالون قوميين، لكن كثراً منهم يريدون تغيير النظام وسقوطه، بل إن بعضهم يمقته تماماً. في المقابل، يحتفظ النظام بولاء شريحة تقدر بنحو 20 في المئة من السكان، أي ما بين 15 و20 مليون شخص، وهي قاعدة دعم ليست صغيرة".
ويضيف أن النظام أخفق في ترسيخ شرعيته من خلال التنمية الاقتصادية، وهو المسار الذي حاول الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني انتهاجه قبل أن يتراجع، ولم يبقَ للنظام، وفق تقديره، سوى شرعية ولاية الفقيه. وعلى رغم أن هذه القاعدة المؤيدة لا تزال تؤمن بولاية الفقيه وتنظر إلى المرشد الأعلى علي خامنئي على أنه مرجع ديني، فإن الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها إيران على مدى الأعوام الـ25 الماضية أظهرت أن قطاعات كبيرة من المجتمع باتت ترفض هذا الشعار وتعدّه، بحسب تعبير جنكينز ، "هراء". ومن ثم، فإن التحدي الأساس يتمثل في كيفية تحويل هذا السخط الشعبي إلى تغيير سياسي سلمي ومثمر.
عندما اندلعت الاحتجاجات في إيران مطلع العام الحالي، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمساندة المحتجين، في وقت كان النظام يقمع التظاهرات ويقتل أعداداً كبيرة من المشاركين فيها. وبدا آنذاك أن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراهنان على أن تدفع الضربات العسكرية التي استهدفت قيادات النظام وأضعفته إلى خروج الإيرانيين إلى الشوارع لإسقاطه. لكن، مع مرور أشهر على الحرب واستمرار الضربات الأميركية التي أضعفت النظام وأفقدته عدداً من كبار قادته، تزايدت التساؤلات حول مدى واقعية هدف إسقاط النظام الإيراني، وهو تشكيك يتفق معه جنكينز.
ويرى الدبلوماسي البريطاني أن التدخل الخارجي قد تترتب عليه عواقب وخيمة، مستشهداً بتجربة العراق عقب إسقاط نظام صدام حسين، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى اختلافات جوهرية بين إيران والعراق، أبرزها عدد سكان إيران الذي يناهز 90 مليون نسمة، واتساع مساحتها وصعوبة التواصل بين مناطقها المختلفة. كذلك، يلفت إلى أن دولاً عدة لديها مصلحة في تجنب انهيار النظام الإيراني وما قد يترتب عليه من فوضى، من بينها روسيا والصين، فضلاً عن باكستان وتركيا اللتين لا ترغبان في مواجهة اضطرابات على حدودهما. وبناء على ذلك، يعتقد جنكينز بأن التغيير السياسي في إيران لا يمكن أن يتحقق إلا بفعل ضغوط أو تطورات داخلية، ويقول "شهدنا خلال الأعوام الـ30 الأخيرة موجات متكررة من السخط والمعارضة الداخلية، قمعها النظام جميعاً. وأظهرت التطورات الأخيرة واغتيال المرشد الأعلى وعدد من كبار المسؤولين ومستشاريه، بوضوح واقعاً كان قائماً من قبل، وهو تحول إيران إلى دولة عقائدية بامتياز، يحكمها الحرس الثوري و’فيلق القدس‘".
الحرس الثوري يعطل أي اتفاق
وينتقل جنكينز إلى تعقيدات التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، عازياً ذلك إلى الطبيعة العقائدية للحرس الثوري وافتقاره إلى البراغماتية، مشيراً إلى أن النظام الإيراني يطرح بين الحين والآخر مبادرات تفاوضية، لكنه يربطها بشروط تتعلق بالضمانات والقيود المفروضة على وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يصفه بأنه "أمر غير مقبول".
ويستبعد الدبلوماسي البريطاني المخضرم إبرام اتفاق على غرار خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) التي تم التوصل إليها عام 2015، ولا سيما في ظل إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، لأسباب عدة من بينها "حجم الجهد الدبلوماسي الهائل الذي استغرقه التفاوض على اتفاق 2015 والذي استغرق عقداً من الزمن وهو ما لن يتكرر، وتطلعات طهران لتصبح دولة نووية تعتبر مزعزعة للاستقرار بطبيعتها. ويضيف أن هذه المخاوف تفسر جانباً من قلق إسرائيل، فاحتمال استخدام إيران سلاحاً نووياً ضدها، بما قد يترتب عليه من دمار واسع يشمل القدس والفلسطينيين أيضاً، يبدو سيناريو جنونياً، لكن إسرائيل تنظر إلى المسألة على أنها تهديد وجودي.
وبسؤاله عن تأثير بعض ممن يُعدون أكثر براغماتية مثل الرئيس الإيراني بزيشيكان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، يقول جنكينز إنه في حين هناك درجات من البراغماتية داخل النظام الإيراني، فإن سياسة طهران كانت دائما تُرسَم من قبل المرشد الأعلى بالتنسيق مع المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يسيطر عليه المتشددون، ولا سيما الحرس الثوري و"الباسيج". ويضيف أن ظريف شخصية مهمة، لكن بصفته وزيراً للخارجية كان ينقل الرسائل الأساسية فقط، وكلما بدا أن الأميركيين قدموا شيئاً جديداً، كان الإيرانيون يوقفون كل شيء للعودة لطهران واستشارة القيادة.
أما قاليباف، وهو قائد سابق في الحرس الثوري وله صلات به، فيرى جنكينز أنه يصعب الجزم بما إذا كان براغماتياً أو انتهازياً، لكنه يشدد على أن أي توجه براغماتي داخل النظام يصطدم بمعارضة المتشددين العقائديين الذين يمسكون بزمام السلطة حالياً، ويختتم بالإشارة إلى أن وضع مجتبى خامنئي، وما إذا كان لا يزال على قيد الحياة، يظل مسألة منفصلة يحيط بها الغموض.
نزع سلاح "حزب الله"
يعتمد نفوذ إيران الإقليمي على شبكة من الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيين في لبنان والعراق واليمن، ومع استمرار حملة الحصار الاقتصادي الأميركي والقصف على إيران، تدهورت القدرات العسكرية والمالية للنظام بصورة كبيرة، مما أثّر بدوره في شبكة حلفائها في المنطقة، ومن بينها "حزب الله" في لبنان الذي تلقى خلال العامين الأخيرين ضربات قاسية من إسرائيل ويواجه ضغوطاً داخلية وخارجية لنزع السلاح.
ويستبعد جنكينز أن يتخلى "حزب الله" أو حركة "حماس" عن السلاح "لأن فعل ذلك يعني نهاية الحزب والحركة"، قائلاً إن إسرائيل ألحقت دماراً مادياً هائلاً بالحزب وقتلت قياداته العليا بما في ذلك نصرالله، وعلى رغم تلقيه مساعدة إيرانية لإعادة التسليح، فإنه بات أضعف بكثير مما كان عليه قبل النزاع، لكنه لم يختفِ. ومن ثم فإن السؤال الكبير هو ما موقف الشيعة في لبنان اليوم من الحزب؟ وهو ما تكشف عنه استطلاعات الرأي التي تظهر استياءً واسعاً، لكن تحويل هذا السخط إلى تأثير سياسي يظل معقداً، وفق الدبلوماسي البريطاني. فمن خلال اتفاق الدوحة عام 2007، حظي "حزب الله" بما يسمى "الثلث المعطل" وبحضور وازن في الحكومة لا يزال يحتفظ به، إضافة إلى وجود نبيه بري كرئيس لمجلس النواب منذ أمد طويل. لذا، يمتلك الحزب القدرة على صياغة المشهد السياسي.
ويضيف أن اللبنانيين يعانون وضعاً كارثياً منذ أعوام، بينما لا تستطيع الحكومة خوض مواجهة عسكرية مع "حزب الله" لأن الجيش اللبناني قد ينقسم على أسس طائفية كما حدث خلال الحرب الأهلية. لذا، فإن أية تسوية يجب أن تكون سياسية، وما دام "حزب الله" يشترط انسحاب إسرائيل قبل نزع سلاحه، مما لن تقبل به إسرائيل، فستستمر الاحتلالات والاضطرابات.
إدارة المالكي كانت مدمرة
في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وشركاءها في التحالف، انتهاء عملية "العزم الصلب" في العراق والانسحاب المنظم لقوات ومعدات التحالف من قاعدة أربيل الجوية، لينتهي بذلك الوجود العسكري الأميركي في الأراضي العراقية رسمياً، ومن ثم تتولى قوات الأمن العراقية وحدها تأمين الدولة وكبح فلول تنظيم "داعش"، كما جاء في الإعلان، مما يثير السؤال حول تعزيز طهران لنفوذها في بغداد بالنظر إلى استمرار الفصائل المتحالفة معها في مقاومة نزع سلاحها والقلق من تجدد الصراعات الداخلية.
ورداً على ذلك، ينتقد السير جون جنكينز إدارة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، قائلاً "كان المالكي أكثر السياسيين تأثيراً وفاعلية، لكنه كان ذا تأثير مدمر للغاية"، ويضيف أن المالكي "استغل سلطته لعقد صفقات مع قادة الميليشيات، ولا سيما ’عصائب أهل الحق‘ لاحتواء (نفوذ) مقتدى الصدر، مما أدى إلى تداعيات خطرة بما فيها صعود ’داعش‘، فضلاً عن تعيين قادة عسكريين موالين" وهي ممارسات أسهمت في إضعاف المؤسسة العسكرية.
ويردف أن المالكي لا يزال مؤثراً حتى اليوم ليس بمنصب رسمـي، بل عبر توجيه قرارات "الإطار التنسيقي" الذي ينتج رؤساء وزراء بمثابة "رؤساء تنفيذيين" ينفذون أجندات من هم خارج الحكومة من قادة "الإطار" والميليشيات. ومع الحديث عن انسحاب الأميركيين ودمج الميليشيات في القوات العراقية، يقول جنكينز إن كثيراً من فصائل "الحشد الشعبي" تمتلك بالفعل أرقام ألوية ومخصصات منفصلة في الموازنة العامة بعيداً من وزارة الدفاع، وسوف يستمر هذا الوضع.
تحسن الوضع الأمني في العراق خلال الأعوام الـ10 الأخيرة، ولا سيما بعد هزيمة تنظيم "داعش" واستعادة الموصل، لكن السبب الرئيس لهذا التحسن، بحسب تقديره، يرجع إلى أن القوى الشيعية التي كانت بعض فصائلها مسؤولة عن أعمال العنف في السابق، باتت تدير الدولة بنفسها، في إطار ما وصفه بـ"الاستحواذ العكسي" على مؤسساتها. أما الأكراد، فيرى أنهم من أبرز الخاسرين من الانسحاب الأميركي، فالعلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بما يعكسه ذلك من تنافس بين عائلتي بارزاني وطالباني، لا تزال متوترة، وتتأثر بالتطورات في السليمانية وبالعلاقة مع إيران، ويضاف إلى ذلك استمرار الخلافات مع بغداد في شأن الموازنة ورواتب قوات "البيشمركة" وإنتاج النفط وتصديره، فضلاً عن الدور التركي والتطورات المرتبطة بتوازنات النفوذ في سوريا.