ملخص
بين فاجعتين تفصل بينهما 11 عاماً، فقد علي حرسي والده في مواجهات مع الحوثيين بمحافظة شبوة عام 2015، ثم ابنه عبدالله في الضربة الصاروخية على "معسكر العلم" في أكتوبر (تشرين الأول) 2026الجاري، وبين الفقدين يتمسك الأب بالصبر والإيمان، مطالباً بإنصاف أسر الشهداء ورعاية حقوقها.
للحروب فواجع لا تنتهي مع صمت المدافع، وخسارات لا تُقاس بعدد القتلى والجرحى، بل بما تتركه من غياب في البيوت وقلوب الأمهات والآباء، وفي اليمن، حيث امتدت الحرب لأكثر من عقد، لم تكتف بانتزاع الأحبة من عائلاتهم مرة واحدة، بل عادت لبعضها لتجدد أحزاناً ظن أصحابها أن الأعوام خففت وطأتها.
في محافظة شبوة، تختصر حكاية علي حرسي شيئاً من هذه المأساة، ففي عام 2015 فقد والده خلال معركة المصينعة ضد الحوثيين، وكان يومها يتلقى العزاء في أبيه، قبل أن تمضي الأعوام ويجد نفسه بعد 11 عاماً يتقبل العزاء في ابنه عبدالله، الذي قضى في الضربة الصاروخية التي استهدفت "معسكر العلم" في الـ 19 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
وبين الفاجعتين كبر الحزن مع علي ولم يغادره، ففقد الأب الذي كان يستند إليه، ثم الابن الذي كان يرى فيه امتداداً لحياته، وبين قبرين تفصل بينهما أعوام الحرب، يقف رجل دفع من عائلته ثمن صراع لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه من الفقد الأول، حتى جاءه الفقد الثاني.
لم يكن خبر الضربة الصاروخية التي استهدفت "معسكر العلم" في محافظة شبوة، الإثنين الماضي، كافياً ليكشف لعلي حرسي حجم الفاجعة التي تنتظره، فقد وصله الخبر عبر مجموعة في تطبيق "واتساب"، نشره طبيب من أبناء منطقة المصينعة كان موجوداً في مدينة عتق، مركز المحافظة، إذ اتصل علي بالطبيب ليستوضح ما حدث، فأكد له نبأ الضربة الصاروخية التي استهدفت مركز التدريب في منطقة العلم، لكنه لم يخبره بمصير ابنه عبدالله، وكانت المنطقة تبعد 35 كيلومتراً شمال غربي عتق، ولم تكن لدى الطبيب تفاصيل عما جرى داخل المعسكر، ويقول علي مستعيداً تلك اللحظات "تواصلت معه هاتفياً، لكنه لم يخبرني بشيء عن ولدي، أكد فقط خبر الضربة الصاروخية، ولم تكن هناك تفاصيل".
ومع توالي الأنباء عن سقوط قتلى وجرحى ونقلهم بسيارات الإسعاف إلى مستشفيات عتق، تحرك الأب مسرعاً من المصينعة إلى مستشفى الهيئة في مركز المحافظة، متشبثاً بأمل أن يجد ابنه بين الناجين، وقد كان الزحام شديداً في المستشفى ومحيطه والدخول إلى الداخل صعباً، فأخذ علي يبحث عن عبدالله بين الجثامين، بخطوات ثقيلة وقلب مثقل بالخوف، إلى أن وجده بين القتلى.
كان جسد عبدالله قد تعرض لحروق، وكان المنظر قاسياً على أبيه وأقاربه، لكن علي يستعيد اللحظة بنبرة من التسليم والصبر "هذا أمر الله، ولا اعتراض عليه، عندما وجدته، تقبلت الأمر بصدر رحب وإيمان، لقد كان المنظر مؤلماً، لكن الصبر كان فينا قوياً، وخفف عنا الألم والحزن".
لم تنته مهمة الأب عند التعرف إلى ابنه، فقد حمله مع أقاربه وأفراد من قوة "التدخل السريع" إلى مغسلة الموتى بجامع السنّة في عتق، حيث جرى تغسيله وتكفينه، وبعد ذلك نقلوا جثمانه مع جثمان شاب آخر من أبناء المنطقة، هو ياسر كليس، إلى بلدتهم المصينعة، حيث وُوريا الثرى وسط حضور حاشد من الأهالي.
عبدالله شاب له أحلامه وحياته
لم يكن عبدالله بالنسبة إلى أسرته مجرد اسم بين الضحايا، بل شاباً بنى حياته بالعمل والإصرار، كان الابن الرابع لعلي حرسي، ومن مواليد عام 2004، درس حتى الصف الثامن من التعليم الأساسي فقط، ثم انقطع عن الدراسة لأسباب أسرية، لكنه لم يتوقف عن السعي إلى بناء مستقبله.
في حوش منزل الأسرة، كانت ورشة الميكانيك مساحة عمله التي يقضي فيها وقته بجدية، ويكسب منها رزقه ويشعر بالاستقرار المادي والنفسي، ويقول والده إن التحاق عبدالله بمركز التدريب في منطقة العلم لم يكن بدافع المال، بل لرغبته في العمل الأمني والدفاع عن الأرض والدين.
وقبل الحادثة بنحو أسبوعين، عاد عبدالله من العمرة رفقة والدته، وخلال وجوده في السعودية التقى أشخاصاً من محافظتي البيضاء وذمار الشماليتين، واستمع إلى ما يروونه عن معاناتهم تحت حكم الحوثيين.
أما آخر لقاء مباشر بين الأب وابنه، فكان قبل الحادثة بنحو 10 أيام خلال عزاء أحد أفراد العائلة، واستمر التواصل الهاتفي بينهما خلال فترة تدريب عبدالله، وكان آخر اتصال قبل الضربة الصاروخية بثلاثة أيام فقط، ويتذكر علي أن معنويات ابنه كانت مرتفعة، من دون أن يدرك أن ذلك الاتصال سيصبح من آخر ما يحتفظ به من صوته.
لكن قصة الفقد في حياة علي حرسي أقدم من عبدالله، فقبل 11 عاماً خسر والده صالح سالم حرسي خلال المواجهات التي شهدتها شبوة في مايو (أيار) 2015، حين تقدمت القوات الحوثية والقوات المتحالفة معها إلى مناطق من المحافظة، وشهدت المصينعة معارك انتهت باستعادة المقاومة السيطرة عليها.
الأب الذي غاب في كمين
يروي علي حرسي أن المواجهات بدأت في الساعات الأولى من الصباح، فخرج والده من المنزل، بينما توجه هو إلى المسجد لرفع أذان الفجر، ومع تصاعد القصف انضم الاثنان إلى القتال، لكنهما افترقا بعدما توزع المقاومون على جبهات مختلفة، موضحاً "عند الساعة السادسة صباحاً هاجمنا الحوثيون بقذائف الهاون في قرن قلع، فافترقنا نحن المقاومين، ذهب والدي ناحية قرية جباه، بينما اتجهت أنا نحو قرية مري، كل واحد منا ذهب إلى جبهة، واستمرت المعركة نحو خمس ساعات".
وخلال المواجهات، وقع والده مع 12 من رفاقه في كمين، فحاول علي ورفاقه فك الحصار عن المجموعة، ثم انسحبوا وهم يعتقدون أن أفرادها ربما وقعوا في الأسر، لكنهم تلقوا لاحقاً خبر مقتل والده مع عدد من رفاقه في السبع من مايو (أيار) 2015.
ولم تكن المجموعة مستعدة لمعركة بهذا الحجم، ولم تكن تمتلك الإمكانات الكافية، بحسب روايته، لكنها قاتلت دفاعاً عن منطقتها، مضيفاً "قاتلنا بصورة عفوية، ومن موقع الدفاع، ولم نكن مستعدين لتلك المعركة التي فُرضت علينا، ومع ضعف الإمكانات، قاومنا ببسالة دفاعاً عن الأرض والعِرض".
ولم يتمكن علي من حضور دفن والده، حيث كان في جبهة أخرى أثناء القتال، وظل ذلك الغياب جزءاً مؤلماً من ذاكرته، قبل أن يجد نفسه بعد 11 عاماً أمام امتحان مشابه، وهو يبحث عن ابنه بين جثامين ضحايا ضربة "معسكر العلم".
يذكر علي حرسي أن والده كان عسكرياً مميزاً في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، لكنه فُصل من الخدمة بعد أحداث الـ 13 من يناير (كانون الثاني) 1986 في عدن، وبقي من دون عمل ولا حقوق.
فخور بوالدي وولدي
على رغم قسوة الفاجعتين، يرفض علي حرسي أن يختصر حكايته في الحزن وحده، فهو يتحدث عن والده وابنه بلغة تجمع بين الإيمان والفخر، ويؤكد أنه يعتز بما قدماه، ويرجو أن يكونا من الشهداء، ويقول "الأب لا يُعوض، أما الابن فيُعوض"، ثم يضيف "أنا لست متحسراً على موتهما، أنا فخور بوالدي وولدي على ما قدماه، ومستعد لمواصلة المقاومة".
ويستند علي في مواجهة المصاب إلى إيمانه وتماسك أسرته، قائلاً "نحن أسرة ملتزمة ومؤمنة، ولدينا رباطة جأش"، ولا يعني هذا الصبر أن الألم غاب، بل هو وسيلته لمواصلة الحياة بعد فقد أقرب الناس إليه.
ولا ينفصل حديثه عن أسرته عن حديثه عن المجتمع في شبوة، الذي شهد، عقب استهداف "معسكر العلم"، موجة واسعة من التضامن، ويستذكر حضور المواطنين إلى المستشفيات للمساعدة في إنقاذ المصابين، والتبرع بالدم، وتقديم الغذاء والملابس، والتعاون مع الفرق الطبية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى علي أن أبناء شبوة، من السواحل إلى الجبال والسهول، أظهروا تماسكاً وتكافلاً لافتين، وأن هذه المواقف شكّلت درساً في التضامن المجتمعي، وأثبتت قدرة الناس على مساندة بعضهم في أوقات المحن.
ومع ذلك، تتجاوز رسالته المواساة، فهو يدعو إلى توحيد الصف والموقف في مواجهة الحوثيين، ويؤكد أن ما حدث لن يزيد أسرته، بحسب قوله، إلا صبراً وإصراراً على مواصلة المقاومة، مطالباً السلطات بالوفاء بالتزاماتها تجاه أسر الشهداء، ومشيراً إلى توجيهات سابقة من المحافظ بصرف قطعة أرض لكل شهيد في المعارك والحروب السابقة، لكنه يقول إن التنفيذ لم يشمل جميع الأسر، وإن بعض من سقطوا في خندق واحد حصلت أسرهم على أراضٍ، بينما لم تحصل أسر أخرى على حقوقها.
وتكشف هذه المطالبة جانباً آخر من حياة العائلات التي فقدت أبناءها في الحرب، فإضافة إلى الحزن الذي لا ينتهي بانتهاء مراسم الدفن، هناك حاجات معيشية وحقوق تنتظر الوفاء، ومسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية تجاه الأسر التي دفعت أثماناً باهظة.
وبين المصينعة و"معسكر العلم"، يمتد في حياة علي حرسي 11 عاماً، وليست مجرد أعوام تفصل بين حادثتين، بل مسافة بين ابن لم يتمكن من حضور دفن أبيه، وأب اضطر إلى البحث عن ابنه بين الجثامين، ثم حمله إلى مثواه الأخير.
قد تُطوى صفحات المعارك في سجلات الحرب، لكن الفقد لا يُطوى بهذه السهولة، ليبقى الأب حاضراً في ذاكرة ابنه، والابن حاضراً في قلب أبيه، وتظل الأسرة تحاول جمع شتات حياتها بالإيمان والصبر والذكريات، وبينما يصر علي حرسي على التمسك بما يؤمن به، يظل مطلبه واضحاً وهو أن تنال أسر الشهداء الرعاية والإنصاف، وألا تبقى تضحيات أبنائها مجرد حكايات تُروى، بعد أن يهدأ القصف.