Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تفرقت دروب الشهرة بين مؤسسي الفن التكعيبي؟

بيكاسو وبراك أسساه معاً وتشابهت أعمالهما لكن تاريخ الفن تناسى ثانيهما

لوحة "سمكات" لجورج براك (موسوعة الفن الحديث)

ملخص

ثمة سبب آخر يتعلق بشخصية الفنان وصورته العامة، فلقد كان بيكاسو وبقي حتى النهاية، شخصية استثنائية في قدرته على إثارة الاهتمام، وفي حياته العاطفية والسياسية وعلاقاته بالكتاب والشعراء والفنانين، لقد تجاوزت شهرته حدود المتاحف، وتحول إلى رمز ثقافي عالمي، بينما ظل براك أكثر تحفظاً وابتعاداً عن الاستعراض الشخصي، ولم تكن المسألة تفوقاً فنياً بسيطاً بقدر ما كانت اختلافاً في القدرة على تحويل المنجز الفني إلى حدث ثقافي مستمر.

هي في المقام الأول، واحدة من المفارقات الكبرى في تاريخ الفن عند بدايات القرن الـ20، مفارقة لا بد من العودة إليها بين الحين والآخر، لا سيما حين يؤتى على ذكر مساهمة الفنان الإسباني الأصل بابلو بيكاسو، في تأسيس الفن التكعيبي، وفي الأقل منذ عام 1907 حين ظهرت لوحته الكبرى "آنسات أفينيون"، فيجرى الحديث عنه كالبديهية التي لا تحتاج إلى شرح، وبوصفه المعلم الكبير الذي لا يحتاج إلى تعريف ولا يحتاج ذكره إلى تبرير، في الوقت الذي تحتاج فيه ذكرى زميله ومزامنه في تأسيس التيار نفسه، الفرنسي جورج براك، إلى إعادة اعتبار وتبرير وتفسير.

يقيناً أن المسألة تبدو غامضة بل ظالمة بعض الشيء بالنظر إلى الاتساع الهائل لشهرة الأول، والغياب المؤسف للثاني عن واجهة الحياة الفنية، وذلك على رغم أن ثمة في أحيان كثيرة حيرة تنتاب المراقب، وهو يشاهد أعمالهما التأسيسية المشتركة، تتعلق بعدم التفريق بين تلك الأعمال، لمعرفة أيها للإسباني وأيها للفرنسي. وهنا قبل الدخول في تفسير الأمر، قد يكون من المفيد التوقف عند نقطة البداية في "العلاقة" بينهما، وتحديداً عند اللحظة التي تم فيها تعارفهما على يد الشاعر والناقد أبولينير الذي كان صديقاً للاثنين عام 1907، فلفت نظره تشابه غير مقصود بين فنيهما وعرّف أحدهما على الآخر.

 

تشابه إلى حد التطابق

إذاً، فإن البداية الحقيقية كانت حين لاحظ أبولينير ذلك التشابه المدهش، بل حتى ذلك التطابق بين التوجهات الفنية لكل من الفنانين اللذين ارتبط مع كل منهما بصداقة مبكرة، فتعمد أن يجمعهما معاً في جلسة في مقهى انتهت بجلسات ثم بتبادل الزيارات بينهما إلى محترف كل منهما، وذلك بالتحديد حين كان بيكاسو ينجز "آنسات أفينيون"، وهكذا ارتبط الاثنان بتلك الصداقة الفنية.

غير أن العقود التالية للقاءاتهما الأولى شهدت انتشار أعمال بيكاسو في مقابل اختفاء نسبي لذكر براك، فهل علينا أن نقول إنه كان اختفاء ترسخ طوال ما يقرب من 50 عاماً وبصورة تحمل كثيراً من الظلم؟ فالحقيقة أن براك كفنان كبير ومؤسس له مكانته، سوف يضطر إلى الانتظار نصف قرن قبل أن يتم تصحيح الأمر في معرض استعادي كبير أقيم لأعماله عام 1973 في "القصر الكبير" الباريسي، بدفع من الوزير المبدع أندريه مالروو الذي أطلق على الرسام لقب "مجد فرنسا الفني" مشبهاً مجده بمقدار فيكتور هوغو، وكانت تلك، لحظة البداية الجديدة في التصدي لتلك المفارقة اللافتة في تاريخ الفن الحديث: أن حركة فنية قامت، في أحد أهم أطوارها، على حوار إبداعي وثيق بين فنانين هما الإسباني بابلو بيكاسو والفرنسي جورج براك، انتهت إلى أن يصبح أحدهما، بيكاسو، اسماً عالمياً يكاد يختصر الفن الحديث كله، فيما بقي الآخر، على رغم مكانته الاستثنائية، أقل حضوراً في الذاكرة العامة.

 

السؤال الأساس

ويبقى هنا السؤال الأساس الشائك: ما الذي جعل بيكاسو يتقدم إلى تلك المرتبة مع أن التكعيبية لم تكن ابتكاره الفردي وحده؟ في البداية، لا بد من العودة إلى التذكير بأن التكعيبية لم تظهر بوصفها اختراعاً مكتملاً لفنان واحد، بل تشكلت بين عامي 1907 و1914 تقريباً، عبر تجارب متبادلة بين بيكاسو وبراك، لا سيما بعدما أنجز بيكاسو لوحته الشهيرة "آنسات أفينيون" كما أشرنا، عام 1907، ثم دخل الاثنان في حوار بصري عميق، أعاد النظر في الطريقة التي يمكن بها تمثيل الأشياء والأجسام والفضاء على سطح اللوحة. وقد ذهب بعض مؤرخي الفن إلى حد وصف العلاقة بينهما، في مرحلتها الحاسمة، بأنها علاقة فنانين يعملان جنباً إلى جنب، بحيث يصعب أحياناً تحديد صاحب المبادرة الأولى في بعض التحولات التشكيلية، لكن هذه الشراكة لم تؤدِّ إلى تساوي الشهرة.

وأول الأسباب أن بيكاسو كان فناناً لا يكف عن تغيير جلده الفني، لم يحصر نفسه في التكعيبية، بل انتقل بين مراحل وأساليب شديدة الاختلاف، من المرحلتين الزرقاء والوردية إلى التكعيبية، ثم إلى تجارب كلاسيكية وسريالية، فضلاً عن النحت والخزف والحفر، وهكذا صار اسمه مرتبطاً بتاريخ الفن الحديث في اتساعه كله، لا بحركة واحدة فحسب، أما براك فقد ظل أكثر ارتباطاً بالبحث التشكيلي الهادئ والمتواصل، بخاصة الطبيعة الصامتة والآلات الموسيقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شخصية طاغية

وثمة سبب آخر يتعلق بشخصية الفنان وصورته العامة، فلقد كان بيكاسو وبقي حتى النهاية، شخصية استثنائية في قدرته على إثارة الاهتمام، وفي حياته العاطفية والسياسية وعلاقاته بالكتاب والشعراء والفنانين، لقد تجاوزت شهرته حدود المتاحف، وتحول إلى رمز ثقافي عالمي، بينما ظل براك أكثر تحفظاً وابتعاداً عن الاستعراض الشخصي، ولم تكن المسألة تفوقاً فنياً بسيطاً بقدر ما كانت اختلافاً في القدرة على تحويل المنجز الفني إلى حدث ثقافي مستمر.

ثم جاءت لوحة "غرنيكا" عام 1937 لتمنح بيكاسو بعداً سياسياً وأخلاقياً عالمياً، فقد تجاوزت اللوحة موضوع الحرب الأهلية الإسبانية لتصبح رمزاً للاحتجاج على العنف وتدمير المدنيين، ولم يمتلك براك عملاً مماثلاً من ناحية الانتشار الرمزي والجماهيري، على رغم أهمية منجزه التشكيلي.

إلى ذلك لا يمكن إغفال دور المؤسسات الفنية وسوق الفن والمعارض الكبرى في ترسيخ هذه الفوارق، فقد أسهمت المعارض الاستعادية الواسعة لبيكاسو، لا سيما في النصف الثاني من القرن الـ 20، في تثبيت مكانته العالمية، كما جعلت كثرة أعماله وتنوعها من المستحيل تقريباً حصر صورته في أسلوب أعماله التكعيبية،

من هنا فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا تتحول شهرة بيكاسو إلى مقياس وحيد.

فنان أقل صخباً

الخلاصة هي تفوق بيكاسو في الشهرة لأنه جمع بين الابتكار الفني المتعدد، والقدرة الاستثنائية على التحول، والحضور الشخصي والسياسي، واستمرار الاهتمام المؤسسي به، أما براك، فربما كان أقل صخباً، لكنه ليس أقل ضرورة لفهم ولادة التكعيبية.

وإذا كان بيكاسو قد أصبح الوجه الأشهر للثورة التشكيلية، فإن براك يظل أحد العقول التي أسهمت فيها، وقد شكّل معرض القصر الكبير، الذي سيبقى علامة فارقة في تاريخ الفن التشكيلي الفرنسي، الانطلاقة الأولى لاستعادة براك مكانته.

وهو ابن مقاول البناء الذي ولد في مدينة لو هافر وانطلق في فن الرسم ضمن إطار مجموعة "الضواري" التي سينتقل منها إلى الغوص في رسم الدوائر ثم المكعبات مجدداً من دون صخب أو ضجيج، غائصاً بعد ذلك، في تجديديته المرتبطة غالباً بالتكعيبية التي لن يكون هو مطلق هذا الاسم عليها على أية حال، مركزاً على الطبيعة الصامتة التي غلبت على أعماله حتى حين يرسم الطبيعة أو البورتريهات، وذلك عبر تلك الأعمال التي تجمعت معاً للمرة الاولى عام 1973، للكشف حتى عن تواصل فنه مع التجديد الموسيقي، من خلال عمله مع إيريك ساتيه، واهتمامه برسم لوحات للكتب الكلاسيكية، إذ إن أعظم إنجازاته في هذا السياق سيكون نسخة فخمة الطباعة رائعة اللوحات لترجمة فرنسية لكتاب هسيودوس "أنساب الآلهة" في إنجاز نتج عن ارتباط الرسام بكبار شعراء زمنه من ريفردي إلى فرنسيس بونج، ومن رينيه شار إلى كارل أينشتاين، وهو الأمر الذي أعاد إليه مكانة كانت قد ظلت منسية طوال ما يزيد على 50 عاماً، فكان الأمر أشبه بتعويض متأخر، لكنه تعويض مستحق بالتأكيد.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة