ملخص
يلجأ كبار السن إلى وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها بديلاً عن نعيم الحياة العائلية المفقودة، وتشكل المنصات المختلفة مساحة للتعبير وتبادل الأفكار والآراء، وبديلاً عن المساحة الثقافية المرجوة، في المقابل، يلفت استخدام بعض صناع المحتوى يوميات كبار السن كمادة للانتشار، أو حتى توليد فيديوهات عبر الذكاء الاصطناعي لكبار بالسن للحصول على مكاسب إضافية في رحلة البحث عن لايكات ومتابعات.
"حال التعلق الشديد بمواقع التواصل الاجتماعي" لدى المسنين ظاهرة تسترعي الانتباه بعد أعوام من الرفض والمكابرة، فيما بات جلياً استخدام شريحة ما فوق الـ50 لمآرب مختلفة، بدءاً بالتواصل من بُعد، وكسر رتابة الحياة اليومية، وصولاً إلى "هوس تيك توك" بعدما تحول بعض الناس إلى "أسرى اللايف وجولات المنافسة".
يروي خالد (60 سنة) وهو عسكري متقاعد بالجيش اللبناني قصته مع تطبيق "تيكتوك"، التي بدأت منذ أعوام "عندما أقام فترة طويلة في المستشفى للعلاج، وراح يقوم بالبث المباشر الليلي بمشاركة مجموعة كبيرة من الرفاق ينحدرون من دول مختلفة، إذ يشترك في جلسة البث المباشر أشخاص من ليبيا ومصر والعراق والمغرب".
يعد خالد التواصل الاجتماعي يشكل مساحة واسعة ومفتوحة للنقاش ومشاركة التجارب، مضيفاً "بعض المشاركين يُخبر عن يومياته مع مرض السرطان، فيما يعبر آخرون عن الوقوف إلى جانبهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لتجاوز حال الصدمة والألم"، ويوضح "حافظنا على الطابع الرصين للبث المباشر، ولم ننزلق إلى منطق الجولات وانعدام اللياقة"، مؤكداً "التواصل الاجتماعي مهم للغاية وهو فرصة ومكان مليء بالأحداث والأخبار والفيديوهات المتنوعة ووسيلة للتسلية المتواصلة".
من جهتها، تستعرض شادية (75 سنة) تجربتها التي بدأت مع الهاتف بوصفه أداة للاتصال، ومن ثم دخلت إلى عالم "الواتساب"، وانضمت إلى مجموعة لمتابعة أوقات الصلاة وحال الطقس، ولكن شيئاً فشيئاً تحولت إلى مستخدم دائم لـ"فيسبوك"، ومشاهدة الفيديوهات عبر "يوتيوب"، وقراءة بعض المقالات على متصفح "غوغل".
وتشير "في المراحل السابقة كنت أقرأ لساعات طويلة، وكنت أعاني للعثور على كتب جديدة، ولكن مع التقدم في السن أصبحت أعاني ضعفاً في البصر، ولذلك أصبحت أتابع الفيديوهات التي تتضمن كثيراً من المعلومات وأستمع إلى تسجيلات قرآنية أو أغاني الطرب القديمة، كذلك أتابع مسلسلات"، عادّة أن متابعة الأخبار العاجلة بصورة سريعة سبب إضافي لمتابعة التواصل الاجتماعي.
وتتحدث شادية عن "اتصالات الفيديو" التي قربت المسافات، وجعلتها على تواصل دائم مع أبنائها وأحفادها المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، مستنكرة في المقابل "قيام بعض كبار السن باستخدام تلك المواقع بصورة خاطئة بما يمس بكرامتهم وأخلاقهم، إذ نسمع عن كثيرين يقومون بأفعال يخجل المراهق من إتيانها".
الحاجة إلى التواصل
يوماً بعد يوم، يكرس كبار السن مكتسباتهم داخل فضاء التواصل الاجتماعي، مظهرين درجة كبيرة من القدرة على التكيف مع متطلبات عصر الثورة الرقمية، ويزداد حضور تلك الشريحة عبر المنصات، حيث حقق بعضهم شهرة كبيرة بفعل الفيديوهات المشتركة مع جداتهم أو أمهاتهم المتقدمات في السن، أو من خلال توثيق اليوميات التي تنغمس في النوستالجيا والرغبة في إحياء حقبة لم تنفض عنها غبار الماضي.
يعتقد المتخصص في التسويق رأفت حمزة أن ثمة عوامل عدة تسهم في تعلق كبار السن بالتواصل الاجتماعي، عادّاً أنه "يجب التعامل مع الظاهرة بعيداً من الأحكام المسبقة أو تصنيف الاستخدام المتزايد في خانة الصواب أو الخطأ"، ويرى أن "هناك مزيجاً دافعاً يتألف من الشعور بالوحدة، وكثير من أوقات الفراغ، والإعجاب بالتكنولوجيا التي تمتلك قدرة على الجذب"، وهو ما يفسر تزايد "استهلاك الوسائط الاجتماعية".
يشدد حمزة على الحاجة إلى دراسة المحتوى الذي يستخدمه كبار السن، والتدقيق في عدد مرات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، منوهاً بالتدرج في عملية التأقلم مع متطلبات المنصات الرقمية، التي تختلف بين الشرائح العمرية، إذ نجد الصغار يتقبلون بسرعة الوسائط الجديدة، ومن ثم يأتي دور الشرائح الأكبر سناً، إذ "لا بد من استقرار التكنولوجيا وفرض نفسها على نمط الحياة قبل أن يعتمدها كبار السن".
يتوقف حمزة عند "اعتماد كبار السن على مواقع التواصل التي تشبه الآليات القديمة التي اعتادوا عليها، إذ لا نجدهم مثلاً يلجأون إلى ’سناب شات‘ وغيرها من المنصات التي تعتمد بصورة كبيرة على السرعة وعلى اهتمامات الشريحة الصغيرة عمرياً، ومن ثم فإن كبار السن يفضلون المنصات الأكثر شبهاً بالأنظمة (الأنالوج) الخطية، ويستمتعون بمحتوى أبطأ ومجاله الزمني أوسع".
من هنا "يفضل هؤلاء الذين يتجاوزون سن الـ50 الدخول إلى عالم ’فيسبوك‘ لأنه يمنحهم إمكان التواصل مع العائلة والأصدقاء المقربين والوسط الاجتماعي، وتحول إلى مساحة للحضور والتعبير التي يمكن التحكم بها نسبياً وضبط سرعتها وتنويع إمكانات التصفح".
العالم تغير
يقارب علماء الاجتماع بإعجاب "تكيف كبار السن مع مواقع التواصل الاجتماعي"، ولكنهم في المقابل، ينظرون إليه بوصفه "تحولاً على مستوى العلاقات الاجتماعية وازدياد الطابع الفرداني للمجتمع العربي".
تشير عالمة الأنثروبولوجيا المهتمة بدراسة التغييرات على مستوى البنى الاجتماعية والثقافية الدكتورة مهى كيال إلى أن "الفرز الاجتماعي على أساس السن بين صغار ويافعين وكبار في السن، وهو ما دفع بكبار السن إلى البحث عن بديل للاجتماع الأسري القديم"، مضيفة "علينا ملاحظة التغيير في التجمعات العائلية، في السابق كان الجميع يشاهد حلقة من مسلسل أو فيلم، أما الآن وبفعل اختلاف الاهتمامات نجدهم يحضرون جسدياً، ولكن يغيبون فكرياً، إذ يتابع كل فرد محتوى ملائماً لفئته العمرية والثقافية".
وتلفت إلى أن غياب الأولاد وانتشارهم في أرجاء المعمورة جعل من الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي وسيطاً ضرورياً وإلزامياً للحفاظ على الروابط العائلية من بعد، ومتابعة صورهم وأنشطتهم اليومية عبر تطبيقات مثل "إنستغرام" و"فيسبوك".
تتحدث كيال عن "إدمان كبار السن استخدام التواصل الاجتماعي في بعض الحالات بسبب طول فترات الفراغ، وتراجع القدرة على الحركة، وتراجع قدرة الجذب لدى التلفزيون الذي بات متأخراً في تغطية الأحداث ولا يقدم مادة متنوعة في كل المجالات الطبية والرياضية والثقافية والموسيقية، أو حتى المشاهدة عند الطلب وتكرار الحلقات بحرية من دون أن يفرض المحتوى عليك من قبل مدير القنوات التلفزيونية"، و"بصورة واضحة نجد أن الجميع بما فيهم كبار السن ينزلقون إلى الثقافة المعولمة، إذ يبحث كل فرد عمن يشبهونه عبر العالم ويشكلون شلة ذات اهتمامات كونية مشتركة"، موضحة أن "شريحة واسعة من كبار السن تبدأ معها المعاناة على مستوى السمع أو البصر، ومن ثم فإن تلك المنصات تفتح أمامها إمكانات بديلة كتحويل النصوص إلى صوت وبالعكس، والاستفادة من الفيديوهات المصاحبة وتضخيم الكلام"، عادّة أن "نقص المعرفة وقلة الوعي بدأت تتسبب بالمشكلات لمستخدمي المنصات ويجعلهم عرضة للاختراق وسرقة الحسابات والأرقام، أو حتى وقوعهم ضحية التزييف العميق".
وتتطرق في المقابل إلى "رفض مجموعات من الناس لطرح التكيف مع متطلبات التقنية الحديثة بحجة الحفاظ على الهوية ونمط الحياة القديمة"، عادّةً أنهم "يحاربون عبثياً، ويحاولون إقناع أنفسهم بأن ثمة قدرة على الاستمرار وفق النمط الرتيب، فيما بمقدورهم اللجوء إلى مزايا الذكاء الاصطناعي التي تمكنهم من إنجاز أبحاث معمقة وموثقة بطريقة منهجية تحت إشراف إنساني كامل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أرقام من دراسات حديثة
تكشف دراسة علمية نُشرت عام 2025 في مجلة "JMIR Aging"، وشملت 15986 متقاعداً في مدينة شنغهاي الصينية، بمتوسط عمر بلغ نحو 68.5 سنة، أن 52.3 في المئة من المشاركين يقضون ما بين ساعتين وثلاث ساعات يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما يمضي 32.3 في المئة منهم أكثر من أربع ساعات يومياً أمام هذه المنصات، وأظهرت الدراسة أن 20.3 في المئة من المشاركين صُنّفوا ضمن فئة إدمان مواقع التواصل الاجتماعي، وفق المقياس المعتمد في البحث، كذلك رصد الباحثون ارتباطاً بين الاستخدام الذي يبلغ ست ساعات يومياً أو أكثر وارتفاع احتمالات ظهور أعراض القلق والاكتئاب، من دون إثبات علاقة سببية مباشرة.
في المقابل، تظهر دراسة ألمانية أجراها باحثون من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ أن الحاجة إلى التواصل الاجتماعي والخوف من تفويت المستجدات يشكلان عاملين أساسين يرتبطان باستخدام كبار السن لمواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما "فيسبوك" و"إنستغرام"، واعتمدت الدراسة على استطلاع شمل 1100 مستخدم ألماني تبلغ أعمارهم 60 عاماً وما فوق، أُجري ما بين أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 2024، بهدف فهم الدوافع النفسية والاجتماعية وراء استخدام هذه الفئة للمنصات الرقمية.
وخلص الباحثون إلى أن مواقع التواصل لم تعد بالنسبة إلى كبار السن مجرد وسيلة لمتابعة أفراد العائلة والأصدقاء، بل أصبحت أيضاً مصدراً للأخبار والمعلومات المتعلقة بالاهتمامات الشخصية، ووسيلة للبحث عن حلول للمشكلات اليومية، وأظهرت النتائج أن الخوف من تفويت المستجدات ارتبط بجميع أنماط استخدام المعلومات الأربعة التي تناولتها الدراسة، فيما ارتبطت الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي خصوصاً بمتابعة المعلومات المتعلقة بالعائلة والأصدقاء والمجموعات الاجتماعية.
الإشباع النفسي
تختلف التفسيرات لظاهرة قضاء كبار السن أوقاتاً طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي، وترى الاختصاصية النفسية فاطمة عرابي أن "التعلق بالمنصات ومشاهدة الفيديوهات يعود إلى مساحة الفراغ التي يعيشها كبار السن، وتحديداً لأولئك الذين بلغوا مرحلة التقاعد بعد مسيرة مهنية طويلة مليئة بالمهام، ناهيك بانفصال أبنائهم عنهم"، إذ "جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لسد الحاجة وحال النقص التي يعانيها هؤلاء"، وتجزم أن "اللجوء إلى تلك المواقع جاء بسبب حاجتهم إلى الحياة الاجتماعية، وتوقهم للتواصل، والبحث عن بدائل للفراغ الذي تركته العائلة، كما يشعر هؤلاء بالحاجة إلى التوجه في رحلات التي يوجد فيه آخرون".
وتقول عرابي "ملأت الشاشة مساحة كبيرة من الفراغ ولدتها بوادر الوحدة، وفتحت الباب أمام إمكان التعبير عن الرأي والتنفيس عن الضغوط، وفتح الباب أمام الاطلاع على آخر التطورات"، وتطالب عرابي بالتمييز بين استخدام الهاتف ومواقع التواصل بين الشرائح العمرية، وربطها بأوقات الفراغ، فالمتقاعدون يمتلكون فترات طويلة من الفراغ، بينما الشرائح العاملة لن تستخدمه إلا خلال فترات الراحة، وما أمكن.
تتوقف كيال عند اعتماد كبار السن على المنصات من أجل الاستشارات الطبية في كثير من الأحيان، و"إحياء النوستالجيا" وتعلم الطبخ والقراءة المختصرة، والاستماع إلى مقاطع دينية، وغيرها من المحتويات الملائمة للاهتمامات الشخصية، مضيفة "لقد أصبح ’فيسبوك‘ صديقاً لكبار السن، ووسيطهم لرؤية العالم، وهو الوسيلة للتسلية، وتنمية المهارات".
هل صعود الفردانية هو السبب؟
من جهتها، تضع أستاذة الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتورة نهوند القادري عيسى الظاهرة ضمن "إطار عام أوسع" فهي تأتي في حضم التحولات البنيوية الهائلة التي فرضها انتشار التيار النيوليبرالي والرأسمالي، حين "حدثت تحولات جمّة على صعيد الأنظمة السياسية والديمقراطية وقد ترافقت مع تآكل الروابط الاجتماعية التقليدية بمستويات متفاوتة، وهي كانت تشكل حضناً دافئاً لكبار السن، فيما صعدت الفردانية بصورة كبيرة".
وهو ما أدى على حد قولها إلى استدراج الثورة الرقمية لهؤلاء الأفراد نحو ما تسميه القادري "عيش اللامكان"، إذ "عززت المنصات العزلة الاجتماعية لهؤلاء وغررت بهم وأوهمتهم بإمكان العيش من خلال الاتصال بالشاشات، والانفصال عن أرض الواقع"، وتضيف "وجد كبار السن في المنصات أداة لفك العزلة الاجتماعية التي يعيشونها على أرض الواقع، وغدوا يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات، وتستنفدهم المعلومات بفعل انتقالهم بين المؤثرين والمؤثرات وصناع المحتوى، الأمر الذي عرضهم لاستغلال الخوارزميات، ذلك أنهم يتلقون المعلومات ويستمعون للمحتوى، ولا أحد يستمع إليهم كما يجب، ولا يفسح لهم المجال الفعلي لاستعراض عصارة تجربتهم".
وبينما تعد أن هؤلاء "يقضون آخر أيامهم بلا روح، وبلا معنى" تستدرك أن "المشهد يحوي تناقضاً، فهو يستبطن انفتاحاً على العالم الخارجي ويتيح لهم التواصل على نطاق واسع، ويوسع لهم الآفاق في بعض الجوانب المعرفية، ولكنه لا يخفي ذلك الشعور بالعزلة وانعدام التواصل المباشر والحميمية التي يحتاجون إليها، بفعل ازدواجية البيئة الرقمية التي تلفاها مفارقات عجيبة، فهي تمنح فرصة للاتصال مع الخارج، ولكنها في الوقت نفسه تدفع نحو التقوقع على الذات".