ملخص
استنزف الحصار الأميركي مخزونات النفط الإيراني العائمة، مهدداً أهم مصادر العملة الصعبة، فيما تتجه المصافي الصينية إلى بدائل أخرى وسط تضخم متصاعد وضغوط مالية متزايدة.
استخدمت إيران دائماً ناقلات ما يسمى "أسطول الظل" للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على تصدير النفط قبل الحرب.
وتحسباً لاحتمالات تضييق الخناق عليها، احتفظت بكميات كبيرة من النفط محمولة بحراً، ومخزنة في ناقلات ترسو في المياه الآسيوية قرب منافذ التصدير، وفي الغالب الصين، للاعتماد عليها في حال تعثر الإمداد المباشر نتيجة العقوبات.
ومنذ أن بدأت القوات الأميركية حصاراً خانقاً على إيران قبل أشهر، في إطار الحرب الحالية، وحالت دون خروج أي شحنات نفط إيرانية من الخليج عبر مضيق هرمز، استخدمت طهران ذلك المخزون البحري لتوريد النفط إلى المصافي الصينية، لكن في الأيام الأخيرة، نفد ذلك المخزون المحمول بحراً أو كاد، ولم تعد إيران قادرة على إيصال أي نفط إلى زبائنها من المصافي الصينية.
وهكذا، حرمت إيران من مليارات الدولارات من العائدات التي تمثل أهم مصدر للعملة الصعبة، وتشكل مورداً مهماً للحكومة، ويأتي ذلك في ظل إجراءات متتالية تتخذها واشنطن في إطار الضغط الأقصى على طهران، تستهدف تجفيف موارد الحكومة تماماً.
واستناداً إلى بيانات شركات معلومات الطاقة ومتابعي الشحن البحري للنفط، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريراً عن نفاد مخزونات إيران من النفط المحمول بحراً على ناقلات أسطول الظل.
وحسب تقرير الصحيفة، فإن المخزون النفطي البحري الذي مكن إيران من الصمود لأشهر لم يعد موجوداً، ولا تستطيع إعادة ملئه نتيجة الحصار البحري المشدد عليها، إضافة إلى أن أي طرق بديلة للتصدير غير كافية لتعويض خسائر إيران الناجمة عن توقف التصدير بحراً، وخلاصة التقرير أنه لا نفط إيرانياً للصين، زبونها الرئيس، نتيجة الحصار الأميركي.
خناق اقتصادي
حتى قبل الحصار العسكري الأميركي على الموانئ الإيرانية، كانت إيران تحتفظ بملايين براميل النفط مخزنة على سفن وناقلات قديمة متوقفة في المياه الآسيوية، تلجأ إلى التصدير منها حتى تتمكن من ملئها مرة أخرى.
ويقول المحللون في شركة "كبلر" إن تلك المخزونات نفدت تماماً بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
ويضيف مدير تحليلات النفط الخام في "كبلر" هومايون فلكشاهي، أنه "لم يعد هناك نفط لتوريده إلى الصين حالياً".
ويزيد هذا التراجع في إيرادات بيع النفط من مشكلات الحكومة الإيرانية التي تواجه ارتفاعاً هائلاً في معدلات التضخم ونقصاً حاداً في السلع الأساسية للمواطنين. وتقدر القيادة المركزية للقوات الأميركية أن الحصار البحري "حرم إيران من عائدات بيع نفط بنحو 25 مليار دولار في الأقل، ما يحد من قدرتها على إعادة تشغيل المصانع والتسلح".
ومع زيادة الضغط الاقتصادي على إيران ووقف تصديرها للنفط، عاد النفط غير الإيراني إلى التدفق من الخليج عبر مضيق هرمز بحماية عسكرية أميركية. وتقول الولايات المتحدة إن حجم النفط الذي يمر عبر الخليج الآن زاد على مستوياته قبل الحرب، وعلى رغم استمرار أسعار النفط مرتفعة، فإن ذلك لم يعد يفيد إيران الآن مع توقف صادراتها تماماً تقريباً.
وتبدو الصورة قاتمة الآن بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي والمالي الإيراني، كما يقول فلكشاهي، إذ تمثل عائدات مبيعات النفط ما بين 30 و40 في المئة من موارد الحكومة، وتشكل المصدر الأكبر للعملات الأجنبية. ويأتي ذلك في وقت تنهار العملة المحلية، التي فقدت ثلث قيمتها أمام الدولار منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي.
وبحسب ما قاله فلكشاهي للصحيفة، فإن "الواضح أن الرهان الأميركي هو على أن الاقتصاد إما سيدفع النظام (الإيراني) إلى طاولة المفاوضات والقبول بصفقة نووية (بالشروط الأميركية)، أو سيؤدي إلى احتجاجات داخلية لن يتمكن النظام من احتوائها".
مخزون أسطول الظل
طورت إيران ما يسمى "المخزون النفطي العائم" منذ فترة، كوسيلة للالتفاف على العقوبات، لتتمكن من بيع نفطها في آسيا، وتحديداً إلى مصافي النفط الصينية.
فبدلاً من نقل النفط مباشرة من إيران إلى الصين، وهو ما يسهل مراقبته ورصده واتخاذ إجراءات ضد انتهاك العقوبات، تقوم السفن والناقلات بحمل النفط والتوقف قبالة شواطئ ماليزيا وسنغافورة، ثم ينقل النفط من تلك السفن إلى ناقلات أخرى تحمله إلى المصافي في الصين.
ومع نجاح تلك الطريقة في الالتفاف على العقوبات، أبقت إيران على عشرات السفن والناقلات في المياه قبالة ماليزيا وسنغافورة كمخزن عائم، حيث تنقل سفن أخرى النفط منها إلى الصين، وحين تفرغ تلك السفن المتوقفة هناك، ترسل إيران شحنات إليها لملئها مجدداً.
وطبقاً لبيانات شركة "كبلر"، كان لدى إيران في مطلع فبراير (شباط) الماضي، قبل الحرب، نحو 135 مليون برميل مخزنة في الخارج، معظمها في ناقلات أسطول الظل في المياه الآسيوية قبالة ماليزيا وسنغافورة. وكانت تلك المخزونات تساوي نحو 10 مليارات دولار، أو أكثر مع ارتفاع أسعار النفط. وحين فرضت الولايات المتحدة حظراً على النفط الإيراني في أبريل (نيسان) الماضي، بدأت إيران بيع النفط من ذلك المخزون العائم، لينخفض بشدة وبسرعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحين رفعت أميركا الحظر ضمن مفاوضات تسوية في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، سارعت إيران بشحن النفط إلى تلك السفن والناقلات لبناء المخزون مجدداً، حتى فرضت أميركا الحظر مرة أخرى في منتصف يوليو الماضي.
وفي تلك الفترة، زادت إيران مخزوناتها العائمة لتصل إلى 90 مليون برميل، قبل أن تنخفض الآن إلى أقل من مليون برميل فحسب في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، طبقاً لبيانات "كبلر".
وهناك تقديرات مختلفة من مصادر عدة، لكنها تجمع كلها على أن ذلك المخزون العائم تضاءل إلى أدنى حد، وأن إيران لا تستطيع تعويضه.
وتقول المحللة في شركة "فورتكسا" إيما لي، إنه ربما يوجد في تلك السفن والناقلات نحو ستة ملايين برميل، إلا أن مصافي النفط الصينية بدأت التحول إلى مصادر أخرى للخام من البرازيل وغرب أفريقيا.
التأثير في الاقتصاد الإيراني
تتحسب الصين منذ فترة لاحتمال توقف واردات نفطية من الخليج، بما في ذلك النفط الإيراني، وبدأت المصافي الصينية تنويع مصادر النفط، إضافة إلى إفراج الحكومة في بكين عن جزء من المخزون النفطي. من ثم، لا يوجد ضرر واضح على الصينيين من غياب النفط الإيراني، إنما يقع الضرر الأكبر على إيران التي تخضع لحصار اقتصادي خانق.
وفي ظل الحصار العسكري على إيران، لا يمكن لبدائل نقل النفط أن تعوض ولو جزءاً بسيطاً من صادراتها، كما يقول المحللون في شركة "أف جي إي نكسانت إي سي أي".
ومن البدائل التي لجأت إليها إيران تحميل النفط على شاحنات ونقله عبر دول الجوار بعيداً من الخليج ومضيق هرمز، إلا أن تلك الكميات ضئيلة جداً مقارنة بالنقل البحري.
ويقول إيمان ناصري، الذي عمل سابقاً في إدارة البحوث بوزارة النفط الإيرانية، إن "تلك البدائل تعمل"، لكنها غير كافية إطلاقاً"، ويضيف "لننتظر عاماً آخر ونرى إن كان النظام سيستمر".
ويقول المحللون إن المدفوعات الصينية مقابل مبيعات النفط الإيراني غالباً ما تستغرق نحو شهرين كي تصل إلى طهران.
لذا، ربما تحصل إيران على بعض الأموال القليلة من مبيعات سابقة خلال الأسابيع المقبلة، لكن الشكوك قوية في أن يكفي ذلك لتعويض نفاد مخزون النفط العائم وتوقف التصدير إلى الصين.
إلا أن الحكومة الإيرانية تظل مصرة على أن الحصار الخانق عليها لن يدفعها إلى القبول بتنازلات كبيرة في أي اتفاق. وفي اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك قبل أيام، تحدث محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي، مؤكداً أن بلاده قادرة على تحمل الضغط الاقتصادي، وأضاف "أظهر الاقتصاد الإيراني مرونة جيدة جداً، والادعاء بأن الاقتصاد الإيراني ينهار ليس سوى مجرد وهم".