ملخص
من آلات انتشلت من تحت الركام، إلى ناي مصنوع من أنابيب المياه، وصولاً إلى أطفال يحولون صوت المسيرة إلى إيقاع موسيقي.
يتسلل خيط ضوء الشمس من فتحة أعلى الخيمة، يسقط على يد الموسيقي سهيل أبو شاويش أثناء تقليبه ما نجا من القصف، تتراكم حوله آلات انتشلها من تحت الأنقاض، كمانات بلا مفاتيح وأعواد تقطعت أوتارها النحاسية بسبب الانفجارات والردم.
يمسك آلة عود مشروخة أنقذها من تحت الأنقاض، وبملقط حديدي يسحب بقايا الأوتار النحاسية المقطوعة، ويربط مكانها أوتاراً بلاستيكية، لتعيد للخشب المكسور صوته، وبأصابعه يضرب عليها لتصدر نغمة هادئة تمتزج بأزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي تحوم في سماء غزة.
بجانب فراشه يضع العم سهيل الآلة الموسيقية، ويقول "انكسر هذا العود في الحرب، وأصلحته بمعاناة، سأحتفظ به في خيمتي وأعزف عليه كل مساء ألحاناً طربية مع النازحين في المخيم حولي، لأخفف عنهم الضغط الرهيب الذي نعيشه في أيامنا الثقيلة".
يخشى سهيل على أوتار عوده البلاستيكية الجديدة، إذ تذكر ما حدث مع الموسيقية ملاك أبو عودة التي تمسكت بعودها طوال رحلة النزوح لمواصلة تدريبها، وأبقته ملاصقاً لسريرها، حتى استيقظت ذات صباح لتجد أن الفئران قد قضمت أوتاره بالكامل.
ومع إغلاق المحال الموسيقية واختفاء قطع الغيار، توقفت ملاك عن العزف وبقي صندوقه الخشبي سالماً ينتظر وتراً، وكلما عزف العم سهيل على عوده المعطوب يحبه أكثر ويتعلق به، إذ يسعى إلى الحفاظ عليه ويعرف أنه من آخر الآلات الموسيقية في غزة، فقد حدثته العازفة هيفاء عن آلة "التشيللو" خاصتها التي التهمها الحريق، وسمع عن آلات "الفلوت" التي فقدها معلم الموسيقى أسامة جحجوح خلال الحرب.
غياب الموسيقيين
في حلقات العزف المسائية داخل خيمة العم سهيل، تغيب عن الجلسات الآلات التي لا تزال تحت الركام، وثمة موسيقيون لن يعودوا لمقاعد العزف، إذ قتل 35 موسيقياً خلال الحرب من أصل 107 موسيقيين مسجلين، بحسب بيانات وزارة الثقافة الفلسطينية.
وقع الغياب عن جلسات العزف قاس، ويعلق معلم الموسيقى أحمد أبو عمشة على خسارة زملائه الذين قضوا قائلاً "من أكثر اللحظات إيلاماً في حياتي فقدان زملائي الذين كانوا من الأكثر انضباطاً وموهبة، درسنا الغيتار معاً، لقد كانت خسارة مؤلمة للغاية لعالم الفن والموسيقى في غزة".
في الحرب، فقدت الموسيقى الكثير، إذ دمر القصف الإسرائيلي بحسب مركز "حماية لحقوق الإنسان" 97 في المئة من المراكز الثقافية، بما يشمل 32 مركزاً موسيقياً ومسرحاً، بمجمل خسائر مادية تتجاوز 17 مليون دولار، شملت قصف مرافق "مؤسسة نوى للثقافة والفنون"، وتحويل مقر "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى" في مدينة غزة إلى ركام.
وسط هذا الخراب في قطاع غزة، يدرك العم سهيل ورفاقه الموسيقيون لماذا يتحلق النازحون حول أي وتر يعزف في الخيمة، فالبيانات الصادرة عن "برنامج غزة للصحة النفسية" تكشف عن أن 30 في المئة من مجمل السكان عانوا أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة، وأن 10 في المئة ما زالوا بحاجة ماسة إلى تدخل نفسي متخصص.
مع حلول المساء، يدخل خيمة العم سهيل عشرات النازحين بينهم أطفال جميعهم متعبون وصامتون بعد نهار طويل من طوابير المياه والبحث عن الطعام، يفترشون الحصير البلاستيكي وأعينهم معلقة بحركة الأصابع على الأوتار. وما إن يبدأ الموسيقي سهيل العزف وتنطلق دندنة الأغاني التراثية والوطنية مثل "سلام لغزة" و"جنة جنة تسلم يا وطنا"، حتى تتغير ملامح الوجوه تدريجاً، يصفق الأطفال مع الإيقاع ويدندن الكبار خلف اللحن كأنهم استعادوا ولو لساعة واحدة أرواحهم.
حلقات الغناء والعزف بين الخيام تعالج عبئاً نفسياً ثقيلاً بطريقة خفيفة، إذ صارت خط دفاع أول بعدما تلقى مدربو كورال ومتطوعون تدريبات في "العلاج بالموسيقى" ليعملوا إلى جانب المختصين النفسيين في المخيمات.
يقول مدير برنامج غزة للصحة النفسية ياسر أبو جامع "الفن في سياق الحرب لم يعد ترفاً أو نشاطاً جانبياً، بل تحول إلى وسيلة إنقاذ نفسي تمنح الناجين داخل الخيام مساحة آمنة لإخراج المشاعر المكبوتة والبقاء متماسكين قبل الوصول إلى حافة الانهيار".
معهد الخيام
ذلك "الإنقاذ النفسي" الذي تمنحه الموسيقى للنازحين في خيمة العم سهيل، احتاجه المعلمون أنفسهم قبل أن يقدموه لغيرهم في الخيام، فحين قصف مقر "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى"، الذي كان يحتضن أكثر من 500 طالب وطالبة انهارت جدرانه على عشرات الآلات النادرة والكتب التاريخية، واختفى من بين أنقاضه "البيانو الكبير".
دخل أستاذ آلة العود رئيس قسم الموسيقى العربية بالمعهد إسماعيل داود في اكتئاب حاد جعله يخاصم العزف لأشهر طويلة، يقول "كل شيء قصف ودمر، طوال الأشهر السبعة الأولى من الحرب، لم أسمع الموسيقى ولم أعزفها، لكن في مايو (أيار) عام 2024 أخبرني زميلي أحمد أبو عمشة أن المعهد يريد إحياء الأنشطة الموسيقية في غزة".
من داخل خيمة في مخيمات مواصي خان يونس، بدأ داود وأبو عمشة أولى جلسات العزف مع الأطفال النازحين، في الأيام الأولى خرجت الألحان من الخيمة بطيئة ومثقلة بالحزن والتردد تحت دوي القصف، قبل أن تتمدد المبادرة إلى خيام بلاستيكية في شارع الجلاء بمدينة غزة، وأخرى على شاطئ بحر النصيرات، وصولاً إلى زيارات للمستشفيات للعزف للأطفال الجرحى.
يضيف داود "الموسيقيون ما زالوا باقين، نحن قادرون على صنع معهد موسيقي في أي مكان في غزة، ومن أي شيء، الآلة الموسيقية تمثل روح العازف ولأن الموسيقى بصيص أمل يتمسك به جميع أطفالنا وشعبنا في الظلام، نعقد جلسات موسيقية تخفف عن النازحين".
في هذه الخيام، تغيرت وظيفة التعليم الموسيقي، يقول المدير العام للمعهد سهيل خوري "بتنا نعتمد على الانتشار الأفقي للموسيقى، أي الوصول إلى أكبر عدد من النازحين لمنحهم مساحة للغناء والتنفس والحزن الجماعي".
لكن هذا الانتشار اصطدم بنقص حاد في المعلمين والآلات، إذ يقطع المدرسون ساعات طويلة سيراً بين الطرق المليئة بالركام للوصول إلى الخيام، حيث لا يتوفر في بعض المراكز سوى معلمين اثنين لكل 20 طالباً.
أمام هذا العجز، تحول الطلاب القدامى إلى مدربين، ومنهم الفتى محمد خضر، يقول "الموارد محدودة للغاية وتتركز الأنشطة على الجوقات، وكلما شعرت بالتوتر أو الضيق، ألجأ إلى الموسيقى لأنها تهدئ أعصابي وتمنحني شعوراً بالسلام، أشعر أنني أنتمي للموسيقى كما تنتمي هي لي، ووقوفي عازفاً أمام النازحين يعني لي أني أقدم مهمة تخفف عنهم ويلاتهم".
موسيقى الخردة
عبارة داود عن صنع الموسيقى "من أي شيء" لم تكن مجازاً، فمع توافد مئات الأطفال إلى خيام جلسات الموسيقى وندرة الآلات الناجية، أخذ المعلم أحمد أبو عمشة يفتش عما يصلح لإصدار نغمة أو إيقاع.
ابتلع الركام استوديو أبو عمشة بكل آلاته وتسجيلاته ونزح أكثر من 15 مرة متنقلاً بين شمال القطاع وخان يونس وبحر الزوايدة، قضى أشهراً وهو يشتري من النازحين ما تبقى لديهم من آلات محطمة، يفكك خشبها المتصدع ويختبر صوتها ليعيدها للحياة، كما يفعل العم سهيل.
وحين لم تكف الآلات، التقط أبو عمشة أنابيب المياه البلاستيكية الملقاة قرب المخيم، وقصها بمقاييس محددة ثم ثقبها وجرب درجاتها الصوتية، ليصنع منها آلات نفخ بديلة تحاكي آلة "الناي" التراثية التي يعزف عليها وسط حلقات النازحين.
يمسك أبو عمشة غيتاره المرمم متجولاً بين الخيام، ويقول "الدمار يحاول إقناعي بأن كل شيء قد انتهى، لكنني أدركت أن الاستوديو يمكن تدميره، أما الموسيقى التي بداخلي فلا يمكن تدميرها، غزة تحتاج إلى إعادة بناء البشر كما نعيد بناء الحجر والأطفال هم نقطة البداية في عملية الإعمار، وأرى أن الموسيقى هي هذا الباب".
استخدم أبو عمشة أوعية طوابير المياه وعلب المساعدات الغذائية محل الطبول والدربكة الشرقية المفقودة، يعلق المنتج الموسيقي ومنسق أنشطة المعهد فؤاد خضر قائلاً "بعض الآلات القليلة التي اشتراها المعلمون من نازحين آخرين تحطمت مجدداً في القصف، بسبب شح الإمكانات ابتكر المدربون أدوات فنية بديلة واستبدلنا الآلات الإيقاعية المفقودة بغالونات المياه للتخفيف عن الأطفال".
داخل خيمة في مخيم النصيرات وسط القطاع، يضع معلم الموسيقى أشرف نواجحة دلواً بلاستيكياً أمام كل طفل يجلس في حلقة الموسيقى، ويسلم كلاً منهم عصوين خشبيتين.
يبدأ الأطفال بالضرب على الغالون بإيقاع جماعي متناغم، يفرغون مع كل طرقة شحنات الخوف والتوتر المحتبسة في أجسادهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غناء الزنانة
مهما علا إيقاع الدلاء البلاستيكية ونفخ الأنابيب داخل الخيمة، يظل صوت أزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية يخترق رؤوس العازفين، يقول المعلم أحمد أبو عمشة "عندما نعزف، لا نجد مكاناً هادئاً بسبب الضجيج، فنحاول أن نعزل أنفسنا في خيمة حتى نتمكن من العزف والاستراحة".
في إحدى جلسات الموسيقى، اشتد أزيز الطائرات المسيرة في السماء حتى شتت تركيز الأطفال، فتوقفوا عن الغناء وقالوا "يا أستاذ، نشعر بصداع شديد من هذا الضجيج، هل يمكننا إيقاف الموسيقى؟".
رفض أبو عمشة إنهاء الجلسة، ورد "لن نتوقف، سنغني، وسنغني مع هذا الصوت، سنحول أسوأ صوت في هذه الحرب إلى شيء جميل"، أنصت المعلم لثوان إلى صوت الطائرة في الجو، ولقط طبقتها الصوتية على أوتار غيتاره، ثم أشار للأطفال ليغنوا معاً على الطبقة نفسها فوق تردد الطائرة.
من ذلك التمرين خرجت "أغنية الزنانة"، التي انتشرت من مخيمات غزة إلى العالم وأعاد موسيقيون مثل ثنائي "ترينيكس" الفرنسي توزيعها تضامناً مع أطفال القطاع.
في الحلقة، يرتفع صوت الطفلة فاطمة مع الجوقة فوق ضجيج الطائرة، وتقول "ساعدتني الموسيقى على نسيان الخوف، في كل مرة أغني فيها أشعر أنني أبتعد من الأصوات التي ترعبني، وصرت أقدر على تمالك نفسي". وتلتقط زميلتها سارة الشعور ذاته قائلة "عندما غنينا مع بقية الأطفال، شعرت أن الضيق بداخلي بدأ يختفي، وأن قلبي يصبح أخف".
أوتار النجاة
في الواقع، إلى جانب الغناء الجماعي، فإن نازحين آخرين يلوذون بآلة يعزفون عليها فرادى داخل خيامهم، ففي خيمة منصوبة بمدرسة "ذكور الشاطئ"، تقبض الفتاة ملك التلمس على غيتارها، تعزف باستمرار وفي أي وقت تشعر أنها محتاجة إلى تفريغ همومها، وتقول "أبادت غارة إسرائيلية عائلتي بالكامل، وعرفت بالخبر وأنا على سرير المستشفى، وجدت حينها نفسي مسؤولة عن رعاية أختي الناجية، ومنذ تلك اللحظة أصبحت أوتار الغيتار طريقتي في مواساة نفسي".
وعلى كرسيه المتحرك، يتنقل المطرب عبدالله نطط بصوته بين أروقة المستشفيات وحلقات الأطفال النازحين مؤدياً مقاطع طربية وشعبية، ويقول "بترت قدماي الاثنتان وفقدت أمي وشقيقي في الحرب، أرفض أن يراني الناس مصاب حرب، وأطمح لأن ينظروا إلي كمطرب له صوت يعجبهم".
بين خيمة وأخرى، تتبدل الألحان تبعاً لأعمار الجالسين، ففي خيام خان يونس يعزف الموسيقي حسام قاسم ألحاناً هادئة للعائلات، وتجمع عازفة العود رؤى حسونة أطفال المخيم حولها بالقرب من رفح، بينما يردد عدي في خيمته أغنية "أعطونا الطفولة... أعطونا السلام".
تنظيم العاطفة
خلف هذه الألحان التي تتردد بين الخيام، يعلق المختص في الصحة النفسية أحمد منصور "الصوت والإيقاع يعملان مباشرة على تنظيم العاطفة وتهدئة الجهاز العصبي لدى الطفل الذي يعيش تحت ضغط مستمر، فيمنحاه تفريغاً انفعالياً يكسر العزلة والقلق واضطرابات النوم"، ويضيف منصور "الغناء الجماعي يعيد بناء الشعور بالانتماء والتوازن النفسي، لا سيما لدى الأطفال الذين فقدوا أحد أفراد أسرهم أو عاشوا صدمة النزوح المتكرر، يجب دمج هذه الأنشطة الموسيقية في مراكز الإيواء والمدارس وإشراك الأسر فيها".