Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد فوزي... بساطة الفن وتعقيده

سبق عصره بموسيقاه وقدم تجربة فريدة للأطفال ولحن النشيد الوطني الجزائري ونقاد يطالبون بإعادة تقييم مشروعه الفني المتكامل

عد النقاد والموسيقيون محمد فوزي من أهم المجددين في الموسيقى الشرقية (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

تمر هذا العام الذكرى الـ60 لرحيل الفنان محمد فوزي الذي جدد الموسيقى الشرقية في وقت كانت تعتمد على التطريب وهو أول من قدم الأغنية الخفيفة التي تطورت لاحقاً، وأنشأ أول شركة للأسطوانات في الشرق الأوسط، وتجربته مع الغناء للأطفال لا تزال حاضرة.

جسّد الفنان المصري الراحل محمد فوزي توليفة فريدة من نوعها فهو موسيقي من طراز رفيع، ويعد من أهم المجددين في مجال الموسيقى الشرقية، وهو أيضاً مطرب عذب الصوت، وممثل ذو حضور طاغٍ على شاشات السينما، وإلى جانب التركيبة الفنية امتلك عقلية اقتصادية ساعدته على أن يكون منتجاً سينمائياً من الأكثر نجاحاً، إذ أنتج أفلاماً من أبرز إنتاجات السينما المصرية في الأربعينيات والخمسينيات، وأنشأ وأدار أول شركة للأسطوانات من نوعها في الشرق الأوسط.

ولد محمد فوزي في طنطا (شمالي القاهرة) عام 1918، لعائلة كبيرة تضم كثيراً من الإخوة والأخوات من بينهم شقيقته الفنانة الراحلة هدى سلطان، وخلال دراسته الابتدائية بدأت موهبته تظهر في التلحين والغناء، فغنى في الأفراح والموالد التي كانت تشهدها المدينة. لاحقاً، التحق بمعهد الموسيقى في القاهرة لتبدأ مسيرته الفنية في الانطلاق من العاصمة التي كانت تشهد حراكاً فنياً كبيراً في هذه المرحلة على مستوى الفنون المختلفة، مثل الغناء والموسيقى والسينما، فتعرّف على الموسيقيين والفنانين، وعمل في صالة بديعة مصابني، التي مثلت انطلاقة لكثير من الفنانين في هذه الحقبة، وبدأ في الغناء وتلحين الأغاني والاسكتشات.

عندما كان في الـ20 من عمره تقدّم لامتحان الإذاعة فنجح ملحناً ورسب مطرباً، إذ كان اللون الذي يغنيه غير مألوف أو معتاد في هذه الفترة، ومع بدايات الأربعينيات عمل في فرقة فاطمة رشدي ممثلاً ومغنياً، ليبدأ نجاحه، ويصبح واحداً من أهم فناني زمن الفن الجميل في مصر.

توظيف الأغنية سينمائياً

كان فوزي رائداً ليس فقط في التجديد وتقديم الأغنيات الخفيفة، لكنه أول نجم يهتم بتقديم أغنيات للأطفال، وهو أول من قدم الأغنية الفرانكو آراب، مثل أغنياته الشهيرة "فطومة" و"يا مصطفى يا مصطفى"، وهو أول من قدم فيلماً عربياً بالألوان، وأول من أنشأ شركة وطنية للأسطوانات الموسيقية بعدما كان الاعتماد على الأجانب، ويمكن اعتباره أول من طبق حق الأداء العلني، إذ كان يمنح المتعاقدين مع الشركة نسبة من المبيعات، وهو من أوائل الفنانين الذين اتجهوا للإنتاج، إذ أنشأ شركة محمد فوزي للإنتاج عام 1947.

حتى اليوم، يذكر الناس أغنيات محمد فوزي، أشهرها "مال القمر ماله، وحبيبي وعنيه، اللي يهواك أهواه، يا جميل ياللي هنا، ليا عشم وياك يا جميل، تعب الهوى قلبي، وطير بينا يا قلبي"، ويعدها النقاد نقلة نوعية في مجال الموسيقى الشرقية ذهبت بها إلى آفاق جديدة بعيداً من التقليدية.

 

يقول الناقد والمؤرخ الفني محمد شوقي، "كان محمد فوزي موسيقاراً مجدداً واستثنائياً في وقت كان السائد هو الغناء التطريبي لملحنين مثل محمد القصبجي، ومحمد عبدالوهاب وزكريا أحمد وغيرهم، ورغم ما لبعضهم من محاولات للتجديد فإن محمد فوزي سلك مسلكاً مختلفاً وقدم شيئاً جديداً على الموسيقى الشرقية، معظم أغنياته التي حققت نجاحاً ساحقاً كانت سينمائية، فهو عرف موطن قوته، وأدرك أنه لن يبرع في الغناء على المسارح، مثل محمد عبدالوهاب على سبيل المثال في هذا العصر، ولن يكتفي بالتلحين، وفعلاً نجح بصورة كاملة في هذه المنطقة التي برع فيها بجدارة، فهو من أفضل من قدم الأوبريت السينمائي والصورة الغنائية السينمائية، وكانت نقطة انطلاقته الأولى في عالم السينما عندما اكتشفه يوسف وهبي، وأسند إليه دوراً في فيلم "سيف الجلاد" عام 1944 فلمع نجمه سريعاً، وأصبح من أهم نجوم السينما".

يضيف شوقي، "بعد أعوام قليلة ومع حلول عام 1947 أسس محمد فوزي شركته للإنتاج التي عرفت بأفلام محمد فوزي، وقدم فيلم (العقل في إجازة) الذي كان أول إنتاج له، وأول إخراج للمخرج حلمي رفلة، وأول بطولة لشادية التي أثر محمد فوزي كثيراً في مسيرتها لتتوالى أعماله، وتحقق نجاحاً كبيراً سواء في السينما أو التلحين والغناء".

أغاني الأطفال التي لم تكبر

ربما لا يوجد طفل في العالم العربي وليس في مصر وحدها منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا لم يسمع أغنيات "ماما زمانها جايه"، و"ذهب الليل وطلع الفجر" الحاضرتين بقوة عندما تذكر أشهر أغاني الأطفال.

يروي الكاتب أشرف عبدالشافي، في كتابه "يا جميل ياللي هنا"، أن محمد فوزي حكى في أحد حواراته أنه كان في ألمانيا، وسمع ضحكة طفل مسجلة على أسطوانة خطفت روحه، ودفعته إلى سماعها عشرات المرات، فعاد للقاهرة وهو مصمم على صناعة غنوة للأطفال تحمل هذه الضحكة، فكانت أغنية "ماما زمانها جاية"، ووضع الضحكة على اللحن، ولم يتبق سوى التسجيل، ونشر إعلاناً وجاءه أكثر من 100 طفل لتسجيل ضحكاتهم، لكنه لم يجد مثل تلك الضحكة التي عاد بها على الأسطوانة من ألمانيا فقرر استخدامها، وكان الأمر شديد الصعوبة، لأنه تعامل معها كنغمة داخل اللحن.

 

يقول الناقد محمد شوقي، "في هذا الزمن لم يهتم كبار المطربين الموجودين على الساحة بتقديم أغنيات للأطفال باستثناء شادية التي قدمت لاحقاً بعض الأغنيات في سياق درامي لأفلامها، لكن فوزي اهتم بهذا المجال، لأنه كان يحب دائماً أن يكون مختلفاً وتجربته مع أغاني الأطفال كانت شديدة التميز، والدليل أن الأغنيات لا تزال باقية حتى يومنا هذا، ويعرفها الكبار والصغار، ولم تقتصر تجربته في أغاني الأطفال على ماما زمانها جايه، وذهب الليل الأكثر شهرة، إنما قدم محمد فوزي مجموعة متنوعة من أغنيات للأطفال".

يتابع شوقي، "نجح فوزي في أغاني الأطفال، لأنه بطبيعة شخصيته كان شخصاً مرحاً ومبهجاً وخفيف الظل، ويظهر هذا حتى في أغانيه للكبار، فأغنياته وألحانه دائماً يصاحبها شعور بالبهجة، ونادراً ما نجد له أغنية حزينة طوال مسيرته الفنية".

أغنية لكل مناسبة

وصف الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب الفنان محمد فوزي بأن ألحانه بسيطة لدرجة التعقيد، خفيفة تمس المشاعر بلا انتظار لترجمة معانيها، كالرصاصة تبهر الموسيقيين الجدد ليعيدوا توزيعها، فهو الفنان الذي كان سابقاً لعصره بما قدمه من موسيقي وألحان وإبداع في الطرب.

وعلى مدار مسيرته الفنية قدّم محمد فوزي نحو 400 لحن ما بين أغنيات لحنها لنفسه أو لأغلب مطربي ومطربات العصر بعض منها أصبح علامات فارقة في مسيرتهم الفنية، وعلى الرغم من أنه يصنف واحداً من أهم الملحنين فإنه قدم تجربة غير مسبوقة إذ قدم أغنية "طمني" في فيلم "معجزة السماء" من دون أي آلات موسيقية، إنما اعتمد فقط على الكورس، وهو أسلوب يطلق عليه الموسيقيون "أكابيلا"، وكان ينفذ للمرة الأولى في العالم العربي، وقدم 36 فيلماً من أشهرها "الآنسة ماما، ورد الغرام، دايماً معاك، مجد ودموع"، مع أغلب بطلات السينما مثل فاتن حمامة، وليلى مراد، وشادية، وصباح، وليلى فوزي، ومديحة يسري التي كانت زوجته وجمعتهما سبعة أعمال سينمائية من بينها "فاطمة وماريكا وراشيل، آه من حواء، معجزة السماء، من أين لك هذا".

 

وغنّى محمد فوزي لكل المناسبات فللأفراح وحفلات الزواج غنى "يا ولاد بلدنا يوم الخميس هكتب كتابي وأبقى عريس"، ولاحتفالات أعياد الميلاد "يا نور جديد في يوم سعيد ده عيد ميلادك أحلى عيد"، ولشهر رمضان قدم للأطفال واحدة من أشهر الأغنيات "هاتوا الفوانيس يا ولاد"، ولم ينفصل عن المناسبات الدينية فغنى للحج "إلهي ما أعدلك مليك كل من ملك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك".

ثورة يوليو... محطة فارقة

يتداول الناس معلومات مفادها أن محمد فوزي لم يكن من المؤيدين لثورة يوليو (تموز) 1952 بعد قيامها، وأنه لم يوطد علاقته بالنظام الجديد كما فعل غيره، ولهذا جرى التضييق عليه ولم يعد نشاطه بمثل حقبة ما قبل الثورة، باعتبار أنه منذ بدايته وحتى عام 1951 قدم 26 فيلماً من مجمل أعماله، ولم يقدم سوى 10 أعمال فقط حتى رحل، ويشار إلى تأميم شركته للأسطوانات "مصر فون" التي أسسها في الخمسينيات، استجابة للتوجه الذي كان سائداً لتكون أول شركة في العالم العربي لإنتاج الأسطوانات، وكانت توفر أسطوانات غير قابلة للكسر بسعر 35 قرشاً، في حين أن الشركات الأجنبية كانت تبيعها بنحو 90 قرشاً، وافتتحها وزير الصناعة عزيز صدقي، وأنتجت الشركة أسطوانات لكبار المطربين، وعلى رأسهم أم كلثوم، ويذهب البعض إلى أن قرار تأميم شركته أثر عليه كثيراً، وتسبب في مرضه الذي أودى به في سن مبكرة نسبياً.

عن علاقة محمد فوزي بثورة يوليو يقول شوقي "هذا كلام متداول بالفعل، وبخاصة في الفترة الأخيرة مع انتشار السوشيال ميديا، لكن الحقيقة أنه ليس له أساس من الصحة، محمد فوزي كان داعماً لثورة يوليو منذ بداياتها، وغنى لها 13 أغنية، وذكر فيها جمال عبدالناصر صراحة، وساند اللواء محمد نجيب مثل كل فناني الأمة العربية حينها، ولاحقاً تبرع بـ5 آلاف جنيه لدعم المجهود الحربي وإعادة بناء مدن القناة بعد العدوان الثلاثي عام 1956، وشارك في قطار الرحمة الذي كان يجوب المحافظات لجمع التبرعات للمجهود الحربي، حتى إنه قدّم أغنية للأطفال تدعم الثورة بعنوان (كان وإن) فكل ما يقال ليس له أي أساس من الصحة". مؤكداً أن "تأميم شركته كان ضمن آلاف الشركات التي جرى تأميمها في هذه الفترة، وكان هذا عام 1961 أي بعد أعوام من قيام الثورة، وهناك تسجيل صوتي موجود وموثق يشكر فيه محمد فوزي جمال عبدالناصر بعد صدور قرار لسفره وعلاجه على نفقة الدولة في أيام مرضه الأخير".

يضيف شوقي، "ما يقال عن أن محمد فوزي قلّ نشاطه، وكانت نجاحاته أقل بعد ثورة يوليو، فهذا أمر له تفسيرات أخرى، فوزي كان نجم الفيلم الغنائي بلا منازع في فترة الأربعينيات التي حقق فيها أكبر نجاحاته، لكن في حقبة الخمسينيات ظهر عبدالحليم حافظ، وبزغ نجمه، وحققت أفلامه الغنائية في هذه الفترة نجاحاً طاغياً، وكانت في المقدمة، كما أنه في هذه الفترة انشغل بإدارة شركة الإنتاج والأسطوانات فقل نشاطه السينمائي بالفعل، لكنه بقي بنفس القوة ملحناً ومطرباً، فالأمر ليس له علاقة بثورة يوليو كما يتردد، لكنها التغيرات التي حدثت على الساحة الفنية في عقد الخمسينيات، الذي كان من أكثر الفترات الفنية ازدهاراً، كما أن هناك جانباً مرتبطاً بشخصية فوزي وعدم إقباله على الصراعات والمنافسات الفنية".

 

لم ينفصل محمد فوزي عن التوجه القومي الذي كان سائداً بعد ثورة يوليو، فقدم أغنيات وألحاناً ترتبط بهذا السياق من بينها "يا وادي النيل يا غالي" دعماً لوحدة مصر والسودان وبناء السد العالي، وغنى للعراق "تحية يا ابنة الرشيد"، وغنى "علم الثوار" احتفاء بالوحدة بين مصر وسوريا، ودعماً للشعوب الأفريقية في نضالها ضد الاستعمار غنى "إفريقيا شعبك حر".

ولحن محمد فوزي النشيد الوطني الجزائري "قسماً" الذي لا يزال معتمداً حتى اليوم، الذي كتبه شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا عام 1956، ولم يتقاضَ فوزي أجراً عن تلحين النشيد، إنما اعتبره هدية للثورة الجزائرية، وقد كرمت الجزائر محمد فوزي في مناسبات عديدة، حيث جرى منحه وسام الاستحقاق الوطني، وأطلق اسمه على معهد الموسيقى في الجزائر.

رحل محمد فوزي في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) 1966 بعد صراع مع المرض تاركاً إرثاً فنياً كبيراً على مستوى الغناء والسينما والتلحين يستحق الاحتفاء بصور مختلفة تهدف بصورة خاصة لتعريف الأجيال الجديدة بفنان مصري اعتبر أول من قدم الأغنية الخفيفة التي تطورت لاحقاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفق رؤية المؤرخ الفني "بعد عشرات الأعوام على رحيل محمد فوزي فإنه لم يأخذ حقه في التكريم، وهناك حاجة ماسة إلى إعادة تقييم مشروعه الفني المتكامل بصورة جديدة فيتم دراسة تجربته الموسيقية وأعماله السينمائية وسيرته بوصفه مجدداً في الموسيقى الشرقية ومكتشفاً للنجوم".

يضيف شوقي، "من اللافت والجدير بالذكر عند الحديث عن محمد فوزي هو أنه لم يذكر له مشكلات أو أزمات مع أي فنان، إنما كان محباً للجميع، ولم يهتم بصراعات المنافسة التي تسود بين الفنانين، بل على العكس تماماً كان حريصاً على مساعدة زملائه، وكان يرشحهم في كثير من الأعمال حتى إنه هو من قدم بليغ حمدي لأم كلثوم، وهو من جاء بمحمد الموجي ليلحن أغنيات في أفلام من إنتاج شركته، الخلاف الوحيد في حياة محمد فوزي كان مع محمد عبدالوهاب عندما أراد فوزي أن يقدم أغنية (ناصر) التي غناها عبدالوهاب على أسطوانات شركته، وكان هناك اعتراض من عبدالوهاب، يؤكد هذا من جانب آخر على دعم فوزي لثورة يوليو ورغبته توزيع أغانيها عبر شركته وينفي عنه ما يقال من عدم دعمه لها".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون