Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رشدي أباظة... كاريزما السينما المصرية

قدم نحو 170 فيلماً جمعت بين الرومانسي والكوميدي والأكشن وقدّم أدواراً تنوّعت بين الأرستقراطي وابن البلد الشعبي وهذه أسباب إخفاقه في الوصول إلى العالمية

دخل رشدي أباظة مجال الفن مصادفة وكانت له محاولات في الوصول إلى العالمية لم تنجح (مواقع التواصل)

ملخص

يرى نقاد وفنانون أن رشدي أباظة لم يحظ بالتكريم المناسب، وأن تاريخه يستحق الاحتفاء بصورة أكبر، ويعدون مئوية ميلاده هي فرصة لاستعادة تاريخه الفني الذي لا يزال حاضراً على المستوى الشعبي، وأن هذا العام يمكن أن تنظّم فعاليات مختلفة على مستوى المؤسسات المعنية بالفن والمهرجانات التي يعد واحداً من أدوارها هو الإبقاء على ذاكرة الفن المصري حية وتقديم أبطالها للجمهور في مناسبات مختلفة.

بين نجوم كثر مرّوا على شاشة السينما المصرية منذ بداياتها وحتى اليوم، حاز الفنان رشدي أباظة مكانة فريدة لم يماثله فيها أحد، فحتى اليوم بعد رحيله بنحو 40 عاماً بقي في الأذهان رمز الرجولة والوسامة والجاذبية، وجان السينما المصرية على مدار عقود.

تحلّ هذا الشهر مئوية ميلاد رشدي أباظة، الذي ولد في أغسطس (آب) عام 1926 لأب مصري كان ضابطاً ينتمي إلى واحدة من العائلات المصرية العريقة وأم إيطالية، ليمثل مزيجاً بين الشرق والغرب انعكس عليه بصورة كبيرة في مسيرته اللاحقة. لم يدم الزواج طويلاً إذ انفصلا وتربى رشدي بينهما حتى التحق بمدرسة سان مارك الداخلية في الإسكندرية، موزعاً إجازاته بين أمه وأبيه الذي اعترض لاحقاً بشدة على عمل نجله ابن العائلة الكبيرة في السينما.

تمرّد رشدي أباظة على تقاليد العائلة وكذلك على وسامته التي كان من الممكن أن تضعه في قالب واحد من الأدوار، وهو فتى الشاشة الرومانسي، فرصيده الفني الذي يضم نحو 170 فيلماً جمع بين الرومانسي والكوميدي والأكشن، وقدّم أدواراً تنوعت بين الأرستقراطي وابن البلد الشعبي، وكل ما بينهما من فئات المجتمع في فترة عدّت العصر الذهبي للسينما المصرية.

الرجل الأول سينمائياً

عن بدايات رشدي أباظة في السينما يقول الناقد الفني أشرف غريب، "من المفارقات أن مكتشف رشدي أباظة هو المخرج كمال بركات، الذي كان مخرجاً عابراً ليس له أثر واضح في السينما المصرية، فلم يخرج سوى فيلمين فقط، وكلاهما لم يحقق نجاحاً، لكن يعود إليه الفضل في أنه هو من دفع رشدي أباظة للعمل في السينما، بعدما تعرّف عليه في واحدة من صالات البلياردو عام 1948، ووجد أن شخصيته ومواصفاته الشكلية تؤهله للعمل في السينما التي اتجه إليها رشدي أباظة على سبيل المغامرة والتجربة، إذ لم يكن يخطط لهذا الأمر على الإطلاق، لكن كان لديه ميل للشهرة، ولفت الانتباه فجرّب الرياضة وسباقات الخيل وغيرها، لكن لم يكن له توجه واضح أو هدف محدد يسعى إلى تحقيقه".

يضيف غريب، "كان أول فيلم شارك فيه رشدي أباظة هو (المليونيرة الصغيرة) مع فاتن حمامة، ولم يحقق نجاحاً يذكر، ومع بدايات الخمسينيات قدّم مجموعة من الأفلام لم يكن بطلها الأول، لكنها حققت نجاحاً كبيراً مثل (جعلوني مجرماً، والأسطى حسن) وغيرهما، لاحقاً آمن بموهبته المخرج عز الدين ذو الفقار الذي يعد سبباً أساساً في نجاحه، فبدأ يقدمه في أدوار حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً مثل أفلام (إني راحلة، وطريق الأمل، وامرأة في الطريق، وردّ قلبي)، حتى توطد وضعه وثقلت موهبته، وهنا أنتج له عام 1959 فيلم (الرجل الثاني) كأول بطولة مطلقة بعد نحو 10 أعوام من بداياته في السينما".

وفي تقدير غريب أن رشدي أباظة بعد فيلم الرجل الثاني "أصبح الرجل الأول في السينما المصرية، بوصفه ممثلاً ذا ثقل، وتوالت الأعمال من بطولته مثل (ملاك وشيطان، والزوجة 13، وطريق الشيطان، وتمر حنة، وصراع في النيل) وغيرها من أدواره التي أصبحت علامات في تاريخه وتاريخ السينما المصرية، وفي مرحلة عمرية لاحقة خلال السبعينيات قدم أعمالاً تتناسب مع عمره مثل (عالم عيال عيال، وحكايتي مع الزمان)، وحتى عمله الأخير فيلم (الأقوياء) الذي توفي في أثناء تصويره، وقد جمع رشدي أباظة بين قوالب مختلفة مثل الكوميدي والأكشن والتراجيدي وأجادها جميعها وقدمها باقتدار، وقليلون من نجحوا في هذا".

 

مقومات عدة كان يمتلكها رشدي أباظة كانت من الممكن أن تؤهله للسينما العالمية فهو الممثل الوسيم الذي يجيد خمس لغات: الإنجليزية والإيطالية والإسبانية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، وبالفعل كانت له محاولات على رأسها مشاركته في فيلم (الوصايا العشر) للمخرج العالمي سيسيل ديميل عام 1956، وقد كان رشدي أباظة هو المرشح الأساس لفيلم لورانس العرب الذي أدى بطولته لاحقاً عمر الشريف، وكان يمثل انطلاقته للسينما العالمية.

عن هذا الشأن يقول غريب، "في عام 1950 ومع بداياته في السينما، سافر رشدي أباظة إلى إيطاليا، وحاول العمل في السينما هناك، وعلى رغم مؤهلاته وإتقانه اللغة الإيطالية فإنه فشل ولم تنجح التجربة، وعاد إلى مصر، وكان بالفعل هو المرشح الأول لفيلم لورانس العرب قبل عمر الشريف، وعندما طلب المخرج مقابلته وإجراء اختبار له رفض الأمر رفضاً قاطعاً، وشعر أنه انتقاص من مقداره ومكانته، لذا فشل الأمر وذهب الدور إلى عمر الشريف، الذي كان يسعى نحو العالمية، ويضعها هدفاً أمامه يسعى إليه بكل الطرق".

يتابع غريب، "هناك أسباب أخرى تتعلق بشخصية رشدي أباظة جعلت توجهه للعالمية يفشل على رغم امتلاكه المقومات، من بينها سمات في طبيعته الشخصية، إذ لم يكن لديه خطط واضحة في مسيرته الفنية، ولا يضع أهدافاً محددة، ولم يكن له نفس طويل في أي شيء حتى في العلاقات الشخصية، فتزوج وانفصل أكثر من مرة، ولم يكن لديه الصبر سواء في العمل أو في حياته الخاصة، وهي سمات شخصية يختلف فيها الناس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقب الدونجوان الذي صاحب رشدي أباظة في رحلته السينمائية ارتبط بالحقيقة، فقد تعددت علاقاته على مدار الأعوام، ودخل في أكثر من تجربة زواج فتزوج من تحية كاريوكا، ومن سيدة أميركية أنجب منها ابنته الوحيدة قسمت، وقبل رحيله تزوج من ابنة عمه نبيلة أباظة، إلا أن الزيجة الأشهر والأطول في تاريخه كانت من الفنانة سامية جمال، إذ استمرت نحو 17 عاماً على رغم مرورها بكثير من الأزمات، أشهرها على الإطلاق زواجه القصير من الفنانة صباح الذي أثار كثيراً من المشكلات حينها، لكن سامية جمال كانت المرحلة الأكثر استقراراً في حياته، فهي تقريباً تركت الفن واعتزلت الرقص بعد زواجها من رشدي أباظة ورعت ابنته قسمت، وكانت لها بمثابة الأم، لكن بالنهاية انتهى الزواج بالانفصال عام 1977، وقد قال عنها رشدي أباظة في حوارات صحافية إنها كانت زوجة مثالية، تحملته لأعوام طويلة.

سارق الكاميرا

على مدار نحو ثلاثة عقود كان رشدي أباظة فتى الشاشة والدنجوان، كما أطلق عليه، ورمز الوسامة والرجولة ومضرب المثل، ويمكن القول إنه منذ رحيله عن 53 سنة في عام 1980 لم يملأ أحد هذا المكان الذي بقي شاغراً في السينما المصرية فلا يزال رشدي أباظة مثال الرجولة والوسامة، يدفع هذا للتساؤل عن الأسباب، فلماذا لم يظهر نجم جديد يملأ هذه المنطقة في السينما المصرية ولماذا يمكن القول إنه لم ينجح أحد في هذه المنطقة على رغم مرور عشرات النجوم على السينما المصرية خلال العقود الأخيرة.

وفق رؤية الناقد أشرف غريب "المرحلة الزمنية والسياق الزمني لظهور رشدي أباظة كانت مصر بصورة عامة بها حالة من الفتوة على كافة المستويات ومنها الوضع السياسي الذي صاحب الحالة السائدة بعد ثورة يوليو (تموز) 1952، وانعكس على كل المجالات، ومنها السينما فكان الأبطال أقوياء وذوي عضلات مثل فريد شوقي وأحمد رمزي ورشدي أباظة، وكانت النجمات شديدات الجمال والأنوثة فصورة النجم كانت ضمن سياق عام متماش معها".

يضيف، "السياق الزمني له اعتبار كبير، فالمجتمع كله تغير وصورة البطل ذاتها تغيرت، الأناقة والوسامة والسلوك الرفيع ربما لم تعد هي معايير الرجولة من الأساس في زمننا هذا وجرى استبدالها بمعايير أخرى تتعلق بالقوة والعنف والصوت العالي مثلما نرى جانباً كبيراً من نجوم السينما حالياً، فتقدير الناس للجمال ولصورة البطل في السينما في الرجال والنساء اختلف، لكن المؤكد أن رشدي أباظة احتل هذه المكانة على مدار نحو 30 عاماً متصلة هي عمره الفني ولا يزال يحتلها حتى بعد رحيله".

في تصريح للفنانة فاتن حمامة قالت إنّ أي ممثل يشعر بالقلق من التمثيل مع رشدي أباظة، لأنه قادر على سرقة الكاميرا من أي ممثل حتى لو ظهر في الكادر بظهره، وقال عنه الفنان أحمد رمزي إن داخله خلطة تجمع ابن الباشا مع ابن البلد، وهذا شيء نادر.

 

وبالفعل فإن الأعمال التي قدمها رشدي أباظة سواء أدوار صغيرة أو بطولات مطلقة كان له حضور طاغ وكاريزما لا تتوافر إلا لقليل من الفنانين وقد اختير 12 فيلماً من أعماله ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، ومن بينها بالفعل أفلام مثلت علامات وطرحت قضايا اجتماعية وسياسية مهمة مثل "في بيتنا رجل، أريد حلاً، غروب وشروق، صراع في النيل، جميلة عن البطلة الجزائرية جميلة أبو حريد".

وقد قدم رشدي أباظة أعمالاً مع كل نجمات الزمن الجميل، مثل فاتن حمامة التي قدم معها فيلمه الأول، وشادية، وسعاد حسني، ولبنى عبدالعزيز، ومريم فخر الدين، وصباح، ونعيمة عاكف، وماجدة وبعض الأعمال حققت نجاحاً طاغياً مثل "صغيرة على الحب، وعروس النيل، والمراهقات، وآه من حواء، ونص ساعة جواز" وغيرها كثير.

ولم يقدّم رشدي أباظة أي مسلسل تلفزيوني خلال مسيرته، فقد كان يرى أن التلفزيون يقلل من قيمة النجم السينمائي بوجوده الدائم أمام الجمهور في المنازل، إلا أنه جرى إقناعه ببطولة عمل تلفزيوني عام 1980 بعنوان (صفقة الموت) من كتابة وإخراج عادل صادق، وقد بدأ بالفعل في تصوير مشاهد عدة لكنه لم يكتمل.

ومن المفارقات أن قصة المسلسل كانت تدور حول بطل يكتشف إصابته بمرض سيقضي على حياته بعد أشهر، وكيف سيتصرف، وماذا سيفعل، وبالمصادفة سقط رشدي أباظة في التصوير، وعندما فحصه الأطباء لاحقاً اكتشفوا أنه مصاب بمرض خبيث وتوفي بعدها بأشهر عدة.ويرى نقاد وفنانون أن رشدي أباظة لم يحظ بالتكريم المناسب، وأن تاريخه يستحق الاحتفاء بصورة أكبر، ويعدون مئوية ميلاده هي فرصة لاستعادة تاريخه الفني الذي لا يزال حاضراً على المستوى الشعبي، وأن هذا العام يمكن أن تنظّم فعاليات مختلفة على مستوى المؤسسات المعنية بالفن والمهرجانات التي يعد واحداً من أدوارها هو الإبقاء على ذاكرة الفن المصري حية وتقديم أبطالها للجمهور في مناسبات مختلفة.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون