Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم يتقلص... تراجع السكان ينذر بأزمة تتجاوز الأرقام

في الصين أغلقت 21100 روضة أطفال عام واحد فحسب بمعدل 50 داراً كل يوم

في جميع مناطق العالم انخفض متوسط عدد المواليد لكل امرأة منذ عام 1950 (pexels)

ملخص

لقد دخلت البشرية حقبة جديدة من التراجع السكاني السريع، فعلى الصعيد العالمي من المرجح أن يكون معدل الخصوبة الإجمال انخفض بالفعل عن مستوى الإحلال السكاني، أي أقل من المستوى اللازم للحفاظ على عدد السكان على المدى الطويل.

في بلدة صغيرة fشمال اليابان، أغلقت آخر مدرسة ابتدائية قبل أعوام، لكن المبنى لم يهدم، بل تحول إلى مقهى يرتاده المسنون، الذين يشكلون الآن أكثر من ثلث سكان البلدة. فلعقود عانت اليابان من خفض حاد في عدد السكان، وبسبب ارتفاع الشيخوخة وخفض معدلات المواليد تركت هذه الظاهرة، المعروفة محليا باسم "شوشيكوريكا"، مئات القرى المهمشة على حافة الانهيار. وتشير التقديرات إلى أن نحو 500 مدرسة يابانية، تقع معظمها في ضواحي الريف، تغلق كل عام دراسي لعدم وجود عدد كاف من الطلاب لاستمرار عملها. وعلى بعد آلاف الكيلومترات، في الصين، أغلقت 21100 روضة أطفال عام واحد فقط بمعدل 50 روضة كل يوم.

تراجع معدلات الخصوبة

لقد دخلت البشرية حقبة جديدة من التراجع السكاني السريع، فعلى الصعيد العالمي من المرجح أن يكون معدل الخصوبة الإجمال انخفض بالفعل عن مستوى الإحلال السكاني، أي أقل من المستوى اللازم للحفاظ على عدد السكان على المدى الطويل. ولا يعني خفض عدد السكان عن مستوى الإحلال أن النمو السكاني العالمي سيتوقف فوراً. فبفضل ظاهرة تعرف بزخم النمو السكاني، سيستمر النمو لنحو 30 عاماً أخرى. ويعود ارتفاع معدلات المواليد العالمية حالياً إلى أن أعداد كبيرة من النساء المولودات في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة ينجبن الآن أطفالاً بينما لا يزال آباؤهن على قيد الحياة. ومع ذلك، فإن النمو السكاني العالمي الحالي برمته هو نتيجة مباشرة لهذا الزخم.

وعن هذا يشرح الطبيب فرنانديز فيلافيردي من معهد المشاريع الأميركية، قائلاً "قلة من الدول لا تزال فوق معدل الإحلال السكاني، باستثناء دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وآسيا الوسطى. علاوة على ذلك، تتراجع معدلات الخصوبة بصورة ملحوظة، وبسرعة أكبر مما كان متوقعاً قبل بضعة أعوام. هذا الاتجاه واضح في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، وفي الدول الدينية والعلمانية، وفي الدول ذات الحكومات اليمينية واليسارية، وفي الدول التي تتيح الإجهاض مجاناً وتلك التي تفرض قوانين تقييدية عليه. وإذا أردت اختيار أي دولة عشوائياً من خريطة العالم، ستجد على الأرجح أن معدل الخصوبة فيها يتراجع بسرعة".

انهيار عالمي حاد

و"يتميز البشر عن غيرهم من الكائنات الحية بقدرتهم على تغيير خصوبتهم عمداً، وفرض خياراتهم وتفضيلاتهم المتغيرة باستمرار على الإنجاب. ونشهد الآن تحولاً ثورياً في خيارات الإنجاب البشرية يتكشف في جميع أنحاء العالم بطريقة لم يكن ليتخيلها إلا كتاب الخيال العلمي قبل جيل واحد فقط". هذا ما يقوله الأميركي المتخصص في الاقتصاد السياسي نيكولاس إيبرستادت، ويتابع "نحن في خضم انهيار عالمي حاد في معدلات المواليد، وهو انحدار جار في جميع أنحاء العالم، في المناطق الغنية والفقيرة على حد سواء، وربما ينذر بخفض عالمي غير محدد في عدد السكان، مع اقتراب لحظة ذروة البشرية بصورة صادمة".

فلعقود طويلة، افترض علماء السكان أن خفض معدلات المواليد عالمياً بعد الحرب سيؤدي في نهاية المطاف إلى توازن، حيث تتقارب معدلات الإنجاب في منطقة تلو الأخرى عند ما يزيد قليلاً على مولودين لكل امرأة، وهو المستوى المطلوب لتحقيق الإحلال طويل الأمد (والإحلال هو معدل الخصوبة الإجمال لتساوي عدد المواليد وعدد الوفيات من جيل لآخر، والذي بدوره يحافظ على مستوى ثابت من عدد السكان)، لكن هذا لم يعد صحيحاً، بل بات من الواضح الآن أننا نشهد زحفاً عالمياً متزايداً نحو المجهول، حيث يستمر خفض معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال لفترة طويلة، من دون أي مؤشرات حتى الآن على مدى خفض معدلات المواليد في نهاية المطاف، أو متى ستتعافى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذروات أقل

تشير البيانات الحالية إلى خفض معدلات الخصوبة عالمياً، ففي جميع مناطق العالم انخفض متوسط عدد المواليد لكل امرأة منذ عام 1950. وتسجل اثنتان من أدنى المعدلات الوطنية في شرق آسيا، وهما كوريا الجنوبية (نحو 0.87) واليابان (نحو 1.3). حتى الدول التي شهدت في السابق طفرة مواليد مثل فرنسا وسنغافورة، إلا أن معدلها الآن يراوح عند 2.0 أو أقل. وفي تحليل أجراه مركز "بيو" للأبحاث، أشار إلى تراجع معدل الخصوبة العالمي، فقد انخفض المتوسط العالمي إلى نحو 2.1 طفل لكل امرأة، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 2.0 بحلول منتصف القرن و1.8 بحلول عام 2100. فمعظم المناطق تعاني نقصاً في عدد المواليد، إذ يبلغ متوسط أوروبا ما يقارب 1.4 وأميركا الشمالية نحو 1.6، أما آسيا وأميركا اللاتينية/ الكاريبي، فقد انخفض متوسطها إلى أقل من 2.1، مما يعني أن معظم المناطق ستشهد أجيالاً قادمة أصغر حجماً.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع عدد سكان العالم إلى نحو 10 أو 11 مليار نسمة بحلول نهاية القرن، ثم يستقر. وتشير نماذج بديلة (مثل Earth4All) إلى ذروات أقل، إذ تتوقع إحدى الدراسات ذروة في منتصف القرن عند نحو 8.6 مليار نسمة، تليها خفض إلى نحو 7 مليارات نسمة بحلول عام 2100. باختصار، تتفق التوقعات الديموغرافية عموماً على أن عدد سكان العالم سيستقر بعد منتصف القرن، ثم سينكمش في نهاية المطاف، خصوصاً إذا استمر خفض معدل الخصوبة الحالي.

أسباب العزوف عن الإنجاب

هناك أسباب عدة تدفع الناس إلى عدم إنجاب الأطفال، وأهمها عدم الرغبة أساساً في إنجاب الأطفال، إذ لا يرغب الناس في أن تكون تربية الأطفال محور حياتهم لعشرين عاماً. فربما لا يحبون الأطفال أو لا يشعرون برغبة في أن يصبحوا آباء. والسبب الآخر هو المهنة، إذ يشعر الناس بشغف تجاه المهنة التي اختاروها ويريدون تكريس وقتهم وطاقتهم وحياتهم لعملهم، وهو ما لن يتمكنوا من القيام به بالفعالية ذاتها إذا كان لديهم أطفال.

وهناك سبب بيئي، فبعض المهتمين بالشأن البيئي يرون أن إنجاب الأطفال يعني عدد أكبر من الناس يستهلكون الموارد ويتسببون في التلوث والنفايات، فهؤلاء ولإدراكهم بوضع الأرض الراهن يختارون عدم زيادة عدد السكان الذين يسهمون في هذا الأثر البيئي. وهناك من يقول إن السبب هو حال التخبط حول العالم، إذ يشعرون أن العالم ليس آمناً أو يسير في اتجاه إيجابي بما يكفي لإنجاب الأطفال.

ويوجد سبب واضح للعيان هو أن تربية الأطفال مكلفة، ففي المتوسط تبلغ كلفة تربية طفل واحد في الولايات المتحدة نحو 250 ألف دولار، من دون احتساب كلف التعليم الجامعي، وفي المناطق ذات الكلف المعيشية العالية، قد يرتفع هذا الرقم بصورة ملحوظة، ويشعر بعض الناس أنهم لا يستطيعون تحمل هذه الكلف، فيما تأتي الأسباب الصحية والطبية كأحد أهم الأسباب التي تدفع الناس إلى عدم إنجاب الأطفال، فيخافون من أي خطر على صحتهم وسلامتهم، أو حتى عدم القدرة على الإنجاب.

وهناك بعض الأشخاص لديهم سبب وجيه وهو أنهم يساعدون بالفعل في تربية أطفال آخرين، أو يقومون بدور الرعاية لبالغين آخرين، إذ ربما لديهم وظيفة تتطلب رعاية الآخرين، لذا يصبح باقي وقتهم ملاذاً من مسؤوليات الرعاية. أما بالنسبة إلى البعض الآخر، فتعد تجربة ثقافات أخرى أو عيش حياة أكثر ترحالاً، أو تحدي أنفسهم من خلال المغامرة والسفر، قيمة مهمة لا تتوافق مع تربية الأطفال. كذلك أن هناك من يعيش حياة محفوفة بالأخطار، بينما يقضي آخرون معظم أوقاتهم في التأمل أو ممارسة الطقوس الروحية. ويقضي البعض الآخر معظم أوقات فراغهم في أنشطة إبداعية. لذا يتمتع الأشخاص الذين ليس لديهم أطفال عموماً بخيارات أوسع بكثير فيما يتعلق بحياتهم ووقتهم، إذ قد يعوق إنجاب طفل استمرارهم في نمط الحياة الذي اختاروه.

ومن أحد الأسباب أن الشريك قد لا يرغب في إنجاب الأطفال، فبعضهم اختار قضاء حياته مع شريك لا يرغب في ذلك، بينما لم تُتح الفرصة لآخرين للإنجاب، ثم أصبحوا كباراً في السن. وكذلك بالنسبة إلى بعض الأشخاص، أوضحت لهم تجاربهم في الطفولة وتاريخ عائلاتهم أنهم لا يرغبون في مواصلة إرث عائلاتهم، فهم يختارون تعريف وتكوين عائلة مختلفة عن النموذج التقليدي للوالدين والأبناء.

مشكلات مقلقة

كل هذا الانهيار التدريجي يؤدي إلى مجموعة من المشكلات المقلقة. فعلى الصعيد الاقتصادي، يقوض تقلص القوى العاملة الإنتاجية ويبطئ النمو الاقتصادي، ويرهق أنظمة المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية العامة، إذ يتعين على عدد أقل من العاملين إعالة عدد أكبر من المتقاعدين، مما يؤدي إلى اختلالات مالية واضطرابات اجتماعية محتملة. فقد أدت شيخوخة المجتمع الياباني بالفعل إلى ركود نمو الناتج المحلي الإجمال وتراكم الديون، بينما يتوقع أن ينخفض عدد سكان كوريا الجنوبية إلى النصف بحلول نهاية القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية. أما اجتماعياً، فيؤدي خفض عدد السكان إلى تآكل المجتمعات واستمراريتها الثقافية، وتعد المناطق الريفية أكثر عرضة للخطر، حيث يهاجر الشباب إلى المراكز الحضرية أو يمتنعون عن الإنجاب. وتغلق المدارس والشركات المحلية، وتواجه المدن التي كانت مزدهرة خطر الزوال. ففي بعض البلدان مثل الصين، بدأت الآثار طويلة المدى لسياسات مثل سياسة الطفل الواحد تتضح الآن، إذ يعجز ملايين الرجال عن إيجاد شريكات حياة، ويشهد المجتمع شيخوخة متسارعة.

أما من الناحية الجيوسياسية، فيمكن أن يؤدي خفض عدد السكان إلى تغيير موازين القوى العالمية، فقد تفقد الدول التي تشهد خفضاً في عدد سكانها نفوذها وقدراتها العسكرية وقدرتها على الابتكار، بينما قد تكتسب الدول ذات السكان الشباب والمتزايدين مكانة بارزة. فمثلاً تواجه روسيا وأوروبا الشرقية تحديات خطرة تتعلق بالأمن القومي نتيجة لنقص القوى العاملة والتراجع الديموغرافي.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات