Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة لندن متهمة بتضخيم الموازنة الدفاعية

بن والاس يشكو "العمال" لمكتب الإحصاء بعد احتسابهم أموال الاستخبارات ضمن التزامات بريطانيا تجاه "الناتو"

جون هيلي وزير المالية البريطاني (رويترز)

ملخص

يواجه حزب العمال اتهاماً من وزير الدفاع السابق بن والاس بتضخيم الإنفاق الدفاعي عبر احتساب مخصصات أجهزة الاستخبارات ضمن الحصة التي تقدمها بريطانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويقول والاس إن النسبة المعلنة البالغة 2.7 في المئة من الناتج المحلي في 2027-2028 تخفي إنفاقاً لوزارة الدفاع لا يتجاوز 2.3 في المئة. وأكد مكتب تنظيم الإحصاءات أنه سينظر في الشكوى، بينما تتمسك الحكومة بأن حساباتها مطابقة لتعريف الحلف، فتجد نفسها وسط اختبار صدقية مزدوج أمام الحلفاء والناخبين في آن.

قبيل وقوف جون هيلي في مجلس العموم البريطاني لتقديم أول موازنة له وزيراً للمالية، نشرت صحيفة "ديلي تلغراف" اليوم الثلاثاء مضمون شكوى بعث بها وزير الدفاع السابق بن والاس إلى مكتب تنظيم الإحصاءات التابع لهيئة الإحصاءات البريطانية. والشكوى لا تتعلق بخطأ في جدول أو سهو في بيان صحافي، بل بالطريقة التي تحسب بها حكومة حزب العمال ما تنفقه على الدفاع، وبالسؤال الذي يلاحق لندن منذ أعوام، هل ترتفع موازنة القوات المسلحة فعلاً، أم يتسع فقط تعريف ما يسمى دفاعاً؟

وتتركز الشكوى على قرار وزارة الخزانة ضم "الحساب الاستخباراتي الموحد" الذي يمول أجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية ومقر الاتصالات الحكومية ضمن الإنفاق الدفاعي المؤهل لحسابات "الناتو" اعتباراً من 2027-2028. ويقارب هذا الحساب 5 مليارات جنيه إسترليني سنوياً، وتشير وثائق الخزانة إلى تخصيص 5.1 مليار جنيه له في ذلك العام. وبهذه الإضافة، يبلغ الإنفاق المؤهل 2.7 في المئة من الناتج المحلي، في حين يقول والاس إن ما تنفقه وزارة الدفاع مباشرة لن يتجاوز 2.3 في المئة.

وكتب والاس في رسالته أن بريطانيا تبدو متأخرة عن حلفائها الذين بدأوا يضخون زيادات نقدية حقيقية، معتبراً أن إبلاغ العسكريين والرأي العام بزيادة الإنفاق، بينما يتراجع التمويل اليومي للقوات بالقيمة الحقيقية "إهانة لهم"، وأضاف أن هذه الصيغة لا تنطلي على أحد داخل المؤسسة الدفاعية ولا على الحلفاء ولا على الخصوم.

ولم يتأخر الرد الرسمي، فأكد متحدث باسم مكتب تنظيم الإحصاءات أن المكتب سينظر في المخاوف المثارة حول طريقة عرض الحكومة للإنفاق الدفاعي. أما الحكومة، فأوضح متحدث باسمها أن بريطانيا ثالث أكبر منفق في الحلف، وأنها تحتسب إنفاقها وفق تعريف "الناتو" الذي لم يتغير، شأنها شأن بقية الحلفاء. وذهب المسؤول في وزارة الدفاع لوك بولارد أبعد من ذلك، فقال إن الأمر يتطلب جرأة من وزير "محافظ" سابق أقرّ بأن حزبه أفرغ القوات المسلحة من قدراتها، كي يشتكي من حكومة تعالج ذلك الإخفاق بما تصفه بأكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة.

وتقدّر خطة الاستثمار الدفاعي الحكومية إنفاق الوزارة بنحو 298 مليار جنيه إسترليني، تعادل ما يقارب 400 مليار دولار، على مدى أربع سنوات مالية تمتد من 2026-2027 إلى 2029-2030.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تقف الشكوى عند الاستخبارات، فوالاس يطعن أيضاً في حزمة بنحو 3 مليارات دولار أعلنتها وزيرة المالية السابقة رايتشل ريفز عام 2025، تضمنت 266 مليون دولار لمشاريع تأهيل وتوظيف في مدينة بارو- إن- فرنس، حيث تبنى الغواصات النووية، و2.6 مليار دولار في صورة قدرة إقراض إضافية عبر وكالة تمويل الصادرات البريطانية لمساعدة زبائن أجانب في شراء معدات بريطانية. كذلك يشكك في أن تكون مليارات خطة الاستثمار الدفاعي البالغة نحو 20 مليار دولار أموالاً جديدة كلها، إذ تتضمن، وفق الجدول المنشور للخزانة، وفورات وعائدات بيع أصول وإعادة ترتيب أولويات، فضلاً عن التمويل الإضافي. وكان والاس ذهب في وقت سابق من العام الحالي إلى أن الحكومة تحتسب أيضاً نحو 5.3 مليار دولار من الإنفاق على أوكرانيا ضمن الإنفاق الدفاعي الأساسي

ويمكن تفكيك جوهر الخلاف في نقطة واحدة، فتعريف "الناتو" للإنفاق الدفاعي يقوم على المدفوعات التي تقدمها الحكومة الوطنية خصيصاً لتلبية حاجات قواتها المسلحة أو قوات الحلفاء أو الحلف نفسه. وتلاحظ مكتبة مجلس العموم خلال إحاطة نشرتها في يوليو (تموز) الماضي أن هذا التعريف لا يذكر أجهزة الاستخبارات صراحة، وأن بريطانيا أدرجت جزءاً من إنفاقها الاستخباراتي والأمني ضمنه، أي إن المسألة ليست في وجود قاعدة تمنع أو تجيز بوضوح، بل في منطقة رمادية تتسع للاجتهاد. وظهرت ملامح هذه المنطقة في مراجعة الإنفاق التي قدمتها ريفز عام 2025، حين بلغ الإنفاق الدفاعي نحو 95 مليار دولار في 2027-2028، أضيفت إليه 6.8 مليار دولار تقريباً للأمن والاستخبارات، ليصبح المجموع أكثر من 101 مليار دولار قُدمت على أنها 2.6 في المئة من الناتج. ويومها قال وزير الدفاع في حكومة الظل "المحافظة" جيمس كارتليدج إن الرقم الحقيقي هو 2.5 في المئة للدفاع يضاف إليها 0.1 في المئة لأجهزة الاستخبارات.

ونظر مكتب تنظيم الإحصاءات في الشكوى لا يعني الإقرار بوجود مخالفة، و"الناتو" نفسه يقبل الأرقام البريطانية ولم يعترض علناً على منهجيتها. ثم إن إعادة رسم حدود الإنفاق الدفاعي ليست ابتكاراً "عمالياً"، إذ أدرجت بريطانيا معاشات العسكريين ضمن حساباتها لدى الحلف منذ عام 2005، وفي أبريل (نيسان) 2016 اتهمت لجنة الدفاع البرلمانية حكومة "محافظة" بممارسة "محاسبة إبداعية"، حين بلغت عتبة الاثنين في المئة بإضافة معاشات الحرب وجمع المعلومات الاستخباراتية، مع إقرارها بأن ذلك جرى بطرق تسمح بها إرشادات "الناتو". يومها كانت وزيرة الدفاع في حكومة الظل "العمالية" إميلي ثورنبيري هي من اتهمت الحكومة بـ"التلاعب بالدفاتر".

تبادل الأدوار هنا لافت، لكنه يذكّر أيضاً بأن الحجة الحكومية ليست واهية، الحرب الحديثة تمر بالفضاء السيبراني وباعتراض الاتصالات وبرصد الشبكات المعادية، وجزء معتبر من عمل "مكتب الاتصال الحكومي" يخدم العمليات العسكرية مباشرة. والسؤال الفعلي ليس هل تُحتسب الاستخبارات، بل أي جزء منها، ولماذا ارتفعت حصتها المحتسبة الآن بالذات؟

 

لفهم حساسية التوقيت، يجب العودة لمسار طويل من الثقة المتآكلة، ففي فبراير (شباط) عام 2025 أعلن رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر رفع الإنفاق إلى 2.5 في المئة بحلول 2027 عبر خفض المساعدات الخارجية، وأشار إلى أن جزءاً من إنفاق الاستخبارات والأمن سوف يحتسب ضمن الهدف. وحين طلبت قناة "سكاي نيوز" قائمة كاملة بما يحتسب وما لا يحتسب، رفضت الحكومة تقديمها. وفي يونيو (حزيران) 2025 تعهدت لندن خلال قمة لاهاي ببلوغ 3.5 في المئة للدفاع الأساس بحلول 2035، إضافة إلى 1.5 في المئة للأمن والصمود.

ثم جاء عام 2026 بسلسلة ضربات متتالية، ففي أبريل الماضي حذر الأمين العام السابق للحلف جورج روبرتسون الذي قاد مراجعة الدفاع الإستراتيجية لحكومة ستارمر نفسها، من "تهاون مدمر" لدى القيادة السياسية، قائلاً إن بريطانيا "غير مستعدة" و"تتعرض للهجوم". وفي الـ11 من يونيو الماضي، استقال هيلي من وزارة الدفاع احتجاجاً على تمويل خطة الاستثمار الدفاعي، معتبراً أنها تقصر كثيراً عما تحتاج إليه البلاد، وتبعه وزير القوات المسلحة آل كارنز. وفي الرابع من أغسطس (آب) الماضي، قضت هيئة الإحصاءات عبر رسالة من رئيستها بالإنابة بيني يونغ إلى كارتليدج، بأن وصف نحو 360 مليار دولار بأنه زيادة في الإنفاق الدفاعي خلال الدورة البرلمانية "غير صحيح ومضلل"، إذ يمثل المبلغ الإنفاق الإجمالي المقرر لا الإضافي، ووردت تلك الصيغة على لسان ستارمر أمام لجنة الاتصال البرلمانية وفي منشورات حكومية.

وهكذا لا تأتي شكوى والاس من فراغ، بل فوق سابقة رسمية موثقة بأن الحكومة عرضت أرقام الدفاع بطريقة مضللة مرة في الأقل، مما يمنحها وزناً يتجاوز كونها هجوماً من خصم سياسي.

وبالنسبة إلى الرأي العام، فهو يضغط في اتجاه زيادة الإنفاق العسكري، فوفق استطلاع لمؤسسة "إبسوس" أجري في يونيو الماضي عقب استقالة هيلي، قال 47 في المئة من البالغين البريطانيين إن الإنفاق على الدفاع يجب أن يزيد حتى لو تطلب ذلك اقتراضاً إضافياً أو ضرائب أعلى أو خفضاً في خدمات أخرى، ارتفاعاً من 37 في المئة خلال استطلاع أجرته المؤسسة نفسها في مايو (أيار) الماضي. ورأى 33 في المئة أن الدفاع يجب أن يتصدر أولويات الإنفاق العام، بزيادة 13 نقطة خلال شهر، ورصدت المؤسسة تراجعاً ملحوظاً في ثقة الناخبين بحزب العمال في ملف الدفاع منذ عام 2024.

يُنتظر من الحكومة الآن الإفصاح الكامل عن بنود الموازنة العسكرية بما يميز الاستخبارات عن الدفاع، فتسحب البساط من تحت الشكوى قبل أن يبتّها رقيب الإحصاءات، لكن ذلك قد يكشف عن فجوة تقارب 0.4 نقطة مئوية من الناتج يجب سدها بأموال حقيقية، في موازنة تتزاحم فيها مطالب غلاء المعيشة.

ويمكن للحكومة أيضاً أن تتمسك باحتساب الاستخبارات بوصفه ممارسة يقرها "الناتو"، والإشارة إلى أن حلفاء آخرين ذهبوا أبعد بكثير كإيطاليا التي طرحت احتساب جسر مضيق مسينا ضمن التزاماتها قبل أن تتراجع تحت ضغط أميركي. لكن الرهان هنا يصبح على حكم رقيب الإحصاءات، وأي توبيخ ثانٍ منه سيحوّل الشكوك إلى سردية راسخة، ويضع هيلي شخصياً في موقع الدفاع عن نوع الأرقام التي غادر وزارة الدفاع احتجاجاً على كفايتها.

وعد بيرنهام بأن ترسم الموازنة طريقاً إلى ثلاثة في المئة للدفاع بحلول عام 2030، وهو وعد يصعب الوفاء به من دون الاستعانة بالتعريف الموسع. أما وزير الخزانة جون هيلي، الرجل الذي استقال من وزارة الدفاع خلال عهد ستارمر لأن الأرقام لم تكُن كافية، فيقف اليوم مطالباً بإثبات أن الأرقام نفسها صادقة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير