ملخص
تصنف الكاتبة الكندية آن كارسون الحائزة جائزة نوبل للآداب هذا العام، كتابها "سيرة ذاتية للأحمر" الذي صدرت ترجمته العربية عام 2017 عن دار نينوى، بوصفه "رواية شعرية". غير أن قارئ هذا العمل يجد نفسه، منذ البداية، أمام كتابة روائية مختلفة، تتوسل الشعر وتتجاوز الحدود المألوفة بين الأجناس الأدبية.
تتداخل في هذه الرواية للكاتبة آن كارسون، أشكال شتى، تؤلف الكاتبة بينها لتنتج عملاً إبداعياً "هجيناً"، يترك قارئه حائراً في تصنيفه، ومستمتعاً في الوقت ذاته بتذوق تشظيه. ففي 47 فصلاً، إلى جانب عدد من الملاحق، تقدم كارسون سرداً مشوقاً لا يخضع لتسلسل زمني خطي، إذ يستبق بعض النهايات، ويترك للقارئ تتبع الروابط بين وقائعه المتناثرة.تبدأ المفاجأة باختيار الكاتبة شخصية "جيرون" الأسطورية، وإعادة بناء علاقته بالبطل الأسطوري "هرقل" في صورة علاقة حب مثلي غير متكافئة، فجيرون هو العاشق، "ساحر الصحبة"، فيما يبدو هرقل، المعشوق، لامبالياً في البداية.
هكذا تعيد الكاتبة صياغة الأسطورة الإغريقية القديمة، وتحولها إلى قصة معاصرة عن الحب والهوية والاغتراب والتحولات النفسية. وتنفتح هذه القراءة على راهن مضطرب، تطبعه الديكتاتوريات والفقر والاغتراب في المدينة. أما البركان، فيدخل في بنية الرواية بوصفه أكثر من ظاهرة طبيعية ذات أبعاد أسطورية، إذ يغدو رمزاً للانفجارات النفسية وللكبت العاطفي والسياسي الذي يعيشه إنسان القرنين الـ20 والـ21، بحسب بعض القراءات النقدية.
صدرت الترجمة العربية الأولى لكتاب "السيرة الذاتية للأحمر: رواية شعرية"، للكاتبة الكندية آن كارسون، التي يكتب اسمها عربياً أيضاً "آنا كارسون"، عن دار نينوى السورية عام 2017، بترجمة القاص والروائي والمترجم الليبي مأمون الزائدي. أما الطبعة الأصلية الأولى، فصدرت عام 1998. ومع ذلك، لم يلتفت إلى الترجمة آنذاك سوى عدد قليل من القراء، وحتى الكتاب العرب، على رغم شهرة كارسون في كندا والولايات المتحدة وأوروبا، وهي شهرة صنعتها مؤلفات تتوزع بين الشعر والسرد والدراسات النقدية، وتتميز بتجريبها ومساءلتها المستمرة للأشكال الأدبية.
تستوقفنا هذه "الرواية الشعرية" بوصفها نصاً شديد التعقيد، متعدد المستويات، يمزج قراءة الأسطورة بقراءة الواقع الإنساني المعاصر، ويجمع الأدب والفلسفة والتحليل النفسي. ففيها توغل في دواخل النفس البشرية، يستحضر تفسيرات فرويد، إلى جانب حضور تجارب كتاب قدماء ومعاصرين من ثقافات متعددة، من بينهم والت ويتمان وفرجينيا وولف وأجاثا كريستي، ونصادف جيرون وقد "جلس إلى طاولة في ركن مقهى المتولت يكتب مقاطع من هايدغر".
ولعل من الضروري هنا التوقف عند الشاعر ستيسكورس، الذي يتكرر ذكره في النص، وترد شهادات عنه وتساؤلات في شأن علاقته بهيلين. فبحسب الحكاية، أصيب بالعمى بعدما أساء إليها في شعره، ثم استعاد بصره بعدما كتب قصيدة يمتدحها فيها.
وتتداخل في رواية كارسون الجوانب الثقافية والاجتماعية والعاطفية والسياسية. ففي سياق ساخر، تورد حكايتين عن الديمقراطية: أولاهما حين "أعلن حاكم بورتوريكو أخيراً أنه من الظلم استبعاد المواطنين من العملية الديمقراطية لمجرد أنهم مجانين. فتم نقل آلية التصويت إلى المصح العقلي الوطني. في الواقع أثبت المجانين أنهم ناخبون جادون ومبدعون". أما الثانية، فمن إسبانيا: "كان فرانكو أيضاً قد فهم استخدامات الجنون. وكانت له عادة الزج بمجموعات كبيرة من المؤيدين لمؤتمراته الانتخابية، وفي أحد المؤتمرات تم إفراغ أحد مستشفيات المجانين المحلية لهذا الغرض. وفي اليوم التالي نشرت الصحف بابتهاج: المتخلفون عقلياً وراءك على طول الطريق يا فرانكو".
رواية شعرية هجينة وغرائبية
في سيرته التي عمل عليها من سن الخامسة إلى الرابعة والأربعين، بحسب كارسون، يروي جيرون لقاءه العابر بهرقل، في منتصف الليل، عند موقف للحافلات، حين يطلب منه نقوداً معدنية لإجراء اتصال هاتفي. ينجذب إليه بقوة، ويراه كريماً لأنه أعطاه ربع دولار من دون مقابل. وسرعان ما يتطور اللقاء إلى علاقة عاطفية وحميمية، إذ يضع هرقل يدي جيرون الباردتين داخل قميصه لتدفئتهما.
وتتطور العلاقة عبر رحلات تكتسب الأمكنة فيها أبعاداً رمزية، أبرزها السفر إلى "هاديس"، موطن هرقل، حيث يحضر البركان، ثم إلى أميركا الجنوبية، بين بيرو وبوينس آيرس، برفقة شخصيات أخرى. وكان جيرون قد عثر في القبو على الموسوعة البريطانية، طبعة عام 1911، وقرأ فيها عن بركان كراكاتوا. ويتخذ البركان في النص دلالات التدمير والتحول، إذ يرمز إلى الغضب والحمم الداخلية والطاقة العاطفية الهائلة التي يكبتها جيرون، أو تفجرها علاقته بهرقل، ثم تبدأ العلاقة بالتصدع، مع شعوره المتكرر بإهمال هرقل له، بما يتركه في حال من الألم النفسي والاختناق.
لا تحضر البطولة في النص على النحو الذي تظهر به في الأسطورة، فنحن أمام علاقة غريبة تشكل محوراً لقراءة الكاتبة النفس البشرية، قراءة سيكولوجية وفلسفية في آن. إنها تحول جيرون، الوحش الأسطوري، إلى شخصية شديدة الهشاشة في علاقتها بمحيطها، لكنها تتمتع بذكاء حاد وقدرة لافتة على الملاحظة. ويتجلى ذلك في علاقته المعقدة بهرقل، حيث يتجاور العشق والخوف، وتكتسب الحميمية ظلا قاتماً حين تقرأ على خلفية الأسطورة التي يقتل فيها هرقل جيرون ليستولي على ماشيته.
يفتح هذا التجاور باباً للتساؤل عن العلاقة بين الرغبة والعنف، وبين الانجذاب إلى الآخر والخشية منه. وفي المقابل يمكن أن يمثل هرقل، بالنسبة إلى جيرون، نافذة على الحرية والعالم الخارجي، فهو الذي أخرجه من عزلته وقوقعته بوصفه "وحشاً أحمر"، منبوذاً وهشا ومهمشاً.
كل ذلك جعل النقاد يتوقفون عند طبيعة النص وعمقه وتشظيه. فقد رأت فيه سوزان سونتاغ "إنجازاً مذهلاً"، ووصفت كارسون بأنها كاتبة قلقة وجريئة وواسعة الاطلاع. كذلك أشاد مايكل كانينغهام بجرأتها وموهبتها، ورأى في "سيرة ذاتية للأحمر" كتاباً نادراً يجمع الإشباع العاطفي والجمالي والفكري. ولعل جانباً من فرادته يكمن في تلك العلاقة المتقلبة، التي يتجاور فيها العشق والعنف ضمن أفق شديد الغرابة.
أسطورة الغريب
تستهل الكاتبة روايتها الشعرية بفصل "لحم أحمر"، وبسؤال: "ما الفرق الذي أحدثه ستيسكورس؟". والأحمر هنا هو جيرون، بسماته وملامحه التي تنقلها الأسطورة. غير أن كارسون، المتخصصة في الأدب اليوناني وأساطيره، تستلهم الحكاية القديمة من دون أن تلتزم تفاصيلها، وتقدم قراءة جديدة لشخصيتها المحورية.
فجيرون، الذي كتب عنه ستيسكورس قصيدة غنائية طويلة، هو "الأحمر المجنح الغريب الذي عاش على جزيرة تسمى آريتيا، وقد كان يرعى، بصورة مريحة، قطيعاً من الماشية الحمراء السحرية"، إلى أن قدم هرقل عبر البحر وقتله ليستولي على ماشيته. وتقول كارسون إن ثمة طرقاً عديدة لرواية قصة كهذه، فقد كان هرقل بطلاً يونانياً مهما، وشكل قضاؤه على جيرون أحد أعماله المجيدة الخالدة.
في هذا النص، السردي بشعره والشعري بسرده وحواراته، تكتب كارسون "سيرة غيرية" لجيرون الوحش، وتمنحه مساحة لتدوين عالمه الداخلي وبطولته الخاصة وهواجس موته المبكر ويأسه من المجتمع. تتتبع نشأته وعلاقته بوالديه، ثم بشقيقه الأكبر المتسلط والمتنمر والعنيف، وبزملائه في المدرسة. وتروي شروعه في كتابة سيرته الذاتية حين تعلم الكتابة في الخامسة، وصولاً إلى علاقته المعقدة بهرقل.
وتكتسب هذه العلاقة توترها من التداخل بين الحكاية المعاصرة وخلفيتها الأسطورية: ففي الأولى، نتابع عشق جيرون ورغبته العارمة في هرقل والحميمية التي تجمعهما، وفي الثانية، يحضر هرقل بوصفه قاتله الذي يستولي على ماشيته. ويتيح هذا التداخل قراءة العلاقة في ضوء ما يجمع الحب والخوف من الفقد والأذى.
ونتوقف عند فصل "كل الأشياء المعروفة عن جيرون"، لنتعرف إلى ملامحه كما تبدو في نص كارسون: فهو "كان يحب البرق، وكان يعيش على جزيرة أمه التي كانت حورية من النهر الذي يركض نحو البحر، وكان والده أداة تدر ذهباً. يقول شوليا العجوز إن ستيسكورس قال إن جريون كانت له ست أيد وستة أقدام وأجنحة، وكان أحمر، وإن ماشيته الحمراء والكلب أيضاً أثارت الحسد، وإن هرقل جاء وقتله من أجل ماشيته.. والكلب أيضاً".
ما الذي يجمع هاتين الشخصيتين؟ هرقل بطل يحمل نزعة تدميرية مرتبطة بأصوله الأسطورية بوصفه قاتل الوحوش، ويتسم بالسطحية والتقلب والقسوة غير المقصودة، ويعجز عن منح جيرون الأمان العاطفي الذي ينشده. أما جيرون، فحساس وفنان مصور وكاتب يوثق مشاعره في سيرته الذاتية.
وحين يسأل جيرون: "أيمكنك أن تقول لي ما الذي يعجبك في هذا الرجل هرقل؟"، يجيب: "هرقل يعرف كثير عن الفن. ونحن نخوض نقاشات جيدة". وعندما كان في الرابعة عشرة، خاض نقاشاً مع هرقل عما إذا كان "الجنس سؤالاً حقاً؟"، فجاء رد هرقل: "الجنس هو وسيلة للوصول إلى معرفة شخص ما".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفجأة، نجد أنفسنا في هاديس، مسقط رأس هرقل، إذ يصعد الاثنان إلى سيارته وينطلقان غرباً. وفي لحظة انتشاء، يشعر جيرون بالانتعاش والقوة، ويقارن نفسه بماتيس، متجاوزاً صورة الملاك الجريح. وفي أحد المقاهي، يشرعان في ترديد أغنية "الفرح للعالم"، ثم يسحب هرقل رأس جيرون إلى حضنه، ويفتش في شعره بحثاً عن القمل، فتسألهما النادلة إن كانا "عروسين جديدين".
وفي مقطوعة بعنوان "لحم أحمر"، تستلهم الكاتبة مقاطع من قصيدة ستيسكورس عن جيرون، الوحش الذي يحيط به الأحمر:
أخرج خطمه من الأغطية في الصباح وكان أحمر
كم كان قاسياً المشهد الأحمر
وماشيته تداري عرجها في الريح الحمراء
دافناً نفسه في هلام الفجر الأحمر لحلمه
حلم جيرون بدأ أحمر ثم انسل خارجاً من الجرة وهرب
صعد النهر وحيداً تبزغ الفضة من جذوره مثل جرو
جرو سري في النهاية الأمامية ليوم أحمر آخر
ثم تنتقل الكاتبة من زمن الأسطورة إلى حاضر جيرون، وتلتقط مشاهد من حياته في فصل جديد بعنوان "آباء جيرون"، تخاطبه فيه بلغة أقرب إلى عالمنا:
إن واصلت لبس القناع على طاولة العشاء
(يقولون) لك أمنية قبل النوم.. ويقتادونك
إلى سلالم النزف نحو الأذرع الجافة الساخنة
نحو سيارة الأجرة الحمراء المتكتكة للكابوس
لعل أبرز ما يميز هذه الرواية، إذاً، تنقلها بين زمنين، وانتزاع شخصياتها من إطارها الأسطوري ووضعها في أمكنة وأزمنة معاصرة. إنها محاولة لإعادة كتابة الأساطير الكلاسيكية، وخلخلة زمنها كي يتقاطع مع تعقيدات الواقع الراهن.
فهنا نسمع صوت والدة جيرون وهي تتحدث عبر الهاتف: "جلست أم جريون على البساط مع المجلات والسجائر والهاتف"، ونسمعه ينصحها: "استمعي إلي، لا تفرطي في التدخين". ونراه يستخدم الكاميرا لتصوير ما يجذبه من مشاهد، أو يتنقل مع هرقل بالسيارة في شوارع بوينس آيرس، ويتجول بين المطاعم والمقاهي والأسواق، كأي شخص معاصر. ولعل الكاتبة تسعى بذلك إلى تقريب شخصياتها من عالم اليوم، وقراءة الحاضر من خلال الأسطورة، بما يكشف عمق التواصل والتشابه بين البشر، مهما تبدل الزمان والمكان.
وفي ضوء هذه القراءة، يمكن النظر إلى هرقل بوصفه تجسيداً للواقع الخارجي القاسي الذي يقتحم عالم جيرون الداخلي الهش. وتغدو علاقتهما استعارة لصراع الهوية، ولسؤال الفرد المختلف والمهمش عن إمكان الحب والاندماج مع آخر يمثل القوة السائدة، وتفتح المجال لتأمل تحول الحب، على رغم مما يحمله من ألم وتحطيم، إلى سبيل لاكتشاف الذات والتحرر الفني والنفسي.
وفي المشاهد الأخيرة، يمكن قراءة أجنحة جيرون، بما تمثله من فرادة وطبيعة استثنائية، بوصفها إمكاناً للتحليق والتحرر، بعدما كانت عبئاً يسعى إلى إخفائه. هكذا يصبح اكتشاف الذات مرتبطاً بقدرته على تقبل اختلافه، وتجاوز اعتماده الكلي على الآخر.