Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عقل العويط يخط أسطورة الذات في ديوانه

"كحياة في الجحيم"... 12 مسارا تشكل نشيداً شعرياً في قلب العدم التكويني

دانتي وفيرجيل في الجحيم بريشة غوستاف دوري (متحف الرسام)

ملخص

يرى نورثروب فراي في كتابه "الشيفرة الكبرى" أن "الأدب إن هو إلا سليل الأساطير"، باعتبار أن التداخل كان ظاهراً، في ملحمة غلغامش بين الأدب والأسطورة. لن نطيل الحديث، ههنا، عن مدى الارتباط بين الشعر والأسطورة، منذ القرون الغابرة، مع الشعر الغربي الرومنطيقي، وقبله الكلاسيكي، وغوته، وصولاً إلى ريلكه وليرمنتوف وهوغو، وبودلير، وغيره، ومع الشعر العربي القديم، والحديث والمعاصر، ولا سيما جماعة مجلة شعر، والتموزيين، وشعراء مجلة أبولو، وغيرهم.

أما اليوم، وفي معرض كلامنا على نشيد عقل العويط الصادر حديثاً (2026) عن دار رياض نجيب الريس، بعنوان "كحياة في الجحيم"، فنحسب أن الأساطير باتت عنصراً، بل سلكاً مكوناً من نسيج الشعر المتعدد الأسلاك، والألوان، والأنواع. لكأن الشعر، في هذا التوصيف، بات خالط الأنواع، وجامع الأساليب، وصاهر العوالم، في عالم واحد.

لئن كان في استخلاص عنوان لنوع الكتاب الشعري، السالف ذكره، استباق لفاعلية القراءة ذات الطبيعة الخطية المطردة، فإن اعتباري – كقارئ - لزوم البدء بالعنوان، تيسيراً لفهم مضمونه، أو لتلمس قضيته الجوهرية التي لا يني الشاعر، عقل العويط، يبسط بعضاً من بيناتها وشواهدها، ومشاهدها، المؤثرة، والباعثة على الإقناع في آن واحد، عنيت بها التيقن من صور حياة، يحياها الكائن، هي عديلة للجحيم، أو يرى العالم قاب قوسين أو أدنى من دماره وموته، أو كما لو أن في رؤيته رؤيا توثق "ركام (العالم) العدمي".

إذاً، يباشر الشاعر اللبناني عقل العويط رسم الجهنم الذي تحياه ذاته الشاعرة، ليس في الواقع فحسب، بل عبر أحواله النفسية الضاغطة. أما المشاهد الـ12، أو القصائد الـ12 التي يتكون منها النشيد، فقد أوتي للشاعر صوغها بقوة التخييل العاصفة، وبفضل اقتدار لغوي فريد مد في شأوه معجم غزير، ونبرة غنائية مكلومة، تتعالى إلى الذرى، عبر صيغة الالتفات (المخاطب، بديلاً من المتكلم، الآخر بديلاً من الذات) مضاعفة للأثر عند القارئ، وزمن المستقبل (سوف، سوف) مصادرا به الماضي والحاضر، على أنه زمن الرؤيا (الشعرية) الجاري تشكيلها على التوالي. وليس هذا وحسب، بل إن الشاعر بدا منشغلاً أيضاً في توليد المشاهد النفسية، على امتداد المجموعة الشعرية، بعضها من بعض، وفي ابتداع صور شعرية ومشاهد قاتمة، في الغالب، وصادمة - ربما لغير متابعي هذا النوع - بغية الإيحاء بهذا الجحيم الذي أشرنا إليه، على أنه صنو ما تحياه ذات الشاعر، وتسعى إلى تجسيمه، ورفعه "الجحيم" في وجه العالم، "لعنة"، "واللعنة حياتي، واللعنة قصيدة" (ص94).

نشيد وقصائد

وبالعودة لمكونات النشيد، أعني القصائد الـ12، يتبين للقارئ أنها متفاوتة الأحجام، فمنها ما تتجاوز الـ10 صفحات (13 صفحة، قصيدة "رغيف أخير")، وبعضها لا تتجاوز الصفحتين (قصيدة "كمثل قصيدة تنجو")، وهما على التوالي، القصيدة العاشرة، والـ12، علماً أن الشاعر، في هذه القصائد الـ12 سعى إلى تغطية مجمل أركان أو عناصر رؤيته الشعرية، ورؤياه. في هذا الشأن قد تفيد عناوين هذه القصائد في الإشارة إلى مكونات تلك الرؤية والتي قصد الشاعر، في وضعها، إلى تيسير دخول القراء إلى عالمه الانفعالي والتخييلي والرؤيوي، خارج الجاذبية، يمرون في اللحظة نفسها، دعوتهم إلى دمي، يتقدم (الشعر) وحده، هذه أرضي، بعد الرشد بقليل، أحيا خارج حياتي، في الحد الفاصل، لا تقل شيئاً، رغيف أخير، الكيان الشعري، كمثل قصيدة تنجو.

وبناءً عليه، تكفل هذه العناوين للشاعر أن يرسم خلفية لأجوائه العدمية، نظير ما يفعل الرسام، إذ يهيئ للوحته الخلفية اللونية الملائمة، من أجل أن ينطلق إلى رسم لوحته أو جداريته المقصودة بالأساس. ففي القصيدة الأولى (خارج الجاذبية)، تتأرجح أفكار الشاعر بين قطبين: قطب الموت، والهجران. وأحسب أن الموت لديه، هو امتناع القارئ عن التواصل مع شعره، لعلة فيه أو في القراء، أو في الأعداء، أو الشدائد. وكأن الأخير (الشعر) بعض منه، أو هو نسيب هويته الروحية والكلامية المنسوخة عن ذاته. وفي شعره دفق من المخاوف والهواجس - ستتوالى على امتداد المجموعة الشعرية النشيد - من ألا يقرأ إلا بعدما يطويه الردى، وقد صار "نصا بعد اختفائك" (ص12). ومن جهة ثانية، يتملكه رهاب انطفاء الحب، على رغم يقينه بأن "لا حب ينجو" (ص14)، وبأن "المرأة... سوف تنهار من تلقائها"(ص15). ويخلص الشاعر من مكاشفته الأولى، المفعمة بالمرارة، إلى خلاصة مفادها أن "قلبك هو قبرك" (ص17)، أي إن مصدر الحب (القلب) هو سبب موت المحب، بل هو فناؤه في المحبوب، على ذمة بعض المتصوفة.

قوم الشاعر

ومن أجل أن تقوم الرؤيا على أساس بشري، أونطولوجي، كان لا بد للشاعر من تعيين جمهوره الأثير، بل قومه الذين يملأون الزمن، ويتجاوزون الحقب، وفي الآن نفسه، هم وأطيافهم "يمرون في اللحظة نفسها"، وفي رفقتهم شاعرنا عقل العويط. من تراهم هؤلاء؟ إنهم خير الشعراء، والفنانين، والموسيقيين، والفلاسفة، والكتاب الأجانب، أعني، على سبيل المثال، رامبو، حارق الأبجدية، وتي أس إليوت قارئ الخراب، وشارل بودلير واضع الشقوق في عطر العفن، وفانسان فان غوغ مدور النجوم، وأوكتافيو باث، وبابلو بيكاسو، وكونديرا، وبول تسيلان، وأناييس نين، وتيريزا الأفيلية، وغيرهم كثير من صحبه الأرضيين والنورانيين على السواء، وقد خص كلا منهم بصفة أو بمنجز كان أُثر عنه، أو بانطباع من الشاعر عنه يتماشى مع تصوره للفن وعلاقته بالخراب الداخلي، وباللعنة، وبالألم والتعالي عليه، وبالفن ومادته الجسمانية، وبالبقاء بين الفكرة والهاوية. وحتى إذا فرغ الشاعر من تعداد أفراد قومه من هؤلاء، ومن توشيحهم بصوره عنهم، انتهى إلى خلاصة، هي لازمة في نشيده الكبير، وعامل توحيد بنيوي في ما بين قصائده الـ12، عنيت: "وأنت أنت/ وها هو قلبك قبرك/ وشاعراً أنت وشاعراً تكون" (ص29).

الشعراء والشعر

ويستكمل الشاعر العويط، في القصيدة الثالثة والرابعة والخامسة، رؤياه بأن يدعو الشعراء، سامعي صوته، مُجايليه واللاحقين بهم، إلى وليمة دمه، على غرار الوليمة المقدسة التي دعا فيها السيد المسيح تلاميذه، في خلال العشاء الأخير، إلى شرب دمه (رمزاً للحياة) وتناول جسده (رمزاً للحضور في الأزمنة). ولعل الشاعر قصد من هذه الدعوة إلى الكشف عن مقدار محبته لهم، ومبادلته "حنانهم" بكل ما أوتي من قوة، وإن يستشف من كلامه بعض العتب القاسي عليهم، لانكفائهم عنه، وجعله "بلا أهل وبلا أنساب" (ص32). وفي المقابل يجدد دعوته إلى من تخلف من الشعراء عن وليمته ليتسنى لهم المضي أبعد.

"وهكذا، ألن ينضموا إلى وليمتي، إلى خبزي الشخصي، عندما دعوتهم، عندما سأدعوهم إلى العشاء، وخوض الغمار معي، والسفر لولاي إلى البعيد..." (ص33).

ومن دون ذلك، هو الجحيم، لا فصل منه. ذلك أن حياة الشاعر، بحسبه، لا تكتمل إلا بمن آلفوه، وتقاسموا معه حلاوة الشعر ومرارة الحياة.

"وذلك ليس فصلاً في الجحيم، إنما حياة برمتها، وأرض/ وجحيم/ وهذا هو المكان" (ص33).

وفي ختام معاتبته أقرانه الشعراء، ودعوته إياهم إلى وليمة دمه (الشعري)، يستعيد الشاعر العويط صوته المفرد، وإن في أجواء سوريالية،("ولسوف السراديب تتلطخ بمياه آسنة، ويتطاير رفات خارج الدير... ويتخلى مقبض عن السيف... والنجوم الرقيقة ستفلش مكبوتاتها، وسيفر السحاق من الفقر، وقيح يتدلى من مسكنات الألم..." (ص35) تؤازرها صور جحيمية، ضاجَّة بكائنات رمزية مقيتة، فيعلن معها أن الشعر "يتقدم وحده": "ولا جسد يرى/ بل الشعر وحده/ يتقدم وحده الشعر" (ص37).

"وجهك الشرقي قبرك"

وفي خضم معركته مع الشعر والشعراء، لا ينسى الشاعر وجهه الشرقي، وما يستدعيه هذا الارتباط من آلام، وموت، وإقصاء، وانتهاك للحقوق، وإنكار لمكانة أو دور أو وجود، من قبل فئة تجاه فئة أخرى. ففي قصيدة "هذه أرضي"- وهي الخامسة بالترتيب داخل النشيد - يرفع الشاعر العويط صوته، في ما يشبه الصرخة الاعتراضية على كل ما أصاب الشعوب الشرقية من قهر واغتصاب واغتيال واضطهاد، ممثلة بعروس إيزيدية افتض بكارتها المتشددون، أو امرأة من الكرد، منتهكة الكرامة. وبالطبع، يبسط الشاعر خطابه المشرقي الهوياتي بلغة شعرية ثرية، نسيجها متناص من رؤيا يوحنا ومن إشراقات أرتور رامبو، ومن اختزالات أنسي الحاج الشعرية، في "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، وبعض من توراة إشعيا النبي، ومن صور خليل حاوي العدمية، ومن تباديعه (الشاعر العويط) الخاصة في حشد الأحوال وكائنات العالم، قيد التحول جحيماً، والفاقدة نعمتها للتو، أو تلك التي ينبئ بتحولها الجحيمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"وهائماً ستهيم، وتزداد المضائق ضيقاً، وتتحشرج رئتاك بشعاعات صماء، ولن تغدو صحيحاً، ولا الجسم سيغدو، وسقيماً سوف يوقع دفاترك بالهزيمة، ولن يتوقف حبر عن الاضطرام، وعلى محياك لسوف ينبت أطفال موتى، ولسوف أقول، أقول لسوف، وصحراء تلو صحراء، وعلى الشاشة ساحرة خرقاء، وعطلة هي السماوات السبع، وآيات وطلاسم وطقوس ملعونة ستئن كمزمار كمزامير..." (ص40).

ولإثبات أنه كائن مشرقي، بل سليل خلطة الهويات الشرقية كلها، يعمد الشاعر إلى ذكرها جميعاً، أو ما أوتي له إحصاؤها: فهو إذا شرقي، إسلامي، مسيحي، صوفي، زردشتي، خارجي، من الإثني عشرية، أفغاني، شركسي، حاخامي، وهرطوقي، ونسطوري، وإباضي، ومعتزلي، وحنبلي، وشافعي، وسلجوقي، وآريوسي، وأكادي، وعموري، وخلقيدوني، ونينوي، وغيرهم وغيرهم.

إلا أن إثباته المشرقاني هذا، وإن بدا فائق الحدود، والتمايزات، سرعان ما يتضاءل أو يتراجع حيال تنبؤ الشاعر بحلول الصراعات والحروب في ما بين هذه الأقوام "فتصير دماءً ونجوماً حمراً، ولسوف مملوءة غضباً ودخاناً" (ص43). وبهذا يستعيد الشاعر نبرته التشاؤمية، بل العدمية في رؤيته العالم بعامة، والمشرق بخاصة، الآيل إلى الخراب وإهراق الدماء مدرارة، والتي بها تتحول المدائن الشرقية عن قدسيتها، وتضمحل الرأفة، ويحل البؤس، وتنشق الغيوم، ويعم الموت الجميع، في ما يشبه يوم الحشر أو رؤيا يوحنا المخيفة.

في اللغة الشعرية

ولئن يضيق المجال عن تناول مجمل الموتيفات التي يعالجها الشاعر عقل العويط في مجموعته الأخيرة (كحياة في الجحيم)، ولا سيما صورته عن المرأة وعن خرافة الحب واستحالة نجاته وغيرها من صور العشق التي يفصلها في سائر القصائد، داخل النشيد، فإنه لمن الجدير الالتفات إلى لغة الشاعر العويط، في عمله الأخير، والتي عمل على رفعها، وتشذيبها، وتعديل تراكيبها، بحيث تلائم الصوت التنبؤي العالي الذي يقتضيه النشيد العدمي.

ولعل هذا الاختزال في العبارة، وترشيق الجملة الشعرية، وتحريك مواقع الكلام فيها، تقديماً، وحشد الصور الشعرية التي تكفل للشاعر بلوغ الإشباع في أفكاره، بل بما يفيض عنه أحياناً، وانتقاء المعجم "الجحيمي" وتوظيفه في السياق الموضوع له، ورفد كل ذلك بمشاهد دالة على رؤية الشاعر ورؤياه، لعل كل هذه مجتمعة رفعت جمالية النصوص الشعرية (القصائد) الطويلة، وضاعفت من حسن تلقيها من قبل القراء. أما اللازمة، التي ترددت بصور متكررة ومتشابهة جزئيا، في كل من القصائد الـ12، وكل الالتفاتات الحاملة الكلام إلى وجهة المخاطب، وما تنطوي عليه، فستؤول جميعها إلى المتكلم الرائي الفرد، الشاعر صاحب الشعر والتجربة والرؤيا.

"وكشاهد أخير تتركني الجملة وحدي في العتمة/ يتركني الشعر مع الشعر/ وكمثل قصيدة تنجو/ وحب لا ينجو، تكون الجحيم لعنة/ واللعنة حياتي/ واللعنة قصيدة" (ص94).

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة