ملخص
تصاعد النفوذ الصيني في الجامعات البريطانية يثير مخاوف من تقويض حرية البحث والتفكير النقدي، في ظل اعتماد مفرط على أموال الطلاب الصينيين وضغوط مباشرة على محتوى المقررات والأساتذة. النظام التعليمي البريطاني بات مهدداً بتحوّله إلى خدمة مفرغة من قيمه لصالح أجندات خارجية.
على مدى العقد الأخير تصاعد الجدل داخل المملكة المتحدة حول حجم النفوذ الذي تمارسه الصين على البنى التحتية والمؤسسات البريطانية، فبعد التحذيرات من الأخطار التقنية المرتبطة بشركات مثل "هواوي" وشبكات الجيل الخامس، أو الادعاءات في شأن إدماج برامج تجسس في الهواتف والسيارات الكهربائية المصنعة في الصين، تزايدت المخاوف من تعاظم انكشاف بريطانيا أمام جهات أجنبية قد لا تتطابق مصالحها مع مصالحها الوطنية، وهذا الأسبوع امتد القلق من النفوذ الخفي ليشمل الجامعات أيضاً.
في هذا السياق يعبر عدد متزايد من الأكاديميين البريطانيين عن استيائهم مما يرونه تدخلاً من الحكومة الصينية في محتوى محاضراتهم وأبحاثهم، ومن بين الأصوات المنتقدة برزت البروفيسورة ميشيل شيبوورث من "كلية لندن الجامعية" UCL التي شبّهت الأسبوع الماضي تأثير النفوذ الصيني في التعليم بـ "النمل الأبيض الذي ينخر البيت من داخله"، وروَت شيبوورث كيف تعرضت لضغوط من طلاب ماجستير صينيين، ثم من إدارتها في "كلية بارتليت للبيئة والطاقة والموارد" التابعة للجامعة نفسها، لحذف أية إشارة إلى انتهاكات حقوق الإنسان في الصين من أحد المقررات التي تدرّسها حول التفكير النقدي في تحليل البيانات.
رواية شيبوورث الصادمة جاءت بعد صدور تقارير أفادت بأن جامعة "شيفيلد هالام" تواجه تحقيقاً في قضايا مكافحة الإرهاب على خلفية مزاعم خرقها قوانين الأمن الوطني، إثر إيقافها مشروعاً بحثياً كانت تشرف عليه البروفيسورة لورا ميرفي، يتناول مسألة التشغيل القسري للعمال داخل سلاسل التوريد الصينية.
وفي وقت سابق تبيّن أن عدداً من الجامعات البريطانية التي تضم أعداداً كبيرة من الطلاب القادمين من البر الرئيس للصين تقوم بتعديل محتوى مقرراتها لتجنب ما قد يعتبر مساساً بالحساسيات السياسية لبكين، فعلى سبيل المثال اتهم "المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية" عام 2019 جامعة "نوتنغهام"، التي تربطها بالصين علاقات تمتد لأكثر من 25 عاماً وتشمل إدارة فرع مواز في مدينة نينغبو بمقاطعة تشجيانغ، بالسماح بإجراء أبحاث عسكرية صينية في مجال الطيران قرب طريق "ديربي-A52" في منطقة إيست ميدلاندز بإنجلترا.
إلى ذلك كشف تقرير آخر صدر عام 2023 عن مركز أبحاث مستقل أن جمعيات صينية في الجامعات البريطانية، وتقدم نفسها كجمعيات طلابية عادية، تُدار فعلياً بتوجيه من السلطات في بكين وتكلّف بمهمات محددة تتمثل في مضايقة الناشطين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ، وإسكات النقاشات داخل الحرم الجامعي حول قضايا حساسة مثل قمع الصين للأقلية المسلمة من الإيغور في إقليم شينجيانغ، وبالنسبة إلى لعقل الغربي الليبرالي، أو ما بقي منه بعد أن أفسدته الترمبية، فتعد هذه الوقائع أمثلة صارخة على تمزيق الحرية وانتهاك قيمها الجوهرية، ومن المؤكد أن مزيداً من الحقائق سيكشف عنها قريباً في الأوساط الأكاديمية.
هناك مثل صيني شائع يقول "إذا أخذت من أحد شيئاً ما قصُرت يدك، وإذا أكلت من مائدته لان فمُك"، وهذا يعني أن من يقبل مساعدة أو مالاً من طرف ما فسيفقد قدرته الأخلاقية على الاعتراض ويشعر بأنه ملزم بالتنازل له ومجاراته في جميع الأمور، وهذا القول في لغة الماندرين يعادل المثل الغربي القائل "من يدفع للزمار يختارُ اللحن".
يُشار إلى أن الجامعات البريطانية تعتمد إلى حد كبير في بقائها المالي على الرسوم التي يدفعها الطلاب القادمون من البر الرئيس للصين، ووفقاً لأدق الإحصاءات المتاحة فقد بلغت رسوم الدراسة التي دفعها الطلاب الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي خلال العام الأكاديمي 2022 -2023 نحو 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.4 مليار دولار)، أي ما يعادل 21.1 في المئة من إجمال دخل الجامعات البريطانية، كان ربعها من الطلاب الصينيين وحدهم.
وتُقدر مصادر أخرى أن رسوم الطلاب الصينيين في 158 جامعة بريطانية بلغت نحو 5.5 مليار جنيه إسترليني، أي ما يقارب 10 في المئة من إجمال دخل تلك الجامعات. وفي الجامعات التي تعد مقصداً رئيساً للطلاب الصينيين، مثل "كلية لندن الجامعية"، يُقال إن ما يقارب 40 في المئة من إجمال الإيرادات من الرسوم الدراسية مصدرها هؤلاء الطلاب، أما في جامعة مانشستر فيعتقد أن نحو ربع طلابها، أي ما يقارب 10 آلاف طالب، هم من الصين، ولذلك فليس غريباً أن تزخر مانشستر بمطاعم صينية مدهشة تمثل مختلف مطابخ مناطق الصين، لكنه ليس من الغريب أيضاً أن الصين كدولة لا ترى في الجامعات البريطانية منصات لتعليم نخبتها الشابة مهارات التفكير النقدي.
لا توجد ثقافة أخرى، في حدود معرفتي، تُعلي من شأن "القيمة في مقابل المال" كما تفعل الرأسمالية الشيوعية الهجينة في الصين، فالفكرة القائلة إن من يدفع في مقابل خدمة يتوقع أن تُقدم على هواه تماماً، هي جوهر تفكير الصينيين المعاصرين وشركاتهم.
من واقع خبرتي في العمل بالصين، ومن خلال علاقاتي الطويلة مع أصدقاء ومعارف صينيين، يمكنني الجزم بأن كوادر الحزب الذين يضغطون على الجامعات البريطانية لتخفيف محتواها يرون في ذلك أمراً طبيعياً ومبرراً، فالأهالي والمؤسسات في الصين ينفقون مبالغ ضخمة للحصول على خدمة تعليمية تهدف إلى تطوير أداء طلابهم المتفوقين في مهارات مهنية ملموسة تعزز إنتاجيتهم، ولذلك لا يريد هؤلاء أن يعود أبناؤهم من المملكة المتحدة محمّلين بعقليات ناقدة أو متسائلة، فالأمر بالنسبة إليهم يشبه أن تضع ابنتك في دير في الماضي لتخرج منه ملحدة، أما التفكير وفق ما نعتبره نحن صرامة فكرية فهو ليس مجرد أمر محظور في نظر الصينيين بل خطأ جوهري، ولذا لا تبذل الحكومة الصينية أي جهد لإخفاء أجندتها، وتشير البروفيسورة ميشيل شيبوورث إلى أنه من المهم أن يدرك وزير التعليم الصيني، هواي جينبينغ، ضرورة "المشاركة الفاعلة في حوكمة التعليم العالمية".
غير أن المشكلة تكمن كما تقول أستاذة مساعدة في "كلية بارتليت للبيئة والطاقة والموارد" التابعة لـ "كلية لندن الجامعية"، شيبوورث، في أن "الطلاب الصينيين يواجهون صعوبة خاصة في ممارسة التفكير النقدي، لأن حكومتهم لا تريد لهم صراحة اكتساب هذه المهارات"، مضيفة أنه "قد يوجد في القسم طالب أو طالبان فقط من ذوي النزعة القومية القوية، لكنهم يستطيعون ممارسة ضغط على بقية الطلاب الصينيين لحملهم على التصرف بطريقة معينة، والمقلق فعلاً أنهم يبلّغون الحزب الشيوعي الصيني إذا لم يمتثل زملاؤهم لما يطلبونه".
وتوضح شيبوورث أن الأستاذ الجامعي في الصين قد يتعرض للمساءلة من الدولة إذا درّس لطلابه مبادئ التفكير الليبرالي أو مهارات التفكير النقدي والتحقق من صحة المعلومات والادعاءات، لكنها تؤكد أن امتلاك هذه المهارات في المملكة المتحدة يعد شرطاً أساساً لنجاح الطلاب في إعداد أطروحاتهم الأكاديمية، فهم قد يكونون بارعين جداً في الجانب المتعلق بالبيانات والأرقام لكنهم غالباً ما يواجهون صعوبة في كتابة المقالات وصياغة التقييمات النقدية".
هذا الأمر لا يُعد جديداً بالنسبة إلى أي أكاديمي غربي يدرس في الصين، فقد قال لي مدرس ألماني في كلية إدارة أعمال للدراسات العليا في مدينة شنغهاي، عندما تمت دعوتي إلى إلقاء محاضرة هناك، "لقد وجدتُ أن الطلاب هنا أذكياء للغاية ومجتهدون وجادون، لكنهم يفتقرون تماماً إلى أي تقاليد في التحليل النقدي، وسؤالي الذي قد يبدو مقلقاً للغربيين هو: هل غياب هذا التحليل هو ما يعوق تقدم الصين، أم أنه القوة التي تدفعها إلى الأمام؟".
أما المدرس الآخر الذي التقيته، وهو كندي، فتحدث عن المشكلة نفسها التي يواجهها أثناء تدريسه طلاب المرحلة الثانوية، فقد كان جيري يدرّس في مدينة وينتشو الجنوبية الصغيرة حيث بدأت التقاليد الرأسمالية الحديثة عام 1979، أصبحت المدينة ثرية على نحو استثنائي، وكان أبناء الأثرياء يرتادون مدرسة تتبع النظام التعليمي الكندي وتُدرّس باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وقد قال لي جيري إن "الطلاب ممتعون في التدريس وأذكياء للغاية، لكنهم يجدون صعوبة في التعامل مع المسائل الافتراضية، فهم يأخذون كل شيء على محمل الجد حرفياً، فإذا قلتُ لأحدهم ’تخيل أنك مهندس معماري تصمم مدينة جديدة فماذا تود أن تبني فيها؟‘ فسينظر إليّ باستغراب ويقول ’لكنني لستُ مهندساً معمارياً’".
لكن الأمر لا يقتصر على غياب تقاليد التساؤل المرتبطة بالحياة الفكرية الغربية والذي يبدو نقيضاً لطريقة التفكير الشيوعية في الصين، فهناك أيضاً، وهي ليست مبالغة بل حقيقة يعرفها جيداً الأساتذة الجامعيون، تساهل واضح في مسألة الغش في الاختبارات، وقد تعرضت البروفيسورة شيبوورث في "كلية لندن الجامعية" لاتهامات بالتحيز ضد الطلاب الصينيين، جزئياً لأنها ضبطت حالتي غش بين طلاب صينيين، أحدهما يُعتقد أنه استعان بشخص شبيه به ليكمل عنه المقرر الدراسي، وقالت شيبوورث بنبرة لاذعة "أعتقد أن الجامعات تفضل غض الطرف عن الغش بسبب المال".
وقد أعاد ذلك لذهني قصة إحدى معارفي في الصين وهي شابة تُدعى يينغ من أسرة من الطبقة المتوسطة، كانت خلال سنتها الثالثة في دراسة إدارة الأعمال تعيش علاقة سرية مع أستاذها الأسترالي، وفي إحدى الأمسيات وبعد تناول بضعة أكواب من نبيذ الرز، اعترفت مين يينغ بأنها تستأجر فتاة أخرى أكثر تفوقاً منها ومن أسرة ريفية فقيرة لتؤدي عنها الاختبارات، وقالت ممازحة وهي تدرك غرابة الموقف "في النهاية نحن جميعاً نبدو متشابهين، أليس كذلك؟"، مضيفة أن "كل من يملك المال يفعل ذلك، فبينما تؤدي هذه الفتاة الفقيرة اختباراتي أستطيع أن أركز على بناء مشروعي التجاري"، وبالفعل، ووفاء لتخصصها في إدارة الأعمال فقد كانت مين يينغ تشتري مستحضرات التجميل من موقع "تاوباو" الصيني للتجارة الإلكترونية وتبيعها لزملائها الطلاب.
ما يمكن وصفه بنهج براغماتي تجاه التعليم العالي تناولته السلسلة الكوميدية الصينية "حيوات عادية" Ordinary Lives عام 2017، فقد صُور العمل في حرم جامعة نوتنغهام في مدينة نينغبو، وتضمن مشهداً يُتهم فيه هذا الفرع الجامعي ضمنياً بتدني معاييره الأكاديمية، وقالت إحدى شخصيات المسلسل "لقد درستُ أيضاً في ’جامعة نوتنغهام‘ لأربعة أعوام وأفهم زملائي في الفصل جيداً، فما يحتاجونه هو فقط تسليم واجباتهم في الوقت المحدد للحصول على شهادة التخرج".
هذا الكلام أثار غضب إدارة الجامعة ووصفه عميدها بأنه "تحريف متعمد وخيانة للثقة"، واُضطرت محطة هونان التلفزيونية إلى تقديم اعتذار وحذف المشهد وإزالة كل إشارة في المسلسل إلى "جامعة نوتنغهام"، لكن بالنسبة إلى أولئك الذين يشككون في الجامعات البريطانية الفرعية في الصين (بدأت "جامعة نوتنغهام" هذا التوجه لكن هناك الآن عدد من الفروع الجامعية التي أعيد بناؤها حجراً حجراً، بدءاً من "جامعة ليفربول" وصولاً إلى "جامعة هدرسفيلد")، فإن الرسالة واضحة المغزى.
أما الشابة مين يينغ التي اعترفت بأنها غشت على نطاق واسع فلم تكن تنتمي إلى أسرة حزبية، وكانت تحتقر "أولئك الأثرياء المنتمين إلى الحزب والذين يرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج".
ومن بين هؤلاء أيضاً صديقة أخرى تُدعى جينغ وتنحدر من أسرة نافذة، وهي اليوم في الثلاثينيات من عمرها وتعمل مديرة للعلاقات العامة في مدينة شينجن، مركز التكنولوجيا الصيني الضخم الذي يُقارن بلوس أنجليس من حيث الحجم والأهمية، لكن درجتها الجامعية في إدارة الأعمال حصلت عليها من جامعة "سندرلاند" البريطانية، وتأملاتها حول تجربتها الجامعية في إنجلترا لا توحي بأنها تعلمت كثيراً عن الصرامة الأكاديمية أو حتى عن الفضول العلمي البسيط، فقد اكتسبت لهجة سكان "ويرسايد" وأحبت طبق السمك والبطاطا (مثل كثير من الصينيين)، وكانت تذهب إلى مهرجان "غلاستنبري" الموسيقي وارتبطت بشبان بريطانيين.
لكنها بعدما عادت للصين تعترف اليوم بأنها تكره سكان هونغ كونغ الذين تصفهم بـ "الأطفال المدللين"، وتبدي مواقف عنصرية تجاه ذوي البشرة السمراء والمسلمين، وهي من المعجبين بشدة بدونالد ترمب، وعندما سألتها عن مفهوم التحليل النقدي هزّت كتفيها وقالت "لا أفهم الفكرة إطلاقاً، لماذا تبذلون كل هذا الجهد لتشرحوا ما ليس صحيحاً؟ ’هذا مجرّد خرافة، هذا قابل للنقاش، هذا غير مثبت‘، ونحن نهتم أكثر بما هو غير قابل للجدل في العالم الواقعي، فالصينيون يريدون حقائق يمكن العمل بها".
وتضيف جينغ "ماذا جنيتم أنتم من هذا التفكير المليء بالأسئلة؟ ديمقراطيتكم مثيرة للسخرية ومجتمعاتكم تتراجع والجريمة تملأ شوارعكم، وأنتم تعتمدون علينا في كل شيء من مشابك الشعر إلى أجهزة ‘ماك بوك’"، متابعة القول "لقد نشأ والداي في حال من العوز لكنهما الآن يمتلكان سيارة من طراز "مرسيدس" ومنزلاً كبيراً، وقرأتُ في الصحافة الغربية أن نسبة الجياع في الولايات المتحدة أعلى بكثير من الصين، أنا آسفة لكن الخلل في نظامكم أنتم لا في نظامنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الواقع أن التعليم العالي، وخصوصاً مع الكُلف الباهظة التي يتحملها كل من الطلاب والمؤسسات التعليمية في المملكة المتحدة، قد وضع كلا الطرفين، الأهالي والجامعات، على حافة الإفلاس، ولذلك فليس مستغرباً أن نكون قد اعتدنا الاعتماد على الآخرين للمساعدة، وعندما يبدو أن هذا النموذج بدأ يخرج عن السيطرة فقد يكون القرار الصائب هو إيقافه، لكنه بالتأكيد ليس بالأمر السهل، ويشار إلى أن إدارتي "كلية لندن الجامعية" و"جامعة شيفيلد هالام" نفتا جميع الادعاءات الموجهة إليهما، كما أكدت "جامعة شيفيلد هالام" عدم وجود أي اتصال مباشر بينها وبين عملاء الأمن الصينيين، واعتذرت من البروفيسورة ميرفي قائلة "نود أن نؤكد التزامنا بدعم أبحاثها وضمان حرية التعبير والحرية الأكاديمية ضمن الأطر القانونية".
يُذكر أن "قانون الأمن القومي والاستثمار"National Security and Investment (NSI) كان قد دخل حيز التنفيذ في بريطانيا قبل ثلاثة أعوام، وهو يمنح حكومة المملكة المتحدة بالفعل حق مراجعة أية عمليات استحواذ تجارية أو مؤسسية، بما في ذلك تلك التي تقوم بها الجامعات، ويمكن أن تهدد الأمن القومي البريطاني، وكذلك يتيح القانون للحكومة فرض شروط محددة على أي استحواذ، وفي حالات نادرة إمكان إلغاء الصفقة أو منعها بالكامل، وقد أدرجت جامعات بريطانية عدة الآن أحكام "قانون الأمن القومي والاستثمار" ضمن إجراءاتها الخاصة بالعناية الواجبة، نظراً إلى أن الصين تظل إحدى أهم أسواق استقطاب الطلاب الدوليين للمملكة المتحدة، ويقدّر "المجلس الثقافي البريطاني" أنه في عام 2021 أسهم 150 ألف طالب صيني في المملكة المتحدة بأكثر من 5.5 مليار جنيه استرليني (7.2 مليار دولار) في الاقتصاد البريطاني من خلال الرسوم الدراسية وكُلف المعيشة، وتشير بيانات "جامعات المملكة المتحدة" Universities UK بأن الصين لا تزال ثاني أكبر شريك بحثي لبريطانيا في المنشورات الأكاديمية المشتركة خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2018 و 2023.
وعلى رغم وجود مشكلات حقيقية في بعض المؤسسات نتيجة تراكم النفوذ الصيني أو بسبب شراكات مثيرة للجدل، فإن الادعاء بوجود سيطرة منهجية وشاملة من قبل أطراف صينية على الجامعات البريطانية لا يزال بحاجة إلى إثبات، فكيف ينظر الطلاب الصينيون في المملكة المتحدة وأهاليهم وحكومتهم التي تُوصف بأنها "أخطبوطية" في رقابتها الشاملة والرصد الدقيق، إلى كل ذلك؟ ويمكن القول بثقة إن الصين على المستويات كافة تجد هذه الشكاوى مادة للتهكم إلى حد ما، لكنها في الوقت نفسه تثير قدراً من الضيق.
© The Independent