ملخص
تضمنت تهديداً باتخاذ إجراءات في هذا الاتجاه، إذ نصت على "أن أديس أبابا ليس أمامها خيار سوى الدفاع عن نفسها" جراء ما سمته "الغزو الإريتري".
طرحت الشكوى التي وجهها وزير الخارجية الإثيوبي، جيديون تيموثيوس، لأعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد إريتريا، متهماً إياها بنشر قواتها داخل الأراضي الإثيوبية في إقليم تيغراي، ونفي إريتريا تلك الادعاءات التي وصفها بـ"الذريعة لغزو موانئها"، جملة من التكهنات في شأن مسارات المواجهة بين البلدين الواقعين في منطقة القرن الأفريقي. وطرح المراقبون أسئلة تتعلق بفحوى الشكوى الإثيوبية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وما إذا كانت ستجنب الطرفين الدخول في حرب مباشرة، أم أنها بمثابة بلاغ لتقنين أي تدابير عسكرية قد تتخذها أديس أبابا ضد جارتها الساحلية. لا سيما أن الشكوى الإثيوبية الموجهة لمجلس الأمن بتاريخ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تضمنت تهديداً باتخاذ إجراءات في هذا الاتجاه، إذ نصت على "أن أديس أبابا ليس أمامها خيار سوى الدفاع عن نفسها" جراء ما سمته "الغزو الإريتري".
أسمرة تفند
من جهتها، وجهت الخارجية الإريترية، السبت الماضي، مذكرة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رداً على رسالة الخارجية الإثيوبية، قالت فيها إن أديس أبابا أبلغت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رسمياً بأنها "تتخذ تدابير لتنفيذ الحرب العدوانية التي أعلنتها ضد إريتريا منذ ثلاثة أعوام".
وجاء في المذكرة أن "محاولات إثيوبيا لتبرير أعمالها الحربية ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة تحت ذريعة الدفاع عن النفس، هي محاولات واهية المضمون وتمثل إهانة لذكاء المجتمع الدولي".
وذكّرت مذكرة الخارجية الإريترية بتصريح لرئيس الأركان الإثيوبي، الجنرال أبيباو تاديسي، في الـ27 من سبتمبر (أيلول) الماضي بأن "الهدف النهائي للحرب هو غزو عصب، وأن ميكيلي ليست سوى محطة عبور نحو غزو إريتريا".
وطالبت أسمرة مجلس الأمن بـ"إدانة توجه أديس أبابا بشدة بسبب إعلانها الحرب"، وهو أمر سيُلحق دماراً هائلاً بشعبي البلدين ويزعزع استقرار المنطقة بأسرها، حسب نص المذكرة، التي طالبت أيضاً بـ"اتخاذ التدابير الردعية اللازمة وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".
وفي حين لم يصدر من المجلس أي رد رسمي حتى الآن، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أعرب عن قلقه البالغ إزاء تجدد القتال في أقاليم تيغراي وعفر وأمهرة الإثيوبية، وحث جميع الأطراف على "وقف الأعمال العدائية فوراً"، داعياً الموقعين إلى العودة للحوار في إطار اتفاق بريتوريا المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، الذي أنهى حرباً استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير شعب تيغراي".
كذلك أشار إلى تقارير تفيد بوجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، محذراً من أن مزيداً من التصعيد قد يقوض الاستقرار الإقليمي. وذكّر جميع دول المنطقة بالتزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لأي دولة أخرى أو استقلالها السياسي، فضلاً عن الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وطالب غوتيريش الدول ذات النفوذ على الدولتين بممارسة أقصى درجات الضغط لمنع انزلاقهما لحرب جديدة.
بلاغ إجراءات عسكرية
بدوره يرى المتخصص في الشأن التيغراوي، محاري سلمون، أن رسالة إثيوبيا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تتضمن تبريراً لاتخاذ أي إجراءات عسكرية لاحقة ضد أسمرة، وبخاصة أنها تضمنت إشارات واضحة لذلك من خلال ذكر المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تتيح للدول اتخاذ إجراءات عسكرية للدفاع عن النفس، علاوة على الإشارة إلى أنها (إثيوبيا) لم يعد لديها خيار آخر.
ومن ثم يمكن عد الرسالة بمثابة تبليغ رسمي في شأن عمليات عسكرية ضد إريتريا، بحسب سلمون.
ويضيف المتخصص في الشأن التيغراوي قائلاً "على رغم عدم تقديم أدلة ملموسة في شأن مزاعم التدخل الإريتري في تيغراي، فإن مضمون الرسالة يذهب إلى قرار أديس أبابا باتخاذ إجراءات عسكرية".
ويرى سلمون أن رد الفعل الإريتري الذي جاء على لسان وزير الإعلام، "لم يعد كافياً لإيقاف تلك الإجراءات"، ويتابع "لم يكن الرد متناسباً مع حجم الاتهامات الرسمية التي وجهتها أديس أبابا، ومع الإجراءات المحتمل اتخاذها"، موضحاً أنه كان ينبغي على أسمرة أن ترد برسالة رسمية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تثبت عدم تورطها في النزاع الداخلي، وليس إصدار بيان يرفض الاتهامات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استجابة محتشمة
ويشير المتخصص الإثيوبي إلى أن سلوك أسمرة يكشف عن احتمالين، الأول أن يكون هدفه التقليل من حجم الأخطار المحتملة، والثاني أن تكون أسمرة لا تملك حججاً لنفي المزاعم الإثيوبية ومن ثم مستعدة للتعاطي مع رد الفعل الإثيوبي.
ويتابع "أن الحكومة الإريترية درجت على هذا السلوك، فمنذ عامين ظلت تتجاهل الرسائل التي توجهها أديس أبابا ضدها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ذلك على رغم التصريحات الرسمية الإثيوبية التي تنتهك سيادتها، بما في ذلك مشروع النفاذ للبحر الأحمر".
ويرى سلمون أنه "ليس هناك من مؤشرات في شأن إطلاق مبادرات دولية سواء من الأمم المتحدة، أو القوى الدولية الأخرى، لتجنيب البلدين مواجهات مباشرة. ومن ثم فإن الاحتمال الأرجح أن نرى الطرفين يتبادلان إطلاق النار".
التموضع الإقليمي
ويُقدر أن الإجراءات الإثيوبية المحتملة قد لا تقتصر على "حق الدفاع عن النفس بل قد تذهب في اتجاه استغلال الحرب الحالية، كمبرر لتطبيق مشروع النفاذ نحو البحر الأحمر، مما يضيف أبعاداً إقليمية على الصراع الدائر".
ويتابع أن مشروع النفاذ للبحر، ليس مشروعاً إثيوبيا خالصاً، بل تقف خلفه قوى إقليمية تسعى إلى تثبيت تموضعها في البحر الأحمر، من خلال تمكين إثيوبيا من الحضور في هذا الممر المائي المهم للملاحة الدولية، بما يتعارض مع مواقف الدول المطلة عليه، ومن ثم فإن هذا التوجه، في حال نجاحه، سيعزز من إمكانية استدامة صراع النفوذ الإقليمي في المنطقة ككل.
وينوه سلمون إلى أن امتداد الإجراءات العسكرية الإثيوبية المحتملة إلى سواحل البحر الأحمر، قد يدفع قوى إقليمية مناوئة للحلف الذي تنتظم فيه إثيوبيا، إلى دعم الطرف الإريتري، مما قد يسهم في تحول طبيعة الصراع، من نزاع إثيوبي-إريتري، إلى حرب إقليمية بالوكالة.
ردع التدخل
من جهته، يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن "الرسالة التي وجهتها إثيوبيا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تستند على تقارير دولية، تؤكد انتهاك إريتريا لسيادة إثيوبيا، ومن ثم تسعى أديس أبابا إلى تفعيل حق الدفاع عن النفس"، مشيراً إلى أن "الرد الإثيوبي من المتوقع أن يكون متناسباً مع حجم الانتهاكات الإريترية".
ولفت إلى أن "أديس أبابا ليست بحاجة إلى ذريعة لخوض حرب ضد إريتريا، منوهاً إلى ضرورة التفريق بين مشروع النفاذ إلى البحر الذي أعلنته بصورة مباشرة، وحددت الطريقة السلمية التفاوضية وسيلة له، وبين الرد على الانتهاكات الأخيرة للسيادة الإثيوبية".
ويوضح غيدوان أن "الهدف الأول لمذكرة الخارجية الإثيوبية الموجهة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كف إريتريا عن التدخل في الشأن الداخلي الإثيوبي، ومنع إسنادها للمتمردين في تيغراي"، مضيفاً "أديس أبابا تحلت بضبط النفس وإبلاغ الأمم المتحدة في شأن التدخلات الإريترية عوض اتخاذ إجراءات ميدانية أحادية الجانب، يكفلها ميثاق الأمم المتحدة، وبخاصة أن الجيش الإثيوبي يقاتل الآن في أكثر من جبهة لضمان الاستقرار ودحر القوى المتمردة". وأعلن أن الجيش الفيدرالي ليس في وضع يسمح له الآن بفتح جبهات مع إريتريا، بقدر ما يسعى إلى ردعها عن التدخل في الحرب الدائرة في تيغراي، وضمان عدم إفلاتها من العقاب لاحقاً.
وتابع "المشروع الإثيوبي للنفاذ إلى البحر الأحمر له وسائله السياسية والدبلوماسية، ومن الممكن أن يكون من خلال سواحل دول أخرى، وليس محصوراً على السواحل الإريترية"، مؤكداً أن ليس هناك من أدلة دامغة على ارتباط الحرب الحالية التي أعلنها المتمردون بترقياتهم الخاصة بالسعي الإثيوبي إلى الوصول للبحر الأحمر.