ملخص
على رغم إعلان المسؤولين اكتمال الاندماج وافتتاح مؤسسات الحكومة تشهد الحسكة منذ أسبوعين تظاهرات تطالب بفرض سيطرة الدولة ورفع العلم السوري فيها، إلا أن الأطراف الكردية والمجتمعية تنظر بعين القلق إلى احتمال انزلاق ممارسات المتظاهرين نحو صدام أهلي في المحافظة.
تشهد محافظة الحسكة قلقاً بين الحين والآخر جراء الخشية من انزلاق الأوضاع نحو صدام أهلي أو تعرقل في مسار الاندماج الذي يقول المسؤولون إنه شارف على الاكتمال بين قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها المدنية الإدارية ونظيراتها الحكومية.
فقبل أسبوعين انتشرت دعوات إلى التظاهر في مدينة الحسكة التي تمثل مركز المحافظة الواقعة أقصى شمال شرقي البلاد، وشاركها ناشطون مسؤولون في الحكومة وبرلمانيون أيضاً، ودعت إلى فرض سيادة الدولة وبسط سيطرتها على كامل المحافظة.
خرجت التظاهرة التي انطلقت عقب صلاة الجمعة أول من أمس، من حي غويران ذي الغالبية العربية باتجاه ساحة مركز المدينة التي سميت أخيراً "ساحة السلام" بعدما كانت تسمى سابقاً ساحة الرئيس بسبب وجود تمثال للرئيس السوري السابق حافظ الأسد في وسطها. وشارك مئات فيها رافعين شعارات تدعو إلى فرض سيادة الدولة، وأعلاماً سورية، وتخللتها محاولة شبان دخول القصر العدلي لإنزال رايات كردية، فيما نجح آخرون بتمزيق وإنزال علم كردي وحرقه، مما دفع متظاهرين أكراد في اليوم التالي إلى الخروج في عدد من المدن لرفع راياتهم والتنديد بحادثة حرق العلم.
وكانت الجهات الرسمية الحكومية بحضور المحافظ الكردي ونائبيه المعينين من الحكومة وشخصيات عشائرية وجماهير، رفعوا العلم السوري على سارية ضخمة وسط "ساحة السلام"، واعتبر المسؤولون هناك أن هذا العلم يمثل جميع السوريين بمكوناتهم المختلفة، لا سيما في محافظة الحسكة. مع ذلك خرجت تظاهرة الجمعة التي دعا إليها ناشطون من المكون العربي، وغالبيتهم لا يقيمون داخل المدينة التي يعدونها تحت السيطرة الفعلية لقوات سوريا الديمقراطية، لكن بعض الداعين إلى التظاهرة كانوا من المشاركين فيها مع وفود أخرى من خارج المدينة استقبلوا بإطلاق النار في الهواء من قبل بعض السكان، حيث كان التجمع من داخل حي غويران الذي انطلقت منه المسيرة المؤيدة للحكومة.
ملثمون وسكاكين
مع ازدياد عدد المتظاهرين الذين قدر عددهم بنحو 2000 شخص وسط "ساحة السلام" أمام قصر العدل في الحسكة، ازدادت مظاهر رفع الأعلام ذات الطابع الإسلامي كراية "جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، إضافة إلى وجود بعض الملثمين، وشهدت الساحة تمزيقاً لليافطة التي تحمل اسم "السلام" باللغات العربية والكردية والسريانية وعدها متظاهرون تسمية أطلقتها "قسد" على الساحة، إضافة إلى إطلاقهم شعارات دينية وتكبيرات.
بعدها توجه عشرات من المتجمعين شمالاً نحو الساحات والأحياء ذات الغالبية الكردية والمسيحية في المدينة، وإذا وصولوا إلى أي لافتة تحمل طابعاً كردياً اعتدوا عليها وكسروها وفق ما نشرت مواقع رسمية ووكالات أنباء رصدت التظاهرة، مما أدى إلى تدخل قوى الأمن العام لمنع المتظاهرين من التقدم نحو الأحياء الكردية أو تكسير الممتلكات واللافتات، لكن هذه الجموع استطاعت الوصول إلى كل من دوار الحمامة والكنيسة الآشورية، التي تبعد عن ساحة التجمع المعلنة أمام القصر العدلي بنحو كيلومتر، ونقلت وكالات أنباء عالمية مشاهد تجول المتظاهرين في الأحياء المسيحية رافعين الرايات الإسلامية، وبعضهم كانوا ملثمين ويرفعون السكاكين.
كل ذلك أثار مشاعر الغضب لدى سكان من الحسكة لا سيما الكرد منهم، الذين خرجوا في مسيرات بالعربات رافعين الأعلام الكردية، مما ختم نهار الجمعة المتوتر، في حين سجلت إصابات عدة بين صفوف المدنيين الأكراد برصاص مسلحين أثناء مرورهم قرب دوار الصناعة، حيث افترق المتظاهرون ثم تجمع بعضهم في المكان، وفق ما نقلت وكالة "هاوار" الكردية من دون صدور بيان رسمي من قوى الأمن الداخلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأصدرت أحزاب اللقاء التشاوري التي تضم ثمانية أحزاب، تصريحاً صحافياً قالت فيه إن مدينة الحسكة شهدت أول من أمس، احتجاجاتٍ دعت إلى بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية، في وقت تسير عملية الاندماج بصورة سلسة ومن دون عوائق تُذكر، بحسب تصريحات الفريق الرئاسي المكلف متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين رئيس الجمهورية وقائد قوات سوريا الديمقراطية في الـ29 من يناير (كانون الثاني) الماضي.
وتابعت الأحزاب أن المتظاهرين رفعوا شعاراتٍ ضد قوات سوريا الديمقراطية التي أصبحت جزءاً من هيكلية وزارة الدفاع السورية، وتعاملوا بصورة غير لائقة مع الرموز الوطنية الكردية. وهناك دعوات للتظاهر الجمعة المقبل.
وعبرت الجهات السياسية الكردية عن قلقها من أن هذه الاحتجاجات تقتصر بصورة أساسية على المكوّن العربي، "مما يثير الاستغراب والتساؤل، لأن أي حراكٍ أو مطالب عامة في الحسكة ينبغي أن تكون جامعة لجميع مكونات المنطقة، ولا تتحول إلى تعبير أحادي قد يسهم في زيادة منسوب التوترات والانقسامات المجتمعية".
وشددت على أن "مثل هذه الممارسات تُعمّق حال الاحتقان، وقد تتطور إلى فتنة بين أبناء الوطن الواحد، أو إلى حرب أهلية لا يمكن لأحدٍ السيطرة على نتائجها وتداعياتها على مجمل الوضع السوري، في وقت نحتاج إلى بناء الثقة وتأمين مناخات إيجابية للتواصل والحوار بين مكونات المنطقة".
وحملت الأحزاب الكردية الجهات الحكومية مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار، وطالبتها بالإسراع إلى سد الطريق "على كل من تسوّل له نفسه إثارة الفتنة أو خلق صراع مجتمعي، والعمل في الوقت ذاته على معالجة المطالب المشروعة للمواطنين عبر الحوار والقنوات السلمية".
من جهته حذر مجلس سوريا الديمقراطية، من خطورة تحويل أي خلاف سياسي أو أمني إلى خلاف بين مكونات المجتمع، أو استخدام الحوادث والرموز والهويات القومية والدينية لإثارة مشاعر العداء والكراهية بين أبناء المنطقة. وقال في بيان تضمن عدداً من المطالب والخطوات لتعزيز السلم، إن "الحسكة ليست جديدة على الكرد والعرب والسريان الآشوريين وغيرهم من أبناء المنطقة، فقد عاشوا فيها معاً، وتشابكت بينهم علاقات الجيرة والعمل والمصاهرة والمصالح والمصير المشترك عبر أجيال. وما يجمعهم اليوم، بعد أعوام طويلة من الحرب والمعاناة والتهجير، ينبغي أن يكون أساساً لبناء مستقبل مشترك، لا مادةً لإعادة إنتاج الانقسام والصراع".
خشية من الفتنة
من جانبه، قال أكرم محشوش الشخصية الاجتماعية والقبلية، لـ"اندبندنت عربية" إن الشيوخ والوجهاء في القبائل بالمنطقة غير راضين على "التصرفات" التي يخرج بها المتظاهرون، موضحاً أن المطالب بالسيادة تجري وفق اتفاق الاندماج، وهو في مراحل اكتماله، وكذلك العلم السوري رفع بصورة رسمية وسط المدينة وبمشاركة رسمية وشعبية، وهم يؤيدون بسط سيادة الدولة ولكن ليس عبر تصرفات تؤدي إلى الفتنة، وفق تعبيره.
وشدد على أن التحريض والفتنة ليسا في مصلحة البلاد ومنطقة الجزيرة على وجه الخصوص، وأن الكرد والعرب شعبان متعايشان في الحسكة، مطالباً السلطات بسد الطريق أمام أي عمل يؤدي إلى التصادم العشائري.
وكتب الصحافي والناشط إبراهيم الحلبي، وهو أحد الداعين والمشاركين في تظاهرة الحسكة، إنه في حال لم تحقق التظاهرات الأهداف المعلنة خلال مدة زمنية معينة هناك خيارات تصعيدية أقوى، منها اعتصام خيمة داخل الحسكة، واعتصام مماثل ووقفة احتجاجية أمام الداخلية والخارجية في دمشق، وتصعيد للاحتجاجات لتشمل مناطق أخرى في الجنوب والشمال، موضحاً أن الخيارات مفتوحة ومتاحة أمام الجميع، داعياً الحكومة السورية إلى البدء "بخطوات ملموسة واستجابة سريعة لمطالب المتظاهرين وفتح حوار مباشر مع أبناء الحسكة".
يبقى الوضع مفتوحاً على احتمالات عدة قد تعقد المشهد وتطرح أسئلة أساسية حول مسار الاندماج ما بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، التي أصبح قائدها العام مظلوم عبدي جزءاً من منظومة رئاسة الجمهورية في البلاد عبر منصبه كمستشار، وقال في اجتماع مع أهالي بلدة تل تمر إن "عملية الاندماج وصلت إلى مراحلها الأخيرة"، مشيراً إلى أن هذا المسار أُنجز بفضل الإيمان بالخطوات التي جرى اتخاذها على رغم محاولات إفشالها. ونقلت وكالة "هاوار" أن عبدي شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب التمسك بالسلم الأهلي وتعزيز التعايش بين مختلف مكونات المنطقة، مؤكداً "لن نعود خطوة إلى الوراء، ولن نسمح بافتعال الفتن، وسنقطع الطريق أمام الجهات التي تحاول خلق الفتنة بين مكونات المنطقة لأننا نؤمن بالسلام ونعمل من أجله".