ملخص
اعترضت ليبيا أوروبياً على ما عدّته ربطاً ضمنياً بين ليبيا وإيران، إذ كانت الزيارتان موضوعتين معاً في ترتيب منفصل عن زيارات أخرى كان مقرراً القيام بها بعد عيد الفصح إلى دول أخرى في المنطقة، ورأى الليبيون أن هذا الربط غير مقبول. فماذا جرى؟
تكشف وثائق بريطانية عن تفاصيل تطور موقف الاتحاد الأوروبي من زيارة "الترويكا" إلى ليبيا خلال عام 1996، منذ مرحلة الإعداد التي كادت تؤدي إلى إلغاء الزيارة أو تأجيلها بسبب الشروط الليبية، وصولاً إلى النقاش الأوروبي اللاحق حول الكيفية التي نُفذت بها المهمة، والرسائل التي حملتها إلى طرابلس.
كذلك تتناول الوثائق، في سياق اجتماع مجموعة المشرق - المغرب في يوليو (تموز)، ملف تونس وحقوق الإنسان، ومشروع التشريع الأميركي الخاص بالعقوبات على إيران وليبيا، وما أثاره من مخاوف أوروبية.
الخلاف حول موعد زيارة "الترويكا" وشروط الجانب الليبي
تشير وثيقة بريطانية مؤرخة في الـ 16 من أبريل (نيسان) 1996، نقلت برقية أُرسلت أصلاً من طرابلس في الثالث من الشهر نفسه، بعنوان "ليبيا: زيارة الترويكا"، إلى أن المطالب التي طرحها الجانب الليبي حول الزيارة دفعت معد البرقية إلى الاستنتاج بأن المهمة ينبغي إمّا أن تؤجل أو تُلغى، مع توصية واضحة بأن ترفض الدول الأوروبية الشروط الليبية.
وأوضحت الوثيقة أن السفير الإيطالي أطلع رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي في طرابلس في الثالث من الشهر نفسه على الجهود التي بذلها لترتيب زيارة "الترويكا" التي كان مقرراً أن تجرى في الثالث والرابع من أبريل، وذكرت أن سلسلة من المحادثات جرت مع وزير الشؤون الخارجية ومع المسؤول الليبي المتخصص في الشؤون الأوروبية، العبيدي، لكن الليبيين ظلوا يرفضون بصورة متواصلة المواعيد المقترحة.
وبيّنت الوثيقة أن أحد أسباب الاعتراض الليبي كان ما عدّته طرابلس ربطاً ضمنياً بين ليبيا وإيران، إذ كانت الزيارتان موضوعتين معاً في ترتيب منفصل عن زيارات أخرى كان مقرراً القيام بها بعد عيد الفصح إلى دول أخرى في المنطقة، ورأى الليبيون أن هذا الربط غير مقبول.
وفي المقابل، أفادت الوثيقة بأن ليبيا لم ترفض مبدأ الزيارة في حد ذاته، بل أكدت أنها ستستقبل "الترويكا" إذا أُجلت الزيارة، غير أن طرابلس أضافت شروطاً أخرى، من بينها أن يتضمن جدول الأعمال مواضيع مثل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا و"قضية لوكربي"، وأن لا تُسلّم رسائل مكتوبة خلال الزيارة.
وتشير الوثيقة إلى أن السفير الإيطالي أكد أمام زملائه أنه ضغط على الليبيين من أجل قبول المواعيد المقترحة، وكذلك اقترح إعداد تقرير قصير من رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي، وإرساله إلى روما عبر قنوات الاتحاد الأوروبي، ليقدم وصفاً واقعياً للاتصالات الإيطالية مع الجانب الليبي، ويضع أمام الشركاء الأوروبيين مسألة تحديد الأولوية: هل ينبغي الحفاظ على الربط المقصود بين ليبيا وإيران، أم ينبغي إعطاء الأولوية لضمان حصول الزيارة من خلال قبول موعد بديل؟ كذلك ورد في الوثيقة أنه، بناء على طلب الجانب البريطاني، أُدرجت في التقرير إشارة صريحة إلى طلب الليبيين إضافة مواضيع أخرى إلى جدول الأعمال.
ومن ناحية أخرى، أظهرت المناقشات بين رؤساء البعثات الأوروبية وجود اختلاف في التقدير، فقد رأى معظم رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي أن الإصرار على تواريخ محددة، وعلى جدول أعمال موضوع سلفاً يمكن أن يُعد تصرفاً غير ملائم تجاه ليبيا، وأن قدراً من المرونة في الموعدين وجدول الأعمال أمر مطلوب.
وأشارت الوثيقة إلى وجود دعم لهذا الرأي من ممثلين أوروبيين آخرين، غير أن التقييم البريطاني الوارد في البرقية كان أكثر تحفظاً، إذ حذّرت الوثيقة من أن الاستجابة للشروط الليبية قد تتيح لطرابلس تحويل الزيارة لمصلحتها السياسية، خصوصاً في ظل حقيقة أن سياسة إبقاء ليبيا في حال من العزلة، لم تكن تتيح مجالاً كبيراً للمرونة في التعامل مع زيارة استثنائية من هذا النوع.
وفي قسم التعليق، كشفت الوثيقة عن أن الربط بين زيارة ليبيا وزيارة إيران كان متعمداً منذ البداية، وأوضحت أن الجانب البريطاني كان قد سعى عمداً إلى وضع الزيارتين في إطار واحد، انطلاقاً من القلق من أن تؤدي زيارات لاحقة لـ "الترويكا" إلى دول أخرى في الشرق الأوسط إلى إضعاف الأثر السياسي المقصود من التحرك تجاه كل من طهران وطرابلس.
وبحسب الوثيقة، فإن قبول الاتحاد الأوروبي مطلب ليبيا بنقل زيارة طرابلس إلى ما بعد عيد الفصح، سواء أُلحقت ببرنامج زيارات الخليج العربي أو نُظمت بصورة منفصلة، كان سيؤدي إلى إضعاف الغرض الأصلي من الزيارة، وكذلك كان من الممكن أن يسمح لليبيا بتصوير ذلك، باعتباره دليلاً على حدوث انفراج في العلاقات الليبية - الأوروبية، ولا سيما إذا قُبل في الوقت نفسه توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا ترغب طرابلس في مناقشتها.
وبناء على ذلك، أوصى مرسل البرقية بأنه، بعد توزيع تقرير رؤساء البعثات، ينبغي رفض أي مقترح لإعادة إدراج زيارة طرابلس بعد عيد الفصح، وأفادت الوثيقة بأن عدم قيام "الترويكا" بالزيارة لن تكون له، في تقديرها، عواقب كبيرة، لأن التحرك الدبلوماسي المقصود لم يكن يُتوقع أن يكون له تأثير يذكر في موقف النظام الليبي تجاه الإرهاب الفلسطيني وعملية السلام.
اجتماع مجموعة المشرق - المغرب
تنتقل الوثائق بعد ذلك إلى تقرير شفهي عن اجتماع مجموعة عمل المشرق - المغرب (COMAG) المنعقد في الأول من يوليو (تموز) 1996، وأفادت الوثيقة بأن المفوضية الأوروبية وزّعت خلال الاجتماع عرضاً لمشروع قانون العقوبات على إيران وليبيا.
وذكرت الوثيقة أنه بالنظر إلى أن التشريع كان يُتوقع اعتماده من جانب مجلس الشيوخ الأميركي في الرابع من يوليو أو في أوائل سبتمبر (أيلول)، اقترحت المفوضية أن يعاود الاتحاد الأوروبي الاتصال به فور اقتراب اعتماده، حتى يمكن ممارسة ضغط بعد أن يصبح نصه قد اتخذ شكله النهائي تقريباً، وأوضحت أن هذا التحرك يمكن أن يتخذ شكل مراسلة أو تدخل من الرئاسة أو المفوضية.
كذلك أشارت الوثيقة إلى أن أحد الوفود لفت إلى احتمال تشديد النص النهائي أثناء مروره في مجلس الشيوخ، بالنظر إلى أن عدداً مهماً من أعضاء مجلس الشيوخ كانوا قد انتقدوا علناً النسخة التي أقرها مجلس النواب.
تناول التقرير وضع حقوق الإنسان في تونس، وأشار إلى تراجع سجلها في هذا المجال، على رغم نجاحها في إبرام اتفاق شراكة جديد مع الاتحاد الأوروبي، وتركزت المخاوف الأوروبية خصوصاً على التعددية السياسية وحرية الصحافة وغياب معارضة سياسية حقيقية.
وناقشت دول الاتحاد إمكان اتخاذ تحرك دبلوماسي رسمي تجاه الحكومة التونسية، بما في ذلك إرسال بعثة "الترويكا" تحمل رسالة واضحة حول حقوق الإنسان، وأيدت غالبية الوفود هذا التحرك، وكذلك جرت مناقشات حول الموضوع بين البرلمانين الأوروبي والتونسي، مع إنشاء لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة.
وفي ختام النقاش، جرى التوافق على تنفيذ تحرك دبلوماسي رسمي في تونس في إطار اتفاق الشراكة والشراكة الأوروبية - المتوسطية، على أن يتولى رؤساء بعثات الاتحاد في تونس إعداد هذا التحرك، ولم يُدرج ضمنه اقتراح إجراء تبادل مباشر بين البرلمان الأوروبي والبرلمانيين التونسيين حول حقوق الإنسان.
التقييم الأوروبي لزيارة "الترويكا" إلى ليبيا
يتناول القسم الليبي من تقرير اجتماع الأول من يوليو زيارة "الترويكا" التي كانت قد جرت في نهاية المطاف إلى طرابلس، ويكشف عن نقاش حاد نسبياً بين الدول الأوروبية حول طبيعة المهمة، وحدودها والرسائل التي نُقلت خلالها.
وتشير الوثيقة أولاً إلى أن الليبيين دانوا الإرهاب بجميع أشكاله، وكذلك أظهرت أن ليبيا لم تقدم دعماً للجماعات التي ارتكبت أعمالاً إرهابية ضد المدنيين، وأبدت استعداداً لمواصلة التعاون في تقديم المعلومات، كذلك فعلت مع الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA))، ودانت أعمالاً إرهابية حديثة، من بينها تفجير مانشستر.
وفي الوقت نفسه، حذّرت الوثيقة من المبالغة في تفسير هذه اللهجة الليبية الجديدة، فقد رأت أن ما ظهر من وجه أكثر إيجابية لدى الليبيين، يجب أن يُنظر إليه بحذر شديد، وأن الحكم الحقيقي ينبغي أن يستند إلى الأفعال لا الأقوال فقط.
وأفادت الوثيقة بأن الليبيين، إضافة إلى الرسالة المتعلقة بـ "إعلان باليرمو"، أثاروا مسائل أخرى مثل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، والشراكة الأوروبية - المتوسطية، و"قضية لوكربي"، وردّت "الترويكا"، بحسب الوثيقة، بأن للاتحاد الأوروبي موقفاً واضحاً يستند إلى الالتزام الدقيق من جانب ليبيا بقرارات مجلس الأمن الدولي.
وذكرت ممثلة المفوضية أن الزيارة مثلت، بالنسبة إلى الجانب الليبي، أول اجتماع حواري حاسم بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، وأشارت إلى أن الانطباع الإيجابي الذي أعطاه الليبيون ينبغي تأكيده من خلال أفعال لاحقة.
غير أن الوفد البريطاني أعرب عن قلق واضح إزاء الطريقة التي نُفذت بها المهمة، وأفادت الوثيقة أن الجانب البريطاني رأى أن البعثة تجاوزت نطاق تفويض باليرمو، وأن رسالتها إلى الجانب الليبي بدت ودّية أكثر مما ينبغي، وكذلك شجّعت "الترويكا" على الاعتقاد بأن أحد أعضاء البرلمان الأوروبي، قد طُلب منه التمهيد أو الدعم لمسارٍ ما.
وأكد الموقف البريطاني أن "الترويكا" كان قد طُلب منها توجيه رسالة حازمة لا لبس فيها حول الإرهاب وعملية السلام في الشرق الأوسط، ولم تكن مكلفة بتعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا.
وكذلك ذكرت الوثيقة أنه لم يكن هناك تفويض لمناقشة تفصيلات لوكربي أو لإعطاء إشارات إيجابية لليبيين حول رغبتهم في المشاركة في عملية برشلونة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشارت بريطانيا كذلك إلى أنها طلبت رسمياً إثارة مسألة الخروقات الليبية الأخيرة للحظر الجوي، إلا أن "الترويكا" تجاهلت هذا الطلب.
وأفادت الوثيقة بأن هولندا أيدت الموقف البريطاني، وذكرت بقوة أن المجموعة لم تتفق على محاولة تشجيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، وأن الرسالة الإيجابية التي وجهها الليبيون إلى "الترويكا" ينبغي أن تتبعها أفعال فعلية، أمّا إيطاليا وإسبانيا فقد رفضتا هذا النقد، ووُصف الانتقاد الصادر عن الوفدين البريطاني والهولندي بأنه غير مقبول.
الدفاع الإسباني والإيطالي عن الزيارة
أوضحت الوثيقة أن إسبانيا أصرّت على أن "الترويكا" أوصلت رسالة شديدة الوضوح والحزم حول الإرهاب، وأن المهمة لم تبتعد من المستوى السياسي المطلوب، ومن ثمّ لا ينبغي اعتبارها خروجاً عن التفويض.
وأضاف الجانب الإسباني أن الأقوال الليبية "المعسولة" يجب أن تتبعها بالفعل خطوات إيجابية، لكن "الترويكا" لم تبد أي اهتمام خاص إلا عندما تعلق الأمر بحقيقة أن ليبيا نفسها جعلت مشاركتها مستحيلة، بسبب موقفها من قرارات مجلس الأمن الدولي.
وبالنسبة إلى قضية خرق الحظر، رأى الجانب الإسباني أن ليبيا لم تكن الطرف الوحيد المسؤول، وأن مصر كانت قد خرقت الحظر أيضاً، وهو ما قوبل بترحيب رحلة مرتبطة بذلك من طرابلس، أما إيطاليا فأكدت أن "الترويكا" نفذت المهمة وفق القرارات المتخذة في باليرمو، وأشارت إلى أن الجانب الليبي انتهز فرصة إثارة قضايا أخرى، وأن الاتحاد الأوروبي سجّل الملاحظات الليبية وعلق عليها.
وفي ما يتعلق بخرق الحظر، قالت إيطاليا إنه لم يكن ثمة تفويض لإثارة المسألة بصورة مستقلة، ولذلك رأت أن الطلب البريطاني كان مشمولاً ضمن الإشارة العامة إلى قرارات مجلس الأمن.
أفادت الوثيقة بأن فرنسا رأت كذلك عن القلق حول المهمة، وأيدت عدداً من النقاط التي أثارتها بريطانيا، ورأت أن "الترويكا" تجاوزت التفويض، وأنها أبدت قدراً زائداً من التكيف أو التساهل، وكذلك أكدت فرنسا أنه كان ينبغي إيصال رسالة قوية حول خرق الحظر.
وأشارت الوثيقة كذلك إلى أن التقارير الإعلامية عن الزيارة كانت قد خضعت بصورة شبه كاملة لتوجيه التلفزيون الليبي، وهو ما أدى إلى تقديم صورة جزئية وغير دقيقة لأهداف الزيارة ونتائجها.
الخلاصات الأوروبية بعد النقاش
بعد هذا السجال، خلصت الرئاسة إلى مجموعة من النقاط التي حاولت الجمع بين الآراء المختلفة، فقد أفادت الوثيقة بأن المجموعة اتفقت على أن "الترويكا" نفذت تفويضها، مع الإقرار بأن بعض الوفود أبدت قلقاً حول الطريقة التي عولجت بها بعض المواضيع.
كذلك أكدت أن الزيارة لم تشكّل بداية حوار حاسم أو رسمي مع ليبيا، وأن الاتحاد الأوروبي لم يكن قد دخل في حوار من هذا النوع مع طرابلس، وفي الوقت نفسه، رحبت المجموعة بتقرير الأمانة العامة حول الزيارة، ورأت أن الجانب الليبي أبدى توجهاً إيجابياً إزاء علاقاته مع الاتحاد الأوروبي.
وخلصت كذلك إلى أن الزيارة مثلت مبادرة مهمة من جانب الاتحاد الأوروبي، وأن الكرة أصبحت، وفق التعبير الوارد في الوثيقة، في ملعب ليبيا، بعد أن أوضح الاتحاد مطالبه المتعلقة بسلوك ليبيا الدولي في ما يخص عقوبات الأمم المتحدة والإرهاب، وعملية السلام في الشرق الأوسط.
واقترحت الرئاسة، في إطار متابعة الزيارة، أن يقوم الاتحاد الأوروبي برصد مدى التزام ليبيا الفعلي بالمعلومات والوعود التي قدمتها لـ "الترويكا"، باعتبار أن ذلك سيسمح بتحديد ما إذا كان الموقف الليبي الإيجابي قد تطور بصورة حقيقية، وأُسندت إلى رؤساء البعثات في طرابلس مهمة إبقاء هذه المسألة قيد المراجعة، وتقديم تقارير لاحقة إلى المجموعة.
وفي نهاية التقرير، أبلغت المفوضية المجموعة، بناء على طلب الرئاسة، بالتطورات المتعلقة بالتشريع الأميركي الخاص بإيران وليبيا، وأفادت الوثيقة بأن التشريع، في ما يخص ليبيا، كان يوصف بأنه أكثر التشريعات الأميركية امتداداً خارج الحدود الإقليمية حتى ذلك الوقت.
وفي الوقت نفسه، عُد النص الذي اعتمده مجلس النواب تحسناً مقارنة بمسودات سابقة، وذكرت الوثيقة أن هذا التحسن قد يكون نتيجة تحركات أوروبية فردية وجماعية تجاه الولايات المتحدة.