Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ستارلينك وأوكرانيا... من مهمة إنقاذ إلى تهديد مستقبلي

يراقب العالم ما يحدث ودول وشركات تسارع لتطوير شبكات أقمار اصطناعية خاصة بها

لا تزال قدرة أوكرانيا على استخدام تقنية "ستارلينك و"ستارشيلد" لاعتراض المسيرات الروسية أمراً غير واضح (غيتي)

ملخص

من الصعب فصل التطورات الأخيرة في أوكرانيا عن السياق التاريخي الأوسع لمدى تطور الابتكارات العسكرية، وتأثيرها المباشر في تشكيل وقائع جديدة، إذ تتقاطع التطورات التكنولوجية مع الجغرافيا السياسية بطرق تدفع عجلة الابتكار العسكري إلى الأمام.

عندما شنت روسيا هجومها الشامل على أوكرانيا خلال فبراير (شباط) 2022، ناشد المسؤولون في كييف إيلون ماسك لتوفير خدمات الاتصال بشبكة الأقمار الاصطناعية التي يمتلكها "ستارلينك"، وخلال أيام منح رجل الأعمال الأميركي الحكومة والجيش الأوكرانيين حق استخدام الشبكة.

وعلى مدى خمسة أعوام، أقر الأوكرانيون صراحة بأنهم كانوا سيخسرون الحرب من دون هذه الشبكة، لكن القوات الأوكرانية تواجه الآن خطر الاعتماد على ستارلينك، ونسختها المخصصة للاستخدامات الدفاعية "ستارشيلد" بسبب تقييد أميركي جزئي لاستخدامها، مما ينذر بتداعيات واسعة النطاق تهدد مستقبل أوكرانيا وقدرتها على الصمود، فكيف تعمل ستارلينك وهل من بديل لها؟ وإلى أي مدى تميل الكفة التكنولوجية حالياً لصالح موسكو؟ ولماذا تهدد معركة السماء صمود أوكرانيا على الأرض؟

غموض متواصل

لا تزال قدرة أوكرانيا على استخدام تقنية الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض التابعة لشركة "سبيس إكس"، وهما نظاما "ستارلينك و"ستارشيلد" لاعتراض الطائرات المسيرة الروسية التي تعمل بمحركات نفاثة، أمراً غير واضح، ففي حين أوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن وصول بلاده إلى تقنية "ستارلينك" يظل مقيداً بسرعة 161 كيلومتراً في الساعة (نحو 100 ميل في الساعة)، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدخله في نظام "ستارشيلد"، كما رفض وزير خارجيته ماركو روبيو مزاعم زيلينسكي بأن تعطل النظام كان متعمداً.

وبينما يتفاقم التضارب في التصريحات عقب إعلان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة "سبيس إكس"، بأن الحكومة الأميركية هي المسؤولة عن نظام ستارشيلد، وأن أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأميركي ورئيس الولايات المتحدة، طالبت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، المفتش العام لوزارة الدفاع بإجراء تحقيق حول كيفية حدوث هذا التعطيل في النظام، وسط تساؤلات جديدة حول مدى التزام الولايات المتحدة بدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، مع تصاعد التوترات عقب اتخاذ ترمب خطوة مفاجئة بعقد صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحصول على وقود الديزل الروسي، وما أعقب ذلك من تخفيف للعقوبات الأميركية على موسكو، ثم مطالبة ترمب باستبدال زيلينسكي.

لكن إذا كان الرئيس الأوكراني بحاجة إلى تذكير بأن الحرب مع روسيا قد تحسم في الأجواء لصالح الطرف الذي يمتلك الأسلحة الأكثر تطوراً، فقد جاء هذا التذكير من الولايات المتحدة في مجال واحد لكنه حاسم بدرجة كبيرة، ألا وهو نظامي ستارلينك وستارشيلد.

ما هما ستارلينك وستارشيلد؟

ستارلينك هي شبكة إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تديرها شركة "سبيس إكس"، المملوكة لرجل الأعمال الأميركي الملياردير إيلون ماسك، وتوفر خدمات الإنترنت للأفراد والشركات والحكومات في الولايات المتحدة ودول أخرى عبر كوكبة تضم 11 ألف قمر اصطناعي في مدار أرضي منخفض منذ مايو (أيار) عام 2019.

تلقت أوكرانيا دعماً كبيراً من الولايات المتحدة منذ انطلاق الحرب خلال فبراير عام 2022 تمثل في تبادل المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الاصطناعية، وقدمت "ستارلينك" محطات استقبال وخدمات مجانية لأوكرانيا، وذلك بعد أن أدت الضربات الروسية إلى الإضرار بشبكة الإنترنت المحلية.

 

ومنذ عام 2024، وفر البنتاغون لأوكرانيا نسخة عسكرية متطورة من هذه الشبكة تعرف باسم "ستارشيلد"، وهي خطوة كلفت البنتاغون مليارات الدولارات، حتى أصبحت أوكرانيا تعتمد على هذه الشبكة في عملياتها الدفاعية ضد الحرب الشاملة التي تشنها روسيا منذ نحو خمسة أعوام، وتوظفها كييف في استخدامات حيوية متعددة مثل توجيه ضربات ضد أهداف عسكرية للقوات الروسية وخطوط إمدادها في الأراضي التي تسيطر عليها داخل أوكرانيا، وفي اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية والطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة، غير أن فرض قيود جديدة على سرعة الإنترنت التي جرى تطبيقها عن بعد ومن دون سابق إنذار عبر تعديلات برمجية بحسب ما يؤكده الأوكرانيون، أدى إلى فشل عدد من المهمات العسكرية الأوكرانية، مما دفع زيلينسكي إلى وصف هذه الخطوة بأنها خطأ فادح.

كما يجري إيصال الغذاء والماء للجنود الأوكرانيين المرابطين على خطوط المواجهة منذ أسابيع وأشهر، باستخدام طائرات مسيرة تعتمد على ستارشيلد، بحسب تصريحات زيلينسكي لشبكة "أن بي آر" الأميركية، مما يعني أن فقدان الوصول المعتاد إلى شبكة الدفاع الحيوية الأوكرانية يجعل الخطوط الأمامية عرضة للخطر، إضافة إلى جعل الدفاعات الأوكرانية غير قادرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية التي تعمل بمحركات نفاثة وتستهدف مصافي ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الأوكرانية.

إنقاذ أوكرانيا

عندما شنت روسيا حربها الشاملة ضد أوكرانيا، أطلق زيلينسكي نداء مبكراً لم يلق استجابة إلى حلفاء كييف يطالب فيه بفرض منطقة حظر جوي فوق أراضي بلاده، لكن ما أنقذ أوكرانيا من هزيمة بدت محققة في الأسابيع الأولى، هي شبكة الإنترنت السريعة التي وفرها إيلون ماسك فوراً.

آنذاك ناشد ميخايلو فيدوروف، الذي كان يشغل حينها منصب نائب رئيس الوزراء الأوكراني ووزير التحول الرقمي، ماسك علناً لتوفير خدمات الاتصال، وبعد يومين فقط، وصلت 500 محطة استقبال من "ستارلينك" إلى أوكرانيا، ثم قبل نهاية شهر فبراير، منح ماسك الحكومة والجيش الأوكرانيين حق استخدام "ستارلينك" مجاناً لفترة وجيزة، وبحلول يوليو (تموز) عام 2022، كانت "ستارلينك" وفرت 15 ألف محطة استقبال.

أقر الأوكرانيون صراحة باعتمادهم على ماسك، إذ نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن أحد قادة الفصائل العسكرية قوله إنه لولا ستارلينك، لكانت أوكرانيا قد خسرت الحرب بالفعل، فقد أتاحت الشبكة للحكومة والقوات المسلحة التواصل بصورة آمنة، لتصبح بذلك ركيزة أساسية في نظامهم الحيوي "سي 4 آي أس أر"، وهو مصطلح عسكري يشير إلى القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ومن دون "ستارلينك"، كان الدفاع عن أوكرانيا سيصبح أمراً بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً.

لكن هذه المساهمة كبدت "ستارلينك" تكاليف باهظة، فقد قدم ماسك في البداية 2000 محطة استقبال مجاناً، ووفر 300 محطة أخرى بأسعار مخفضة، كما أعفى الجانب الأوكراني من رسوم الخدمات الشهرية لنحو 5500 محطة إضافية، ليبلغ إجمالي مساهمة "ستارلينك" في المجهود الحربي الأوكراني خلال عام 2022 وحده 80 مليون دولار أميركي، لكن بعد أشهر عدة، طالبت "ستارلينك" توفير مقابل مادي لخدماتها في أوكرانيا، فتدخلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) والحكومة البولندية لتوفير التمويل اللازم، مما أدى لاحقاً إلى نشوء أنظمة منفصلة مخصصة للاستخدامات المدنية وأخرى للأغراض الدفاعية مثل ستارشيلد.

منذ اليوم الأول للحرب، ظلت الطائرات المسيرة (الدرونز) السلاح الأبرز، ففي أي يوم داخل أوكرانيا، تجوب عشرات الآلاف من هذه الطائرات ساحة المعركة بحثاً عن أهداف، قد تكون جنوداً أفراداً من قوات العدو أو مركبات، أو أهدافاً أكبر حجماً مثل المستودعات ومراكز القيادة والجسور ومحطات الطاقة، ومع ذلك لم تكن حرب الطائرات المسيرة ممكنة لولا وجود تقنية ستارلينك أو ستارشيلد.

شروط الاستخدام

لكن اعتماد أوكرانيا على ستارلينك أو ستارشيلد، لم يخل من شروط، ففي سبتمبر (أيلول) عام 2022، وبعد صد الهجمات الروسية الأولية على العاصمة كييف، كانت القوات المسلحة الأوكرانية تخطط لشن أول هجوم لها على مدينة سيفاستوبول الساحلية في شبه جزيرة القرم، التي كانت آنذاك مقراً لأسطول البحر الأسود الروسي، إذ تضمنت الخطة إرسال قوارب مسيرة عن بعد محملة بالمتفجرات لشل حركة الأسطول.

كانت خطة جريئة، إذ مثلت أول محاولة أوكرانية لمهاجمة أراض يسيطر عليها الروس منذ عام 2014، ويعتبرونها جزءاً من سيادتهم، لكنه كان أيضاً هجوماً مثيراً للجدل، فقد حذر السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنتونوف إيلون ماسك شخصياً من أن مهاجمة القرم تعد خطاً أحمر، من المحتمل أن يؤدي إلى حرب نووية.

ساور القلق ماسك، إذ رأى في ذلك تصعيداً محتملاً، ونصح الأوكرانيين على تجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة والسعي إلى تحقيق السلام، ولهذا رفض ماسك طلباً أوكرانيا بتفعيل عمليات ستارشيلد في تلك المنطقة، لكن بعد هذه الأزمة، استقرت العلاقات بين ماسك والقيادة الأوكرانية، واستمر نظام ستارشيلد في لعب دور لا غنى عنه في أوكرانيا، إذ شكل العمود الفقري للاتصالات الرقمية للقوات المسلحة الأوكرانية، وكان الركيزة الأساسية التي مكنتها من تنفيذ كافة عملياتها في هذه الحرب.

وعندما أبلغ الأوكرانيون إيلون ماسك بأن الروس حصلوا في عام 2026 على بعض محطات ستارلينك من السوق السوداء، وبدأوا في استخدام النظام لدعم عملياتهم الحربية داخل أوكرانيا، تولت شركته تحديد الأرقام التسلسلية لتلك المحطات وعطلتها.

ومنذ ذلك الحين، لم تستخدم أوكرانيا ستارشيلد في شن هجمات على مصافي النفط الروسية، إذ إن هذه الخدمة لا تعمل داخل الأراضي الروسية، لكن أوكرانيا لا تتأثر تقنياً بالقيود المفروضة على ستارلينك وتعتمد بدلاً من ذلك في ضرباتها العميقة داخل روسيا على أنظمة اتصالات أخرى، ومع ذلك، طلبت كييف في الأسابيع الأخيرة أن يسمح البنتاغون لها باستخدام شبكة ستارلينك داخل الأراضي الروسية، وهو ما قال ماركو روبيو إنه طلب لا يزال تحت البحث والمناقشة.

لحظة فارقة

غير أن القيود التي ربما فرضتها الولايات المتحدة على سرعات ستارشيلد تعد لحظة فارقة في الصراع، إذ تأتي ضمن سلسلة من الانتكاسات التي واجهتها أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تغير التقنيات العسكرية وأساليب الاستهداف التي باتت تعيد تشكيل موازين القوى في هذا الصراع، إذ إن الكفة التكنولوجية بدأت تميل لصالح موسكو خلال الأشهر الأخيرة بحسب أستاذ الشؤون الدولية في جامعة فرجينيا تك جيرارد تول، مما كشف عن مدى هشاشة أوكرانيا أمام آلة الحرب الروسية التي تشهد تحديثاً مستمراً.

لكن الأمر غير المتوقع كان استخدام "الشيفرات البرمجية" في نظام ستارشيلد كأداة لفرض النفوذ ضد الأنظمة الدفاعية المبتكرة التي تعتمد عليها أوكرانيا، وذلك على ما يبدو بتوجيه من الحكومة الأميركية.

تطور الابتكار العسكري

من الصعب فصل التطورات الأخيرة في أوكرانيا عن السياق التاريخي الأوسع لمدى تطور الابتكارات العسكرية، وتأثيرها المباشر في تشكيل وقائع جديدة، إذ تتقاطع التطورات التكنولوجية مع الجغرافيا السياسية بطرق تدفع عجلة الابتكار العسكري إلى الأمام.

ففي عام 1904، لاحظ الجغرافي والسياسي البريطاني هالفورد ماكيندر أن شبكات السكك الحديدية الجديدة التي بدأت تشق طريقها عبر أوراسيا كانت تغير الجغرافيا الاستراتيجية للقوى البرية، فقد قلصت الزمن اللازم لنقل القوات العسكرية عبر مساحات شاسعة من الأراضي، وكانت رؤيته الأعمق هي أن الشبكات التكنولوجية الرائدة، تعيد صياغة العلاقات المتبادلة بين المسافة، والقدرة على التنقل، والقوة العسكرية.

 

وبعد أقل من عقد، تفاقمت مخاوف ماكيندر بشأن القوة البرية، بسبب ظهور القوة الجوية التي جعلت الطائرات قادرة على إلقاء القنابل، مما عرض الدول لهجمات من الجو، وهي مخاوف جسدت واقعاً مريراً خلال الحرب العالمية الأولى.

دفع هذا التطور إلى ابتكار أنظمة دفاع جوي ورادارات، ازدادت تعقيداً وتطوراً في بدايات الحرب الباردة، ومع ظهور تقنيات الصواريخ العابرة للقارات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، أصبحت تلك الدفاعات قديمة وغير فعالة، مما اضطر القوى العظمى في نهاية المطاف إلى القبول بالواقع الخطر المتمثل في "التدمير المتبادل المؤكد".

وبالانتقال إلى وقتنا الراهن، فتحت الأنظمة الجوية غير المأهولة، أو المسيرات التي تتميز بكلفتها المنخفضة نسبياً وارتباطها بشبكات أقمار اصطناعية في مدار أرضي منخفض، آفاقاً جديدة لابتكارات في الحرب الجوية يصعب التصدي لها، وأدت الحرب الروسية - الأوكرانية إلى تسريع هذه الثورة بصورة كبيرة.

معركة السماء

أدى الجمع بين الأنظمة التكنولوجية المترابطة والطائرات المسيرة (الدرونز) منخفضة الكلفة إلى تغيير طبيعة الصراع الروسي - الأوكراني، فبينما كانت المعارك في السابق تخوضها الدبابات والتشكيلات العسكرية الضخمة على طول خطوط مواجهة محددة بوضوح، أصبحت الساحة الرئيسة اليوم في السماء، إذ تتواجه فيها الطائرات المسيرة التابعة لكلا الطرفين.

تتنوع هذه الطائرات المسيرة بأحجام وأشكال مختلفة، فبعضها مخصص للتحليق على ارتفاعات منخفضة ولمدى قصير، ومصمم للعمل ضمن ما يعرف "بمنطقة القتل" التي تمتد لمسافة تتراوح بين 15 و30 كيلومتراً أو أكثر، وهناك طائرات مسيرة أخرى تعمل على ارتفاعات أعلى، وتندرج ضمن الفئة المتوسطة المدى، وهي مصممة لشن هجمات خلف خطوط العدو، ثم الطائرات المسيرة بعيدة المدى القادرة على قطع مسافات طويلة لضرب أهداف استراتيجية، إذ لم تعد هذه الأهداف تقتصر على المواقع العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل المراكز اللوجيستية والمستودعات ومراكز البيانات.

وهكذا أصبحت الحرب في أوكرانيا الآن تماماً مثلما صرح زيلينسكي هذا الصيف بأنها "معركة السماء" إلى حد كبير، لكن هذه المعركة تعتمد على بنية تحتية واسعة النطاق، تشمل سلاسل توريد عالمية تمر عبر الصين، وأنظمة تمويل تنطلق من واشنطن وبروكسل، إضافة إلى مصانع لتجميع الطائرات المسيرة موزعة في أنحاء روسيا وأوكرانيا التي تنتج كل منهما الآن ملايين عدة من الطائرات المسيرة سنوياً.

ومع ذلك، تتطلب هذه المسيرات شبكة اتصالات واسعة النطاق تتولى توجيه أنظمة الطائرات المسيرة والتحكم فيها، وتتألف هذه الشبكة جزئياً من أبراج رادار وأنظمة أرضية ذات نطاق محلي نسبياً، فضلاً عن أنظمة مثل ستارشيلد التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية الموجودة في مدارات أرضية منخفضة.

وتتفاوت قدرة المشغلين عن بعد على توجيه الطائرات المسيرة متوسطة وبعيدة المدى، فالهجمات التي تشنها أوكرانيا باستخدام طائرات مسيرة بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية تجري بصورة مستقلة عن شبكة "ستارلينك"، إذ تعتمد معظم هذه الطائرات على أنظمة داخلية لمطابقة التضاريس وخوارزميات آلية لتحديد الأهداف في المرحلة النهائية من مسارها.

ميزة روسيا التنافسية

في هذه المعركة للسيطرة على الأجواء، تتسارع وتيرة الابتكارات بصورة متواصلة، ومنذ الصيف الماضي، بدأت موسكو في اكتساب ميزة نسبية تعود لسببين، أولهما زيادة إنتاج روسيا واستخدامها للصواريخ الباليستية ضد المدن الأوكرانية، مستهدفة البنية التحتية للطاقة، ومراكز البيانات والجسور والمجمعات السكنية المدنية.

تجد أوكرانيا نفسها عاجزة إلى حد كبير عن التصدي لهذه الصواريخ فائقة السرعة، نظراً إلى افتقارها إلى أنظمة "باتريوت" الأميركية المضادة للصواريخ، ولأن الأقمار الاصطناعية الأميركية ضمن شبكة ستارلينك كانت توفر عادة إنذارات مسبقة، فقد توقفت هذه الخدمة أيضاً منذ بضعة أيام أو تباطأت سرعتها بحسب تأكيدات الأوكرانيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما السبب الثاني، فهو توسع روسيا في استخدام طائرات "جيران" المسيرة التي تعمل بمحركات نفاثة، والمستندة إلى تصاميم إيرانية، التي تتميز بسرعتها الفائقة مقارنة بالأجيال السابقة، مما يجعل إسقاطها أكثر صعوبة، كما تعمل روسيا بوتيرة سريعة على بناء نظام اتصالات خاص بها في المدار الأرضي المنخفض يطلق عليه اسم "راسفيت".

تحولات خطرة

تسببت هذه التحولات التكنولوجية في تزايد أعداد الضحايا بين الأوكرانيين، كما وضعت الهجمات الأنظمة اللوجستية التي تضمن استمرار الحياة على حافة الانهيار في عدد من المدن الأوكرانية، بما في ذلك العاصمة كييف.

ونتيجة لذلك، جاء إبطاء نظام "ستارشيلد" أو التشويش المحتمل عليه بحسب بعض التقديرات التي تخلي المسؤولية عن إدارة ترمب، ليعطل إنذارات الهجمات الصاروخية في وقت بات فيه الأوكرانيون أكثر عرضة للمخاطر وأقل قدرة على الحماية.

ونظراً إلى الأهمية البالغة للطائرات المسيرة بالنسبة إلى المجهود الحربي الأوكراني، فإن هذا التقييد الذي يفرضه البنتاغون أو منظومة "ستارلينك" يعد أمراً بالغ الخطورة، إذ إن الحد من سرعة الإنترنت عند 161 كيلومتراً في الساعة يعني أن هذا هو الحد الأقصى للسرعة التي يمكن للطائرات المسيرة والصواريخ الأوكرانية التحرك بها مع الحفاظ على اتصالها بالنظام، وهي سرعة بطيئة للغاية لاعتراض الأهداف، مما يعرقل أسراب الطائرات المسيرة الأوكرانية التي تعمل فوق مناطق القتال، ويجعلها غير قادرة على صد الطائرات الروسية المسيرة النفاثة وفقاً لأستاذ دراسات الحرب، أنتوني كينغ.

ولأن القصف الاستراتيجي للبنية التحتية للطاقة في أوكرانيا أصبح الوسيلة الرئيسة التي تعتمدها روسيا في هذه الحرب، وهو أمر من المتوقع أن يزداد حدة مع حلول فصل الشتاء، فإن القيود المفروضة على "ستارلينك" تثير قلقاً عميقاً، وقد تصبح ذات تداعيات كارثية إذا استمرت.

وبصرف النظر عمن يتحمل مسؤولية إبطاء سرعة ستارلينك في أوكرانيا، تظل النتيجة واحدة في جوهرها، وهي أن كييف هي الضحية، وأن الشتاء المقبل الذي كان من المتوقع أن يكون صعباً على أوكرانيا، سيزداد صعوبة الآن.

تداعيات تتجاوز أوكرانيا

يحمل الاستعراض الأخير للقوة، المرتبط بنظام "ستارلينك" تداعيات أوسع نطاقاً، فإدارة الرئيس دونالد ترمب تدعم مساعي شركة "سبيس إكس" الرامية إلى الهيمنة على المدار الأرضي المنخفض من خلال نشر 42 ألفاً من أقمارها الاصطناعية، غير أن تركز هذه القوة في يد كيان واحد وشخص واحد، أي شركة "سبيس إكس" وإيلون ماسك، يثير مخاوف جدية.

في ظل هذا الوضع، تسارع دول وشركات كبرى لتطوير شبكات أقمار اصطناعية خاصة بها للاتصالات، مما يجعل المدار الأرضي المنخفض أكثر ازدحاماً، وساحة للتنافس الجيوسياسي، كما تسلط هذه الواقعة الضوء على الأخطار الوجودية المحتملة التي قد تواجهها بعض الدول نتيجة اعتمادها على شركات خاصة في توفير خدمات الاتصالات عبر المدار الأرضي المنخفض، إذ لا ترغب أية دولة في أن تظل أنظمتها الدفاعية تحت رحمة جهات فاعلة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، ولهذا فإن العالم بأسره يراقب ما يحدث، ويستخلص منه الدروس.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير