Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيروت تسلّم محكومين لدمشق... فماذا عن المطلوبين للعدالة اللبنانية؟

نائب رئيس الحكومة طارق متري لـ"اندبندنت عربية": "لا توجد تفاهمات جديدة غير معلنة في شأن هذا الملف بل استكمال تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين البلدين والعمل جارٍ على متابعة تنفيذها"

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يسار) خلال لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في دمشق، في 14 أبريل (نيسان) 2025 (ا ف ب)

ملخص

بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يعود ملف التعاون القضائي بين لبنان وسوريا إلى الواجهة. فبينما تمضي بيروت في تسليم المحكومين السوريين، يكشف نائب رئيس الحكومة طارق متري لـ"اندبندنت عربية" عن أن لبنان لم يقدم طلبات استرداد حالية، في وقت يعقّد ضياع الأرشيف الأمني السوري كشف مصير المفقودين.

تغيّر النظام في دمشق، لكن الملفات القضائية العالقة بين لبنان وسوريا لم تُقفل بعد. خرج جيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد من لبنان عام 2005، وسقط نظام الأسد بعد نحو عقدين، فيما بقيت قضايا تعود إلى أعوام النفوذ السوري من دون حسم. عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها الذين فقدوا في سوريا، وأحكام قضائية في قضايا اغتيالات سياسية لم تنفذ، ومطلوبون للعدالة اللبنانية لا تزال ملفاتهم مفتوحة.

منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، عاد ملف السجناء والمطلوبين إلى طاولة البحث بين بيروت ودمشق. ومع تولي حكومة نواف سلام مهماتها في فبراير (شباط) 2025، تكثفت الاتصالات لمعالجة القضايا العالقة بين البلدين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أعادت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت ملفات الموقوفين والاغتيالات السياسية إلى الواجهة. وفي الشهر نفسه، أعلن وزير العدل اللبناني عادل نصار أنه طلب من الوفد السوري الكشف عن مكان حبيب الشرتوني، المدان باغتيال الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل عام 1982، وغيره من الفارين من العدالة. وتحدثت تقارير صحافية حينها عن تسليم الجانب السوري لائحة بأسماء مطلوبين للقضاء اللبناني، من دون أن يتضح ما إذا تحولت هذه المطالب إلى طلبات استرداد قضائية رسمية.

وتُوّجت المفاوضات في شأن المحكومين السوريين بإقرار اتفاقية لنقلهم إلى بلادهم في يناير (كانون الثاني) الماضي، وتوقيعها في السادس من فبراير الماضي، قبل بدء نقل دفعات منهم لاستكمال عقوباتهم في سوريا، غير أن هذا المسار لم يحسم مصير الموقوفين السوريين من دون محاكمة، ولا الملفات القضائية اللبنانية المرتبطة بالاغتيالات السياسية والمفقودين.

وبينما أفضت المحادثات في شأن المحكومين السوريين إلى اتفاق وخطوات تنفيذية، لم تتضح بعد نتائج المطالبات اللبنانية المتعلقة بالمطلوبين في قضايا الاغتيالات السياسية.

فهل التعاون القضائي بين بيروت ودمشق متبادل فعلاً أم يسير في اتجاه واحد؟

تسليم المحكومين السوريين ومصير المفقودين اللبنانيين

يقول نائب رئيس الحكومة اللبناني طارق متري لـ"اندبندنت عربية" إن "لبنان وسوريا مستمران في تنفيذ الاتفاقية المتعلقة بنقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى بلادهم لاستكمال مدة محكومياتهم"، مشيراً إلى أن "مصير عدد من الموقوفين السوريين من دون محاكمة يرتبط بمآل قانون العفو العام المطعون فيه أمام المجلس الدستوري"، مؤكداً أنه "لا توجد تفاهمات جديدة غير معلنة في شأن ملف تسليم المطلوبين، بل استكمال تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين البلدين، وأن العمل جارٍ على متابعة تنفيذها.

أما في ما خصّ مصير الموقوفين السوريين الذين أمضوا أعواماً طويلة في السجون اللبنانية من دون محاكمة، فأشار متري إلى أن "مصير بعضهم سيتحدد في ضوء قانون العفو الذي علّق المجلس الدستوري تنفيذه"، موضحاً أن "القانون يتضمن أحكاماً تتيح الإفراج عن موقوفين أمضوا 10 أعوام من دون محاكمة"، لافتاً إلى أن "العدد الدقيق للمستفيدين لم يحدد بعد، لكنه قد يكون كبيراً"، وقال إن "البت بمصير القانون من شأنه أن يريح عدداً كبيراً من العائلات في لبنان وسوريا".

أرشيف مفقود وحقائق معلقة

عن التعاون مع السلطات السورية الجديدة لكشف مصير اللبنانيين المفقودين والمخفيين قسراً، كشف متري عن أنه "لم تعقد اجتماعات جديدة في الأسابيع القليلة الماضية، إلا أن الملف تم طرحه مراراً مع الجانب السوري، الذي تعهّد بتوفير جميع المعلومات الممكنة"، مشيراً إلى أن "المسؤولين السوريين يواجهون صعوبات في الوصول إلى محفوظات أجهزة الاستخبارات والسجون التابعة للنظام السابق، بعدما تعرض قسم منها للسرقة أو التلف، في وقت أخذ مسؤولون سابقون قسماً آخر معهم".

وتابع أن "السلطات السورية تؤكد في كل مرة استعدادها لبذل الجهود اللازمة"، معرباً عن ثقته بأنها "تعمل على ذلك"، لكنه لفت إلى أن "عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة والأجهزة السورية تجعل الاستجابة للطلبات اللبنانية أكثر تعقيداً وتستغرق وقتاً"، موضحاً أن "هناك هيئتين لبنانية وسورية معنيتين بملف المفقودين والمخفيين قسراً تتواصلان وتتبادلان المعلومات"، مشيراً إلى أن "لبنان نفسه لا يزال يواجه صعوبات في تحديد مصير المفقودين منذ الحرب الأهلية، على رغم مرور نحو 50 عاماً، في ظل غياب لوائح نهائية بأسمائهم ومعلومات عن أماكن دفنهم".

وجدد متري التأكيد أن "الجانب السوري لم يبد في أي مرحلة رفضاً للتعاون في هذا الملف، وبخاصة أن السلطات السورية لم ترفض أي طلب للمساعدة من الجانب اللبناني".

مطلوبون بلا طلبات استرداد

ورداً على سؤال في شأن إمكان مطالبة لبنان بتسليم سوريا أشخاص مطلوبين للقضاء اللبناني في قضايا الاغتيالات السياسية، لا سيما حبيب الشرتوني المدان باغتيال الرئيس الراحل بشير الجميل، أوضح متري أن "لبنان لا يملك حالياً طلبات لتسليم مطلوبين من سوريا"، مشيراً إلى أنه "لا تتوافر معلومات تثبت وجود الشرتوني على الأراضي السورية، والحديث عن تسليمه يفترض أولاً تحديد مكان وجوده واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما فيها إصدار مذكرات توقيف دولية في حقه والبحث عنه".

ورفض متري "اعتبار هذه الملفات أوراقاً للتفاوض بين البلدين"، مشدداً على "ضرورة اتباع الأصول القانونية قبل المطالبة بتسليم أي شخص من دولة أخرى"، مؤكداً أن "لبنان ماضٍ في تنفيذ الاتفاقية الموقعة مع سوريا، بانتظار حسم مصير قانون العفو، لما يمكن أن يترتب عليه من انفراج لأوضاع عدد كبير من العائلات اللبنانية والسورية"، وشدد على أن "العلاقات بين البلدين جيدة وأن معالجة الملفات العالقة من شأنها تخفيف الأعباء الإنسانية المرتبطة بها".

الاسترداد وفق الأصول القانونية

من ناحيته، أكد المحامي والمتخصص الدستوري سعيد مالك أن "اتفاقية التعاون القضائي المعقودة بين لبنان وسوريا عام 1951 تنظم مسألة تسليم المطلوبين بين البلدين"، مشدداً على "ضرورة الالتزام بأحكامها ومراعاة الشروط القانونية المنصوص عليها في المادة 30 وما يليها من قانون العقوبات اللبناني، المتعلقة بطلبات الاسترداد"، وأوضح مالك أن "طلب الاسترداد يتم تقديمه وفق الأصول إلى النائب العام التمييزي، الذي يتولى دراسته وإعداد مطالعته القانونية في شأنه، قبل إحالته إلى وزير العدل لاستكمال الإجراءات اللازمة".

وفي ما يتعلق بالموقوفين والمحكومين، أشار مالك إلى أن "للبنان الحق في مطالبة السلطات السورية بتسليم اللبنانيين المحكومين في سوريا، كما يحق لسوريا المطالبة بتسليم المحكومين السوريين الموجودين في السجون اللبنانية"، لافتاً إلى أن "الاتفاقية تتيح من حيث المبدأ دراسة كل ملف على حدة، وفقاً للشروط والأصول القانونية المعتمدة". وشدد مالك على أن "امتناع أي من الدولتين عن تنفيذ طلبات التسليم، في الحالات التي توجب فيها الاتفاقية ذلك، يعد مخالفة لأحكامها، بما قد يترتب عليه من آثار ونتائج قانونية"، مؤكداً أن "معالجة ملفات المطلوبين والمحكومين بين لبنان وسوريا ينبغي أن تستند إلى الاتفاقات النافذة والأصول القضائية، مع مراعاة الشروط القانونية الخاصة بكل حالة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"العفو العام" أمام اختبار دستوري

في ظل ترقب قرار المجلس الدستوري في شأن قانون العفو العام، تبرز تساؤلات حول المصير القانوني للموقوفين الذين أمضوا أعواماً طويلة في السجون من دون محاكمة، والخيارات المتاحة لمعالجة أوضاعهم في حال إبطال القانون. بناء عليه، أوضح مالك أن "استمرار التوقيف، أعواماً طويلة، من دون محاكمة يعد إشكالية قانونية بحد ذاتها، لكن هذا الأمر لا يمكن أن يحل إلا بتدخل تشريعي، أي بإصدار قانون عن مجلس النواب، مما يفيد بأننا بانتظار قانون العفو لأنه وضع حلاً لهؤلاء، ولكن في حال صدر القرار عن المجلس الدستوري وقضى بإبطال هذا القانون سنكون أمام مأزق وأمام معضلة بحاجة إلى مبادرة تشريعية جديدة من أجل إيجاد حل لهذه الشريحة"، وتابع مالك "اليوم ليس هناك من آليات يمكن اعتمادها إلا استناداً إلى نصوص نافذة وملزمة، وهذه النصوص لا تصدر إلا عن السلطة التشريعية، أي عن مجلس النواب. نحن بانتظار المجلس الدستوري أولاً لنرى المنحى الذي سيتخذه تجاه هذا القانون، أي قانون العفو، وبعدها، وفي حال أبطل المجلس الدستوري هذا القانون يفترض أن تكون لدينا مبادرة تشريعية لحل هذه المشكلة وهذا المأزق".

القطيعة لا تكفي

اختبار العلاقة القضائية بين بيروت ودمشق يبدأ حيث تنتهي نصوص الاتفاقات، فالتعاون في ملفات الاغتيالات السياسية والمطلوبين المرتبطة بمرحلة الوجود السوري في لبنان لا يطرح أسئلة قانونية وحسب، بل يضع السلطة السورية أمام اختبار سياسي: فهل تكون مستعدة للتعامل مع مطالب بيروت بالقدر نفسه الذي تنتظر فيه استجابة لبنان لمطالبها القضائية؟

في السياق، رأى الصحافي والمحلل السياسي صهيب جوهر أن "التعاون القضائي بين لبنان وسوريا يشكل اختباراً لطبيعة العلاقة التي تسعى السلطة في دمشق إلى إرسائها مع بيروت، بعد عقود ارتبطت فيها العلاقات الثنائية بنفوذ الأجهزة الأمنية السورية"، وأوضح أن "دمشق تسعى إلى إعادة بناء العلاقة مع لبنان على أسس مؤسساتية تحترم سيادة البلدين، بالتوازي مع رغبتها في معالجة ملفات عالقة والحصول على تعاون لبناني في ملاحقة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق"، غير أن هذا التحول، بحسب جوهر "لا يعني بالضرورة أن فتح ملفات الاغتيالات السياسية أصبح أكثر سهولة، فالقطيعة السياسية مع نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لا تضمن امتلاك السلطات الجديدة أرشيف أجهزته الأمنية أو القدرة على الوصول إلى جميع المعلومات المتعلقة بالقضايا القديمة".

ملف بشير

في ما يتعلق باغتيال الرئيس الراحل الجميل عام 1982، أشار جوهر إلى أن "القضية تعود إلى مرحلة حكم حافظ الأسد، وأن التعامل معها يتطلب تحديد أماكن المحكومين وتوافر المعطيات القانونية اللازمة لاتخاذ إجراءات قضائية في حقهم"، وذكّر جوهر أن "القضاء اللبناني أصدر عام 2017 حكماً غيابياً في حق حبيب الشرتوني (المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، والمدان بتنفيذ عملية اغتيال بشير الجميل) ونبيل العلم (المسؤول الأمني السابق في الحزب نفسه، والمدان بالتخطيط للعملية)، في وقت يبقى تنفيذ الحكمين مرتبطاً بتحديد مكان وجود المحكومين والإجراءات القانونية المتاحة"، واعتبر جوهر أن "الاختبار السياسي الحقيقي لدمشق يكمن في مدى استعدادها للتعاون في ملفات قد لا تحقق لها مكاسب سياسية مباشرة"، لافتاً إلى أن "استجابة السلطات السورية قد تتأثر، إلى جانب الاعتبارات القضائية، بحساسية بعض القضايا وتداعياتها السياسية والأمنية"، مشدداً على "ضرورة التمييز بين الاتفاقات المتعلقة بنقل المحكومين لاستكمال عقوباتهم في بلدانهم، وطلبات تسليم المطلوبين أو المحكومين الفارين في قضايا اغتيالات وجرائم سياسية، إذ إن التقدم في المسار الأول لا يعني تلقائياً معالجة الملفات الأكثر تعقيداً".

أما في ما يتعلق بمبدأ المعاملة بالمثل، حذر جوهر من "تحويل التعاون القضائي إلى مقايضة سياسية"، موضحاً أن "هناك فرقاً بين استجابة كل دولة لطلبات الأخرى وفق الاتفاقات والقوانين، وربط تسليم شخص مطلوب بالحصول على مقابل سياسي أو أمني"، وقال إن "لبنان يحتاج إلى موقف رسمي موحد يتيح طرح ملفاته القضائية على طاولة البحث مع دمشق، بعيداً من تعدد القنوات والمقاربات السياسية"، وخلص إلى أن "المعيار الفعلي لقيام علاقة جديدة بين البلدين لن يكون في عدد الاتفاقات الموقعة، بل في قدرة الطرفين على معالجة الملفات الحساسة، حتى عندما لا تتوافق متطلبات التعاون القضائي مع حساباتهما السياسية".

المزيد من تقارير