Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عبودية حديثة" تظهر في حقول فرنسا وإسبانيا

أعادت قضية 15 مغربيا فتح ملف الظروف غير الإنسانية للعمال الأجانب في بساتين أوروبا

عاملات مغربيات في أحد حقول الفراولة الإسبانية (أ ف ب)

ملخص

استقبلت الحقول الإسبانية في مقاطعة ويلبا جنوب غربي البلاد، قبل أيام قليلة، أكثر من 275 عاملاً زراعياً موسمياً، غالبيتهم من النساء، بالتزامن مع انطلاق موسم زراعة وغرس فاكهة الفراولة في هذه المقاطعة الإسبانية.

أعادت شهادات 15 عاملاً زراعياً مغربياً أخيراً أمام محكمة مدينة نيم الفرنسية، للمطالبة بمحاكمة أشخاص تعمدوا استغلالهم وتشغيلهم في حقول فلاحية ضمن ظروف "غير إنسانية"، إلى الواجهة ممارسات ما بات يصطلح عليه بـ"العبودية الحديثة" ضد العمال الأجانب في البساتين والحقول الزراعية داخل أوروبا.

وتطفو على سطح الأحداث بين الفينة والأخرى شكايات وتقارير حقوقية تكشف عن عدد من السلوكيات والممارسات التي تنطوي على الإذلال والعنف الممنهج والإهانات في حق عمال وعاملات موسميات مغربيات، خصوصاً في حقول الفراولة داخل إسبانيا.

واستقبلت الحقول الإسبانية في مقاطعة ويلبا جنوب غربي البلاد، قبل أيام قليلة، أكثر من 275 عاملاً زراعياً موسمياً، غالبيتهم من النساء، بالتزامن مع انطلاق موسم زراعة وغرس فاكهة الفراولة في هذه المقاطعة الإسبانية.

فرنسا... مضايقات وإهانات

أفادت تقارير إعلامية فرنسية أن العمال الزراعيين المغاربة الـ15 طالبوا بإدانة أربعة أشخاص استقدموهم وقاموا بتشغيلهم في بساتين فلاحية بإقليم غار، ومنهم مغاربة أيضاً، حيث اضطروا إلى العمل أكثر من 60 ساعة في الأسبوع في ظروف اجتماعية مزرية.

وطالبت المدعية العامة ناتالي فيلت بإدانة ثلاثة من المتهمين الأربعة بجريمة الاتجار بالبشر، واصفة ظروف العمل بالسيئة لكونها اتسمت بغياب الماء والمراحيض وغرف تغيير الملابس، والعمل 13 ساعة يومياً في الحقول، فضلاً عن دفع العمال المال مقابل العمل، علاوة على تعرضهم للمضايقات والإهانات والإذلال والصراخ وتقليد أصوات الحيوانات.

وانطوت شهادات العمال المغاربة أمام القضاء على حقائق ووقائع تصل إلى حد التعرض لجريمة الاتجار بالبشر، واشتغلوا ضمن ظروف غير إنسانية بلغت حد وصف التقارير نفسها لما حصل لهم بـ "العبودية الحديثة"، من خلال إخضاع العمال للكثير من الطقوس والممارسات الحاطة بالكرامة مقابل ضمان فرصة العمل.

 

وكان العمال يشتغلون أحياناً في الليل أثناء العواصف الشديدة من دون معدات ملائمة، كما كانوا يبيتون في غرف تفتقر إلى الأثاث والماء الساخن، واضطر بعضهم إلى النوم على الأرض بسبب عدم وجود عدد كاف من الأسرة، كما قال المشتكون إن ساعات العمل الإضافية لم تكن تحتسب، وإن الراغبين في العودة خلال الموسم التالي كانوا مطالبين بدفع المال مجدداً.

ودخلت الكونفيدرالية الفلاحية الفرنسية، وهي نقابة زراعية تأسست عام 1987، على خط القضية، وقالت إن "تجميع هذه الوقائع يشير إلى عملية منظمة لاستقدام ونقل وإيواء العمال ووضعهم تحت تصرف جهات أخرى بغرض استغلالهم، بما قد يرقى إلى الاتجار بالبشر"، معتبرة الملف المذكور مثالاً جلياً على جرائم "العنف الممنهج ضد العمال الأجانب".

إسبانيا... عرضة للتحرش

وفي الضفة الإسبانية، تواجه آلاف العاملات على وجه الخصوص مختلف أنواع الشطط في استعمال السلطة من طرف المشغلين، تصل إلى العمل في ظروف سيئة، والتعرض للتحرش والاعتداء الجنسي في أحيان أخرى، وفق شكايات قدمتها عاملات إلى الجمعيات الحقوقية الإسبانية المهتمة بملف العاملات الزراعيات.

وبلغ عدد العمال القادمين من المغرب خلال العام الحالي نحو 16 ألف شخص، معظمهم نساء قرويات يشترط فيهن أن تراوح أعمارهن ما بين 25 و45 سنة، وأن يكن قادرات على تحمل أعباء العمل، وأن يكن إما أمهات أو متزوجات أو مطلقات أو أرامل لديهن روابط عائلية تجبرهن على العودة إلى المغرب.

وكشفت منصة تابعة لجامعة ويلبا الإسبانية، وهي مقاطعة تقع في إقليم الأندلس تشتهر بحقول الفواكه الحمراء، معاناة النساء المهاجرات المغربيات مع الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي في الأوساط الزراعية.

ووفق المصدر ذاته، تصل آلاف النساء المهاجرات من أصول مغربية كل عام إلى جنوب إسبانيا للعمل بشكل موسمي في القطاع الزراعي، على أساس الالتزام بالعودة إلى بلدهن الأصلي بعد انتهاء الموسم، غير أن العديد منهن لا يعدن إلى بلدهن بحثاً عن ظروف معيشية أفضل؛ ومع بقائهن في إسبانيا بشكل غير نظامي، من دون تصريح بالإقامة أو العمل، ينتهين إلى العيش في تجمعات معزولة ومساكن هشة، ما يزيد من خطر تعرضهن للاتجار بالبشر.

وتوقفت الدراسة عند ثلاثة معالم رئيسة في هذه القضية، الأول كون المهاجرة المغربية في سياق زراعي تواجه الاستغلال والهشاشة وسوء المعاملة، والثاني أنها تنتقل من الهشاشة إلى "العبودية الحديثة"، جراء العوامل المؤدية إلى الاتجار بالبشر بغرض الاستغلال الجنسي، ثم الثالث المتعلق بالآثار المدمرة لسوء المعاملة والاتجار بالبشر على صحة النساء ورفاههن.

مظاهر "العبودية الحديثة"

يقول في هذا الصدد جمال الدين ريان، المتخصص في ملف الهجرة، إن قضية استغلال العمال والعاملات الزراعيين الأجانب، ولا سيما المغاربة، في أوروبا، وتحديداً في فرنسا وإسبانيا، تعد من الملفات الحقوقية والاجتماعية الشائكة التي تتصدر بانتظام تقارير منظمات حقوق الإنسان والتحقيقات الصحفية الأوروبية.

وأوضح ريان أن أبرز أشكال هذا الاستغلال والعبودية الحديثة في الحقول الفرنسية والإسبانية تتجلى في عدة مظاهر، الأول شبكات السماسرة والاتجار بالبشر، حيث يجري دفع مبالغ باهظة مقابل عقود العمل، كما ورد في محاكمة نيم، ويضطر العديد من العمال لتسديد مبالغ خيالية لسماسرة تتراوح بين ستة آلاف (6.7 ألف دولار) و12 ألف يورو  (13 ألف دولار) في المغرب أو عبر شركات وساطة للحصول على عقد عمل موقت مثل عقود (OMI/OFII) داخل فرنسا أو عقود التوظيف في المنشأ بإسبانيا.

 

ولفت إلى مشكلة الوقوع في مصيدة الديون، إذ يدفع العمال هذا العبء المالي للوقوع في ديون ثقيلة قبل مغادرة بلدهم، مما يجردهم من القدرة على التراجع أو الاحتجاج بعد وصولهم، لخوفهم من العودة من دون سداد ما اقترضوه.

والمظهر الثاني من مظاهر "العبودية الحديثة"، وفق ريان، بيئة العمل الشاقة وساعات العمل المفرطة، حيث يرغم المشغلون العمال على العمل ما بين 50 و60 ساعة أسبوعياً، وأحياناً أكثر في مواسم الجني، من دون تعويض عن الساعات الإضافية، إضافة إلى الأجور الزهيدة والاقتطاعات غير القانونية للعمال، إذ يتلقون أجوراً تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور في فرنسا أو إسبانيا، مع استقطاع مبالغ من أجورهم تحت مسمى "مصاريف السكن" أو "النقل" أو "التأشيرة".

سكن مهين وتشغيل قسري

واستطرد رئيس مرصد التواصل والهجرة مورداً المظهر الثالث من مظاهر العبودية الحديثة التي يقع العمال في براثينها، وهو ظروف السكن المهينة والتضييق على حرية الحركة، فالعمال يقطنون في أكواخ بلاستيكية، أو مستودعات زراعية مهجورة، أو غرف شديدة الاكتظاظ تفتقر لأدنى مقومات الصحة والتدفئة والنظافة، مثل المزارع الموجودة في إقليم ألميريا بإسبانيا أو مناطق الجنوب الفرنسي.

ونبه ريان إلى أن العمال يتعرضون لمراقبة تنقلاتهم وحرمانهم أحياناً من أوراقهم الثبوتية، من قبيل احتجاز جوازات السفر، مما يحرمهم من القدرة على مغادرة المزرعة أو الاختلاط بالمجتمع المحلي.

والمظهر الرابع، تبعاً للمتكلم، هو الهشاشة القانونية والابتزاز بالترحيل، شارحاً بأن إقامة العامل بفرنسا أو إسبانيا ترتبط بصاحب العمل حصراً، فإذا اشتكى العامل أو رفض هذه الظروف، يجري إلغاء عقده أو التهديد بعدم استدعائه في الموسم المقبل، مما يعني فقدان الإقامة والترحيل الفوري.

وأكمل ريان بأن المظهر الخامس يتمثل في الاستغلال الجنسي والمزدوج للعاملات الزراعيات، إذ تتعرض العاملات الموسميات خصوصاً في حقول التوت والفواكه بمدينة هويلفا الإسبانية لاستغلال مركب، الاستغلال الجسدي مقابل تجديد عقود العمل أو توفير ظروف سكن أفضل أو تجنب المعاملة القاسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسجل الناشط المهتم بملفات الهجرة معاناة العاملات من التشغيل القسري رغم الظروف الصحية، إذ يجري إرغام النساء على العمل أثناء الحمل أو المرض تحت تهديد الطرد والترحيل، مع عدم توفير التغطية الصحية المناسبة.

وخلص ريان إلى أن قضية عمال نيم في فرنسا، وقضايا حقول ويلبا في أندلس الإسبانية، تمثلان تجلياً صارخاً لـ"العبودية الحديثة" التي تستغل فيها حاجة الفئات الهشة اقتصادياً وثغرات قوانين الهجرة الموقتة.

وشدد المتحدث على أنه رغم أن تحريك هذه الملفات أمام القضاء الأوروبي يعد خطوة مهمة لإنصاف الضحايا وزجر الشبكات والمزارعين المخالفين، يتطلب القضاء على الظاهرة مراجعة جذرية لنظام "العقود الموسمية" وتكثيف الرقابة على سلاسل التوريد الزراعية في أوروبا.

فضح الممارسات المهينة

من جانبه، يرى محمد البصراوي، الناشط الجمعوي المغربي في إسبانيا، على الموضوع بالقول إن أوضاع العاملات المغربيات في مزارع الفراولة والفواكه الحمراء لا تنفصل عن الانتهاكات التي جرى الكشف عنها خلال الأعوام الماضية، والتي وصلت في بعض الحالات إلى ما يشبه "العبودية الحديثة"، من خلال الاستغلال المفرط لساعات العمل، وظروف السكن الصعبة، والضغط والخوف من فقدان العمل، فضلاً عن شكاوى ذات طبيعة جنسية.

وأوضح الناشط أن هذه الوقائع في حقول الفراولة لم تكن مجرد حالات معزولة، بل دفعت عدداً من العاملات المغربيات إلى كسر الصمت والخروج إلى العلن بفضل حث المنظمات الحقوقية المشتغلة على الملف، وهو ما أسهم في تحويل الملف إلى قضية رأي عام داخل إسبانيا.

ولفت إلى أن بروز هذه القضايا إعلامياً كان له أثر مهم في دفع السلطات الإسبانية إلى إعادة النظر في آليات مراقبة ظروف العمل في القطاع الزراعي، وأن الجدل الذي رافق أوضاع العاملات الموسميات أسهم في تعزيز الاهتمام بمراقبة احترام التشريعات العمالية.

واعتبر أن الإطار القانوني للعلاقة بين المغرب وإسبانيا يوفر، من الناحية المبدئية، حماية واضحة للعمال المغاربة، بمن فيهم العاملات الموسميات، مستنداً في ذلك إلى اتفاق اليد العاملة الموقع بين البلدين عام 2001، والذي ينص في الفصل السادس على تمتع العمال المغاربة بالحقوق والامتيازات التي تمنحها لهم التشريعات الإسبانية، فيما يؤكد الفصل السابع أن الأجور والمزايا الاجتماعية تخضع لعقود العمل والاتفاقيات الجماعية أو عند غيابها، للتشريعات المعمول بها بالنسبة للعمال الإسبان في المهنة والمؤهلات نفسها.

وخلص الناشط إلى أن "حماية عاملات الفراولة لا ينبغي أن تختزل في مواجهة الانتهاكات بعد وقوعها، وإنما في بناء منظومة تجعل العاملة المغربية تعرف حقوقها، وتستطيع المطالبة بها، وتجد مؤسسات ومنظمات مستعدة للاستماع إليها والتدخل لحمايتها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير