ملخص
تتجه الدولة اللبنانية إلى تشديد سيطرتها على مطار بيروت، بعد إحباط شحنة كوكايين وصفتها الجمارك بأنها الأكبر في تاريخه، بوزن نصف قائم بلغ 46.7 كيلوغراماً. وضُبطت الشحنة مع مسافر سوري قادم من غانا، إثر متابعة أمنية وتعاون بين الأمن العام والجمارك والسلطات الغانية. وتزامنت العملية مع الكشف عن توقيف 14 شخصاً، بينهم ستة عناصر جمركيين، بشبهات تهريب أدوية مقابل رشى.
تتقدّم معركة مطار رفيق الحريري الدولي إلى واجهة إجراءات الدولة اللبنانية لاستعادة السيطرة على مرافقها الحيوية، مع ضبط شحنة كوكايين وصفتها الجمارك بأنها الأكبر في تاريخ المطار، والكشف عن توقيف عناصر جمركيين بشبهات تسهيل التهريب. تطوران يضعان حماية البوابة الجوية الوحيدة في لبنان، حتى الساعة، أمام اختبار اعتراض الشحنات الوافدة، وضرب التسهيلات الداخلية، ضمن مسار سبقته ملاحقات لشبكات أدوية وأموال وإجراءات للحد من النفوذ داخل المرفق.
وفي التفاصيل، بدأت متابعة السوري "ب. ح." بعد دخوله لبنان للمرة الأولى الى لبنان في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، عبر الحدود المقابلة لمنفذ جديدة يابوس السوري، ومغادرته في اليوم نفسه من مطار بيروت إلى العاصمة الغانية أكرا. وأثار الدخول والخروج السريعان اشتباه الأجهزة اللبنانية، خصوصاً الأمن العام، فوُضع تحت المراقبة حتى عودته مساء السبت 31 أكتوبر (تشرين الأول) على رحلة طيران الشرق الأوسط MEA 576.
تابع عناصر الاستقصاء تحركاته من الطائرة إلى تسلّمه حقيبتيه، قبل التنسيق مع الجمارك لتفتيشه. ووفق المعلومات أظهرت أجهزة المسح طروداً داكنة داخل الأمتعة، ففُتحت الحقائب وضُبطت 40 عبوة كوكايين وأجهزة تعقّب إلكترونية. وقدر الأمن العام رسمياً وزن المخدرات بأربعين كيلوغراماً، فيما حدّدت الجمارك الوزن بـ 46.7 كيلوغراماً من مادة الكوكايين الخام، مشيرة إلى استخدام تغليف وعزل للتمويه وإعاقة الكشف.
ووفق المعلومات، تشير التحقيقات الأولية إلى عمل الموقوف وسيطاً ضمن شبكة كبيرة، وأنه نقل الشحنة مقابل ستة آلاف دولار. فيما تواصل الأجهزة الامنية التحقيق لتحديد المتسلّم المفترض داخل لبنان والمرسلين والمموّلين داخل لبنان وخارجية، من دون إعلان كامل هوياتهم أو الوجهة النهائية للشحنة.
وحسب مصادر أمنية، تواصل رئيس المجلس الأعلى للجمارك في لبنان العميد مصباح الخليل مع الأجهزة والجمارك في أكرا لملاحقة المصدر، وقد كشف هذا التنسيق أن رشوة دفعت لتمرير الشحنة عبر أشخاص هناك، فيما من المتوقع ترتيب زيارة قريبة للخليل إلى غانا لبحث التعاون وتبادل المعلومات. في المقابل، أعلنت هيئة مكافحة المخدرات الغانية أن التوقيف نتج عن عملية "تسليم مراقب" بالتعاون مع السلطات اللبنانية، لاستهداف المتورطين عند طرفَي سلسلة الإمداد بين البلدين.
وهنّأ رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الأمن العام والجمارك، مشيداً بالتنسيق وتبادل المعلومات، ومؤكداً أن المعابر لن تكون ممرات للمخدرات وتبييض الأموال والأنشطة غير المشروعة. وشدّد على تعزيز الرقابة ومكافحة الجريمة المنظمة، بما يمنح الإجراءات غطاءً سياسياً لملاحقة التهريب والتسهيلات التي تحميه داخل المؤسسات وخارجها.
وبالتزامن، على الحدود البرية، أعلنت السلطات السورية ضبط 2.6 كيلوغرام من الحشيش و17 غراماً من الهيروين بمنفذ جسر قمار، وحددت مصادر سورية بأن اتجاهها كان من لبنان إلى سوريا، معلنة ضبط 200 ألف حبة كبتاغون قادمة من لبنان في حمص وتوقيف شخصين مرتبطين بالعملية.
شبكات داخلية
وقبل إعلان ضبط الكوكايين في مطار بيروت بساعات، أعلن عن توقيف 14 شخصاً، بينهم ستة عناصر جمركيين لبنانيين وثمانية مسافرين قادمين من مصر، في ملف أدوية وإبر تنحيف، وسط شبهات غير مؤكدة حتى الساعة بتقاضي العناصر رشى لتمرير الحقائب. وأُحيل الملف إلى الجرائم المالية والنيابة العامة المالية، وادعى القاضي ماهر شعيتو بجرائم الرشوة وإساءة استخدام السلطة والمساعدة على تهريب مستحضرات غير مرخصة، بالتوازي مع تحقيق مسلكي.
وتكشف القضية جانباً من المعركة الداخلية، إذ تفقد أجهزة التفتيش فاعليتها إذا أمكن تجاوزها بتواطؤ موظفين، فيما لم تُعلن بعد أية صلة تنظيمية بين موقوفي الأدوية وشحنة الكوكايين، ما يثير شبهات بوجود حلقات تسهيل تسمح للشبكات بالعمل داخل المطار.
وفي إطار تفكيك الشبكات الداخلية، أعلن أمن الدولة اللبناني قبل أشهر توقيف ستة أشخاص ضمن شبكة لتهريب مواد تجميلية ومعدات طبية وأموال عبر المطار، وقبل ذلك كانت سلطات المطار في لبنان قد أعلنت عدم تجديد تصاريح أكثر من 30 عاملاً، بينهم حمّالو حقائب وعاملون بالتحميل والتفتيش والمفقودات، وربطت المصادر حينها الخطوة بتقليص نفوذ "حزب الله"، من دون أن يصدر أي بيان يؤكد أو ينفي هذه المعلومات.
وهنا برز دور العميد الركن فادي كفوري، رئيس جهاز أمن المطار، في فرض التفتيش القاسي في هذا المرفق الأساسي على رغم الاعتراضات، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 أمر بإغلاق البوابات إثر رفض الفريق الأمني للسفارة الإيرانية في بيروت التفتيش خلال زيارة قام بها مستشار المرشد الإيراني السابق علي لاريجاني، وخضعت بالفعل حقائب المرافقين للفحص لاحقاً.
لكن وزارة الخارجية حينها سمحت بدخول حقيبتين دبلوماسيتين بعد توضيح إيراني بأنهما تحتويان وثائق وأموالاً لتشغيل السفارة. أما الضبط المالي المثبت فحصل في 28 فبراير (شباط) الماضي، حيث ضبط مليونان ونصف مليون دولار مع مسافر من تركيا، قالت مصادر لـ "رويترز" إنها للحزب، أيضاً من دون أن يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي حول مصدر أو وجهة هذه الأموال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التفتيش واجب
وفي السياق، ينطلق الخبير الأمني والعسكري العميد خالد حمادة، في تقييمه إجراءات مطار بيروت، من أن التفتيش وظيفة أساسية للأجهزة المعنية، وأن التدابير المتخذة تندرج ضمن الإجراءات المعتمدة في المطارات الدولية. ويربط تشديد الرقابة بمسؤولية الدولة عن مكافحة تبييض الأموال ومنع انتقالها بصورة غير شرعية، خصوصاً حين تتعلق الشبهات بمبالغ غير مصرّح عنها يجري نقلها عبر الرحلات المدنية.
ويلفت الى أهمية التنسيق الأمني بين الأجهزة في لبنان وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول الإقليمية، معتبراً أن كشف شحنة المخدرات الأخيرة تأتي في هذا السياق بعد تبادل معلومات مع غانا، ما أدى حكماً إلى نجاح العملية.
وفي تناوله الاعتراضات التي سبق أن رافقت تفتيش بعض الوفود الإيرانية، اعتبر حمادة أن إثارة البلبلة حول عمل جهاز أمن المطار لا تغيّر طبيعة مهمته، القائمة على حماية المرفق وتوفير الظروف الأمنية لاستمرار تشغيله. كما أوضح أن الاشتباه بنقل أموال يمكن أن يستدعي التفتيش، حتى عندما يصل المسافر عبر بلد ثالث، فلا تنحصر الرقابة بالرحلات المباشرة من إيران أو العراق.
تثبيت السيادة
بدوره يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن الإجراءات الأمنية والإدارية والتنظيمية في مطار بيروت أحدثت تغييراً بات يلاحظه المسافرون، لكنه يربط قيمة هذا التحول بقدرته على الاستمرار. ففي تقييمه السابق، شدّد على ضرورة إخضاع التدابير للمتابعة والاختبار، حتى لا تكون موقتة تعقبها عودة إلى الفوضى والتفلّت اللذين كانا يطبعان العمل في المرفق.
ويضع الزغبي هذه الإجراءات في سياق تقليص نفوذ "حزب الله"، معتبراً أنها ضيّقت منافذ كان يستفيد منها، خصوصاً بعد منع الطائرات الإيرانية من الهبوط. وهذه قراءة سياسية ينسب فيها إلى الحزب الاستفادة من مسارات تهريب، وليست نتيجة قضائية تشمل كل موظف أو مسافر شملته الإجراءات.
كما ربط الزغبي ضبط المطار باستعادة الثقة بلبنان، مشيراً إلى ارتياح داخلي وخارجي رأى أنه يدعم الحركة السياحية وعودة الزوار. وتوقّع أن يمتد العمل على ضبط المطار إلى مرافق أخرى، مع إقراره بأن الحدود البرية الواسعة مع سوريا تحتاج إلى إجراءات أكثر تعقيداً بسبب اتساعها وتعدد نقاط العبور والخروق.
وحذّر في الوقت نفسه من محاولات إعادة فتح مسارات التهريب، مؤكداً أن مكافحتها تتطلب جهوداً إضافية لأن هذه الأنشطة قديمة ومتجذرة.
تتبّع الأموال
بدوره يلفت المتخصص في الشؤون القضائية الكاتب يوسف دياب أن الرقابة على مطار بيروت تناولت حركة الأموال النقدية، إلى جانب الملفات المتعلقة بالبضائع والحقائب. كاشفاً أن تفكيك الشبكات الداخلية أنتج قدرة لرقابة الدولة وتمكنها من فرض سلطتها وبالتالي تزايد فرص اكتشاف محاولات تهريب المخدرات والبضائع.
كما ويكشف أنه خلال الأشهر الماضية ضبط 8.2 ملايين دولار داخل ثلاث حقائب، اثنتان قادمتان من كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، على متن الخطوط الإثيوبية، والثالثة من إسطنبول، وتم توقيف ثلاثة أشخاص مرتبطين بنقلها، على حد قوله.
وبحسب المعلومات التي يوردها دياب، أفاد الموقوفون بأنهم اعتادوا نقل الأموال لرجال أعمال ومتمولين لبنانيين يعملون في أفريقيا. كما توصّل التحقيق الأولي إلى تحديد أسماء المرسلين والأشخاص المرسلة إليهم الأموال.