Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"هذه ليست رصاصة"... رواية تتناص مع سوريالية ماغريت

السعودي عبدالله ناصر ينظر من فوهة مسدس للكشف عن ملابسات حادثة قتل غامضة

رواية السعودي عبدالله ناصر "هذه ليست رصاصة" (دار الكرمة)

ملخص

في روايته "هذه ليست رصاصة" (دار الكرمة) يروي الكاتب السعودي عبدالله ناصر طرفاً من خبر العائلة يدور حول الأب بالدرجة الأولى، ولا يلتزم هذا الراوي بصوت الطفل دائماً، بل يتغير مع النضوج، ومع تغير منظور الحكي نفسه، لا يشير ناصر مباشرة إلى أنه كان ذاك الطفل، لكن يسهل التقاط التشابه السيري والذاتي مع الراوي الباحث المراقب، كأنه نص بين السيرة والرواية.

ثمة انتقالات ناعمة من راوٍ عليم إلى محايد في رواية السعودي عبدالله ناصر "هذه ليست رصاصة"، ومن طفل إلى مثقف ناضج، وتغيير في زاويا الرؤية، وحجم المتاح من تفاصيل عن محاولة قتل ارتكبها الأب، كل هذا ضاعف ثراء الرواية وحساسية التصوير والتجسيد، مثلما ضاعف ثراء الحادثة والالتفاف حولها من كل جانب، على رغم أنها، في نهاية المطاف، قد تصنف كحادثة عادية جداً تقع في أي مجتمع.

وعلى رغم تلوينات صوت الراوي، بما في ذلك فصل كامل قدم تحليلاً ثقافياً لأعمال رينيه ماغريت، وثراء التفاصيل، فإن الحادثة، وهي البطل المضمر للنص، تبقى غائمة تتطلب قارئاً فطناً للكشف عن دافعها الغامض، كأن الراوي ينظر من فوهة مسدس، يتتبع رائحة البارود، ويخطو في عتمة "السبطانة"، أي ماسورة المسدس ذات التجويفات الحلزونية، للعثور على تفاصيل كاملة تخص واقعة إطلاق والده لخمس رصاصات على أحد جيرانه، وقضاء عقوبة السجن.

دفتر قديم وذاكرة مشوشة

يستحضر الراوي الشهود، ويُركب الجمل الناقصة، يحفز ذاكرته، ويعود لدفتر قديم يخص الأب، ويستكمل بما بقي في ذاكرة أمه المشوشة، لتصبح ذواكر الشخصيات الروائية بطلاً آخر مضمراً، كأنها ليست رواية عن شخصيات ملحمية بقدر ما هي عن الذاكرة والنسيان، وعن حادثة غائمة تُستعاد ببطء بكل ما فيها من نقص وفجوات ومصائر.

لذلك لم يكُن غريباً أن يفتتح الكاتب نصه بكلمة رينيه ماغريت "نحن محاطون بالستائر"، كأن كل شيء محجوب عنا، ليس المستقبل فقط، بل حتى الماضي الذي عشناه ولا نعرف طرق الوصول إليه، ولن نعدم من ينكر وقوعه أساساً لمجرد أنه لم يعُد يتذكره، فالحياة تمضي بخفة ورهافة وصمت وغموض، مما يقتضي أن يكون الحكي عنها بالحساسية ذاتها، بلا يقين أو ادعاء فارغ، "كنا نخرج بالبندقية إلى المتنزه المهجور فنصيد الحمام المتمدن الذي يقف على أعمدة الإنارة أكثر من وقوفه على الأشجار"، وما يمنح تلك الفقرة حساسيتها هي كلمة "المهجور" بما توحي به من رهافة وصمت وغموض.

عبدالله ناصر كاتباً وراوياً، يعرف اقتصاد اللغة جيداً وشعرية كثافتها وإحالاتها، ورهافة التعبير وعمق الإحساس، ليصل إلى تلك البساطة الفاتنة والجارحة، لذلك لولا طريقة التعبير أو فتنة اللغة، لبدت الحكاية ذاتها عارية وخشنة كأنها سيرة مجهضة.

استدعاء من خارج الصورة

إذا ما نحينا الراوي وحساسية لغته جانباً، سيجد القارئ نفسه أمام نص يؤسس ذاته على الصورة، كأن الأصل في الذاكرة هو الصورة تستدعى مبتورة عن سياقها، أو تؤول مثلما تؤول لوحات ماغريت السوريالية، فالقصة لا تكتسب قيمتها من عناصرها المباشرة، بل من تفسير المتلقي لها والمعنى الكامن في وعيه، وربما لا تقول الصورة كثيراً، وإنما يصبح ما هو خارج التكوين أكثر أهمية مما جرى تصويره وتجسيده وتأطيره.

من ثم تبدأ الرواية بصورة، وليس مجرد سطر استعادي، على لسان الابن الصغير "كانت لأبي ثلاثة مسدسات، وبندقية صيد، وترخيص قديم لحمل السلاح"، تعِد تلك الجملة قارئها بأب صياد ماهر، وبطل أسطوري مقاتل، وحكايات مشوقة عن أدوات القتل تلك، لكن شيئاً من هذا كله لا يحدث، فقط نحن أمام صورة فوتوغرافية أو تشكيلية رسمها الراوي بعناية واستبقاها في ذاكرته المطلة على خزنة مفتوحة.

 

 

تلك الصورة البصرية التي أطلقت البرنامج السردي كله، تقف بالتوازي مع لوحة "الناجي" لرينيه ماغريت التي تضمنت الرواية صورة عنها، وتحليلاً مسهباً وعميقاً لها، لوحة تتصدرها بندقية عليها بقع دم مستندة إلى جدار، بينما اسمها "الناجي" ليست له دلالة مباشرة على محتواها المرئي، فمن هو الناجي؟ إنه آخر غامض ليس حاضراً ومؤطراً داخل التكوين، إنه استعادة فريدة تخص كل من يشاهد اللوحة، فقط ثمة بندقية واحدة تتصدر التكوين، وملايين الناجين المحتملين والمجهولين.

معالجة الفراغ

لا تكتمل أية لوحة أو صورة إلا بالفراغ، بالأفق المفتوح، والسماوات، والفجوات، وتلك المسافات بين موجوداتها، يحضر الفراغ بقوة ليس كمساحة خالية من المعنى، وإنما كفضاء اختفت عناصره في زمن ما، وتلك العناصر المختفية هي ما يمنح الصورة قوتها، قياساً على ذلك، يصبح الحجر الناقص في جدار الحكاية، هو الأكثر خطورة والأشد حضوراً.

كأن عبدالله ناصر أو الراوي الذي ينوب عنه، قرر أن يزيح الستائر ويعثر على الحجر الناقص في حكاية وجوده، وعنون فصله الأول "وجه صغير عند النافذة"، والعنوان هنا صورة أيضاً، عن الصغير الذي يحدق في الفراغ وفجوات الزمن، مثلما لوحة ماغريت كنص بصري موازٍ ومفسر للنص السردي، تكتفي بعنصر وحيد محاط بالفراغ، بندقية حولها لا شيء، كما يستدعي لوحة أخرى لماغريت بعنوان "مسرات الطبيعة" تظهر فيها بندقية أزيحت نحو اليمين وباتت صدارة اللوحة لإطار خشبي فارغ، كلها فراغات تشير وتستدعي حادثة الأب العالقة أيضاً في فراغ الزمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على مدى السرد، تحضر فتنة الفراغ ويستثمر فيها، فمثلاً الخال أحد شركاء واقعة ضرب وسحل ابن الجيران، يقص شعره ويغير هيئته قليلاً، ليختفي من تحقيقات الشرطة، وذاكرة المجني عليه نفسه، ويصبح شريكاً مجهولاً.

وتلك الرصاصات التي صوبها الأب نحو جاره العجوز كان من المفترض أن تصوب نحو ابنه الشاب المتواري خلفه، بعدما ارتكب جريمة أخلاقية ما، أي إن العنصر الذي تصدر اللوحة، المجني عليه في أوراق الشرطة، لا قيمة له، وإنما المجرم الحقيقي هو العنصر المختفي والمتواري.

يمنح ناصر عناية فائقة لمساحات الفراغ بغض النظر عن العناصر التي تتصدر الحكاية لضرورة درامية، فدافع الجريمة يظل عالقاً في الفراغ مزاحاً وراء جدار "المسكوت عنه"، وحين يطلق الأب رصاصاته الخمس نحو الضحية، يضيف إليها رصاصة سادسة في الهواء، أي في الفراغ، تلك الرصاصة التي لم تصب أحداً، هي التي غيرت مصير الأسرة، وربما حياة البلدة كلها.

وحين تأتي عناصر الشرطة لفحص موقع الجريمة، يتحول الموقع الحي إلى لوحة تشكيلية يتصدرها الفراغ فلم تبقَ سوى أشياء مهملة لا قيمة لها "فردة حذاء تدل على أن أحدهم قد تعثر وخلفها وراءه"، لكنها ستتحول إلى فلكلور وإرث تتناقله الأجيال وتصبح مثلاً يقال "العيش بنعل واحد خير من الموت بنعلين".

بعدما أسهب الراوي في استدراك جوانب الحادثة يلملم مصائر أبطاله سريعاً، فالأم المكافحة تنتهي مصابة بجلطة وتقضي ما بقي من عمرها على سجادة الصلاة، كأنها غادرت الحياة وهي لم تزَل فيها، وحينما يسألها الابن عن الحادثة "لا تتذكر" وكأنها تحولت في ذاكرتها إلى "فراغ".

حتى دفتر الأب بما فيه من شعر نبطي كتبه خلال فترة السجن وحكايات ويوميات وآيات من القرآن الكريم وعبارات إنجليزية، لا يخلو من "صفحات بيضاء" ولا يقود إلى قصيدة مكتملة، ولا يذكر عن الحادثة سوى مجرد سطر ثم تنقطع الورقة.

ثم يختم عبدالله ناصر نصه بتلويحة محبة لذلك الأب المهيب، الشجاع، الذي دهسه الزمن، أو فراغ الحياة وهي تتخفف من ذاتها، ليمضي جيل وراء جيل "ما كان أبي يملك غير الصيت الرفيع والسرطان والتوق الدائم إلى الضيف". ويردد "إنهم ضيوف عند الله، لا عندنا".

الأم أيضاً كانت بطلة كافحت وتعلمت وتحملت عبء سجن زوجها، وعملت مُدرسة لستر أولادها بعدما ضاع كل ما كسبه الأب، ليرفع الراوي، أو عبدالله ناصر، يده كي يلوح لها بمحبة "لولا أمي ما كانت نسختنا العائلية من لوحة الناجي لتخلو من بقعة الدم".

أخيراً، بعدما حدق الراوي طويلاً في فوهة معتمة لمسدس عتيق، ها هو يلوح لفراغ شاسع في الذاكرة، تتراءى فيه حيوات محبين راحلين.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة