ملخص
لا يقتصر "إيريتشا" على مظاهر الاحتفال، بل يستحضر التاريخ ويعيد تقديمه بوصفه مكوناً من مكونات الهوية الثقافية، كذلك يشكل مناسبة للتعبير عن الشكر للخالق وتجديد الآمال والتطلع إلى عام أفضل.
لا تلتفت الأعياد القومية في إثيوبيا كثيراً إلى الأزمات التي تحيط بالبلاد، بل تبدو كأنها مساحة لمغالبتها بالفرح، كونه حقاً شعبياً وطقساً متجذراً في الذاكرة الجماعية. ويجسد احتفال قومية الأورومو بعيد "إيريتشا" جانباً من هذه الثقافة، إذ يمثل مناسبة قومية قديمة لاستقبال عام جديد، تتزين خلالها الاحتفالات بزهور "أدي أبابا" (Adey Abeba)، المعروفة أيضاً باسم "مسكل أبابا" (Meskel Abeba)، ذات اللون الأصفر.
ولا يقتصر "إيريتشا" على مظاهر الاحتفال، بل يستحضر التاريخ ويعيد تقديمه بوصفه مكوناً من مكونات الهوية الثقافية، كذلك يشكل مناسبة للتعبير عن الشكر للخالق وتجديد الآمال والتطلع إلى عام أفضل.
وفي ظل الأزمات التي تشهدها إثيوبيا، تطرح هذه الاحتفالات سؤالاً حول قدرة الأعياد القومية على فرض لحظات الفرح والاحتفاء بالهوية على واقع مثقل بالتحديات: إلى أي مدى تستطيع هذه المناسبات أن تمنح المجتمع الإثيوبي مساحة للفرح وتجدد الأمل، على رغم قسوة الواقع؟
شكل احتفال قومية الأورومو، كبرى القوميات في إثيوبيا، بعيد "إيريتشا" السبت الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مناسبة لافتة هذا العام، خصوصاً في ظل ظروف الحرب والتوترات التي شهدتها بعض مناطق البلاد خلال الأيام الماضية.
ويعد "إيريتشا"، أو "عيد الشكر" بلغة الأورومو، تقليداً متوارثاً يقام عادة في نهاية موسم الأمطار "كرمت" (Kiremt)، وتستمر فعالياته يومين. وتحتضن مدينة دبرزيت، المعروفة لدى الأورومو باسم "بيشوفتو"، أبرز مظاهر الاحتفال، لا سيما مهرجان "إيريتشا هورا أرسيدي"، الذي يمثل مناسبة للشكر والامتنان لدى شعب الأورومو. وتستند طقوس المهرجان إلى عادات قديمة، من أبرزها تلقي البركات التقليدية من "آبا غادا"، أي زعماء نظام الغادا، الذين يرفعون الدعوات من أجل السلام والوحدة والرخاء للمشاركين مع انطلاق فعاليات الاحتفال.
شكر المطر
وتترافق الاحتفالية، التي يشارك فيها عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، مع مجموعة من الطقوس والممارسات المتوارثة، ففي مدينة بيشوفتو، المعروفة أيضاً باسم دبرزيت، والواقعة على بعد نحو 48 كيلومتراً جنوب شرقي أديس أبابا، تتجمع الحشود بأزيائها التقليدية الزاهية حول بحيرة "هورا أرسيدي" (Hora Arsedi)، وهي بحيرة تقع في فوهة بركانية وتحظى بمكانة مقدسة لدى قومية الأورومو.
وخلال هذه الطقوس يلقي المحتفلون الأعشاب الخضراء والرطبة في مياه البحيرة، في ممارسة رمزية للتعبير عن الشكر للخالق على نعمة المطر التي أسهمت في إحياء الزرع وتجدد الحياة. وتتكرر هذه الطقوس سنوياً بحضور القادة والشيوخ التقليديين، الذين يؤدون دوراً روحياً ورمزياً في مباركة الاحتفالات وممارساتها المتوارثة.
وتشهد ميادين المدينة الصغيرة، إلى جانب مختلف المدن ذات الغالبية الأورومية، حلقات متواصلة من الرقص والغناء التقليدي، تتفاوت أعداد المشاركين فيها، فيما تجمعهم أزياء تعكس هوية القومية وألوانها المميزة، وما تزخر به من حلي وخرز ومصوغات نحاسية تتناغم مع الملابس التقليدية.
وفي أديس أبابا، أقيمت الاحتفالات وسط أجواء لم تطغ عليها تداعيات المواجهات التي شهدتها بعض مناطق شمال البلاد، والتي حظيت باهتمام واسع في وسائل الإعلام الخارجية، إذ قدمت بعض التغطيات صورة توحي بامتداد أجواء الحرب إلى مختلف أنحاء إثيوبيا، إلا أن مشهد العاصمة خلال احتفالات "إيريتشا هورا فينفيني" عكس صورة مختلفة، مع تدفق عشرات الآلاف من المواطنين إلى الساحات والميادين للمشاركة في المناسبة.
وطغت رايات قومية الأورومو بألوانها المميزة إلى جانب العلم الإثيوبي، فيما شكلت الأزياء التقليدية الملونة والرقصات الجماعية مشهداً بارزاً في معظم ساحات العاصمة. وانتشرت الخيام التي تقدم المأكولات والمشروبات التقليدية، بينما تجمع المحتفلون في حلقات عدة، مرددين أغاني التراث الأورومي على أنغام أجهزة التسجيل ومكبرات الصوت التي ملأت أرجاء الميادين بالأغاني والأهازيج الشعبية.
وفي محيط الاحتفالات انتشر عدد كبير من أفراد الشرطة، حيث تمركزوا في نقاط مختلفة لتنظيم حركة المواطنين ومتابعة سير الفعاليات، في مشهد أضفى على الاحتفالات حضوراً أمنياً واضحاً وسعى إلى توفير أجواء من الطمأنينة بين المشاركين.
قوميات وأعياد
تحظى الأعياد والمناسبات القومية في إثيوبيا بمكانة خاصة في حياة مختلف المكونات الإثيوبية، إذ تعامل بوصفها واجباً ثقافياً وقيمة متجذرة في الانتماء القومي، تحرص المجتمعات على إحيائها والحفاظ على طقوسها المتوارثة، بما تتضمنه من أزياء وزينة وفنون وأطعمة ومشروبات تقليدية. وترتبط هذه المناسبات، في كثير من الأحيان، بموروثات دينية وثقافية تتداخل فيها الأساطير مع الوقائع التاريخية والمعتقدات الشعبية، فيما يضطلع القادة الدينيون والتقليديون بدور بارز في الحفاظ على الطقوس ونقلها بين الأجيال.
ويبرز ذلك بوضوح في عيد "إيريتشا" لدى قومية الأورومو، إذ يحتل "آبا غادا"، قادة نظام "الغادا" التقليدي، مكانة رمزية أساسية في الاحتفالات، كونهم من أبرز المرجعيات التي ترتبط بها الطقوس والممارسات التقليدية.
ومن أبرز الأعياد والمناسبات القومية في إثيوبيا:
عيد رأس السنة الإثيوبية "إنكوتاتاش" (Enkutatash): يحتفل به في الـ11 من سبتمبر (أيلول)، أو الـ12 من سبتمبر في السنة الكبيسة، إيذاناً ببدء العام الجديد وفق التقويم الإثيوبي، ويتزامن مع مناسبة القديس يوحنا المعمدان ويرتبط ببداية موسم الربيع. وتنتشر خلاله مظاهر الاحتفال، من بينها توزيع الفتيات باقات من الزهور الصفراء المعروفة باسم "أدي أبابا"، والغناء وإشعال النيران وإقامة الولائم. ويحظى العيد بحضور واسع لدى المجتمعات المرتبطة بالكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، وفي مقدمها قومية الأمهرا.
عيد أشيندا (Ashenda): يقام عادة في أواخر أغسطس (آب)، ويعد مناسبة خاصة بالفتيات والنساء في إقليم تيغراي وبعض مناطق أمهرا. ترتدي المشاركات الملابس التقليدية المزينة، ويخرجن في مجموعات للغناء والرقص في الشوارع، في احتفالية ترتبط بالتعبير عن الفرح والهوية والتماسك الاجتماعي.
عيد إيريتشا (Irreecha): يحتفل به في أكتوبر (تشرين الأول)، ويعد من أبرز المناسبات التقليدية لدى قومية الأورومو المنتشرة في مناطق واسعة من وسط وغرب وشرق إثيوبيا. ويمثل مناسبة للشكر في نهاية موسم الأمطار وبداية موسم الحصاد، إذ تتجمع أعداد كبيرة من المشاركين عند ضفاف الأنهار والبحيرات للتعبير عن الشكر للخالق "واكا"، وتجديد الأمل والدعاء بالسلام والمصالحة وتجدد الحياة.
عيد فيتشي تشامبالالا (Fichee-Chambalaalla): يحتفل به في أبريل (نيسان) لدى شعب السيداما في جنوب إثيوبيا، ويمثل رأس السنة التقليدية لديهم. وترتبط المناسبة بقصة امرأة متزوجة كانت تزور والديها حاملة معها طبق "بوريسامي"، وهو طعام تقليدي لدى السيداما. وتتضمن الاحتفالات طقوساً وممارسات تهدف إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ قيم السلام والتضامن والتماسك بين أفراد المجتمع.
إدراج لدى "اليونيسكو"
ولم تقتصر أهمية هذه الأعياد والممارسات الثقافية على بعدها المحلي، بل حظي عدد منها باعتراف دولي من خلال إدراجه في قائمة "اليونيسكو" للتراث الثقافي غير المادي، بما يعكس غنى وتنوع الموروث الثقافي الإثيوبي، وارتباطه بقيم الهوية والتعايش والسلام والتماسك الاجتماعي، ومن أبرزها:
مهرجان ميسكل (Meskel): عيد الصليب، ويشكل مناسبة دينية وثقافية بارزة، ارتبطت تاريخياً بالهوية والوحدة الاجتماعية في إثيوبيا، وأدرج في قائمة "اليونيسكو" عام 2013.
عيد فيتشي تشامبالالا (Fichee-Chambalaalla): رأس السنة التقليدية لدى شعب السيداما، ويتميز بطقوس وممارسات تعزز قيم السلام والتماسك الاجتماعي، وأدرج في القائمة عام 2015.
نظام غادا (Gada System): منظومة اجتماعية وسياسية تقليدية لدى شعب الأورومو، تنظم جوانب عدة من الحياة المجتمعية وتقوم على تقاليد وقواعد متوارثة، وأدرجت ضمن قائمة "اليونيسكو" عام 2016.
عيد الغطاس تيمكات (Timket): من أكثر المناسبات الدينية حضوراً في الحياة الثقافية الإثيوبية، ويتميز بطقوس واحتفالات شعبية واسعة، وأدرج في قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2019.
مهرجان شواليد (Shuwalid): مناسبة تقليدية لدى مجتمع هرر، تتجلى فيها قيم التسامح والتعايش والتواصل الاجتماعي، إلى جانب الأزياء التقليدية والأغاني والممارسات الثقافية المحلية، وأدرج في قائمة "اليونيسكو" عام 2023.
مهرجان غيفاتا (Gifaataa): رأس السنة التقليدية لدى شعب ولايتا، ويشكل مناسبة لإحياء الموروث الثقافي وتعزيز قيم السلام والمصالحة والتماسك المجتمعي، وأدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2025.
أعطى هذا التنوع في الأعياد والمناسبات وتباري الثقافات إثيوبيا لقب "متحف الشعوب" الذي أطلقه عليها المؤرخ والباحث الإيطالي كارلو كونتي روسيني، الذي ضمنه كتابه تاريخ إثيوبيا الصادر عام 1928، وجاء اللقب لما تتميز به بلاد إثيوبيا من تنوع بشري، يتبعه تنوع ثقافي وديني ولغوي منتشر داخل المجتمعات الإثيوبية المتعددة، حيث تمتزج التقاليد القديمة بالمعتقدات الدينية لتخلق شكلاً اجتماعياً فريداً.
ولا تتوقف خصوصية هذه المناسبات عند طقوس الاحتفال وحدها، بل تمتد إلى أنماط الأزياء وتنوع الأطعمة والمشروبات ومختلف الممارسات والعادات التي تميز كل قومية، بما يجعل الأعياد مساحة لاستعراض التنوع الثقافي الإثيوبي وتجديد الصلة بالموروث الشعبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واقع على الرصيف وأفراح في الميدان
تزامن عيد "إيريتشا" هذا العام، في أكتوبر 2026، مع أجواء سياسية وأمنية متوترة شهدها إقليم تيغراي وبعض المناطق في شمال إثيوبيا. وقد رافقت هذه التطورات تغطية إعلامية واسعة، محلياً وإقليمياً ودولياً، استند جانب منها إلى ذاكرة الحرب التي شهدها الإقليم بين عامي 2020 و2022، وما خلفته من تداعيات عميقة في الإقليم ومسار الدولة الإثيوبية، فضلاً عن الاهتمام الدولي الذي حظيت به تلك الحرب.
غير أن مشهد "إيريتشا" بدا وكأنه يقدم صورة أخرى للواقع، بعيداً من التوقعات التي ربطت التطورات الأخيرة باحتمالات أوسع مما حملته الوقائع على الأرض، فقد جاءت الاحتفالية لتكشف عن قدرة الفرح الشعبي على الاستمرار في ظل الظروف السياسية والأمنية المتقلبة، ولتمنح الموروث الثقافي مساحة مستقلة عن حسابات السياسة وتوتراتها.
وعلى امتداد الساحات والميادين، تدفق عشرات الآلاف من المشاركين، بملابسهم التقليدية ذات الألوان الزاهية، بينما صدحت مكبرات الصوت بالأغاني والأهازيج التي امتدت أصداؤها إلى مختلف المدن. وقد حمل هذا المشهد مجموعة من الدلالات، في مقدمها أن الحياة الاجتماعية والثقافية للأورومو تستند إلى موروث راسخ قادر على الحفاظ على حضوره واستمراره على رغم ما يدور المن تصعيد أمني وسياسي.
وبهذا المعنى، بدا "إيريتشا" هذا العام أكثر من مجرد عيد تقليدي، فقد تحول إلى مشهد يعكس قدرة المجتمع على استعادة مساحات الفرح والاحتفاء بالهوية، حتى في ظل واقع سياسي متوتر، مؤكداً أن ما يجري في الميادين لا يتطابق بالضرورة مع ما يرسم على أرصفة السياسة أو ما تتوقعه التغطيات الإعلامية.