ملخص
يقدم الكاتب ديمتري ملكي والمخرج شادي الهبر مسرحيتهما الجديدة على مسرح أكت-مونو (بيروت) بعنوان "درجة تانية"، بطولة سمر صالح. وتأتي هذه المسرحية ضمن سلسلة أعمال "مسرح شغل بيت" لتكون مفاجأة جميلة للجمهور اللبناني بنصها وإخراجها وتمثيل سمر صالح الجميل المتوهج فيها.
بعيداً من الهموم الراهنة التي ينشغل بها المسرح اللبناني المعاصر من مسائل الحرب والطائفية والهجرة، تأتي مسرحية "درجة تانية" التي لا تتخطى الساعة لتكون قصة diva سوداء البشرة عانت طوال حياتها من تعامل المجتمع معها بتنمر وفوقية بسبب لون بشرتها. يقدم هذا العرض قصة الديفا السوداء البشرة، الناجحة في عملها، المتميزة بموهبتها وانتصاراتها الكثيرة، والتي على رغم طموحها وجمالها ورومانسيتها عاملها المجتمع على أنها إنسانة من الدرجة الثانية، وعاملها الوطن على أنها مواطنة من الدرجة الثانية، ليأتي عنوان المسرحية الرمزي المبطن "درجة تانية".
لكن البطلة ليست من الدرجة الثانية على الإطلاق، فهي في مونولوغها الذي تتحدث فيه إلى شخصية وهمية تروح تسرد انتصاراتها الشخصية والمهنية وتخطيها للظلم الذي تعرضت له في حياتها، إضافة إلى العنصرية اليومية التي تعانيها في حياتها الاجتماعية والشخصية والمهنية، تتعرض الديفا الموهوبة إلى ظلم الدولة اللبنانية التي ترفض منحها الجنسية اللبنانية على رغم أنها ولدت ونشأت وعملت ونجحت في لبنان، لكن هذه المسرحية ليست في أي موضع منها قصة صراع البطلة الداخلي والاجتماعي مع العنصرية، على العكس، هي قصة انتصارها واحتقارها للمتنمرين.
عرق يخوض معاركه
تعرض هذه المسرحية قصة فيها كثير من الواقعية محفوفة بحوادث التنمر والعنصرية العرقية والظلم المؤسساتي البيروقراطي اللبناني، لكن أجمل ما فيها أنها لا تتذمر ولا تثير التململ والضجر. يتميز نص هذه المسرحية بقوته وتوهجه وقدرته الذكية على الابتعاد عن الوعظ والاستعطاف. لا تظهر سمر صالح/ الديفا في أي موضع من العرض بموقع الضحية، على العكس، تظهر امرأة قوية شرسة تعرف قيمتها وموهبتها ولا تسمح لأحد بأن يحد من طموحها وقدراتها.
أجمل ما في هذا العرض أن الجمهور لا يشفق في أي لحظة على البطلة على رغم الظلم والتنمر والأحكام المسبقة التي تتعرض لها، على العكس، يجد المتفرج نفسه يعجب بهذه المرأة القوية الصلبة التي تسير جارفة معها كل الذبذبات المحيطة بها.
لا وظيفة تحررية catharsis للمسرح في هذا العمل، فالبطلة متحررة ومتصالحة مع نفسها وهي إنما تخبر قصتها بأنفة من انتصر وتعالي من أنهى المعركة لصالحه. الوظيفة التحررية في هذا العرض هي للجمهور، الجمهور الذي قد يكون على اطلاع على مسيرة العرق الأسود نحو التحرر هو الذي يحتاج إلى رؤية الأمور من منظار الآخر. تقدم هذه المسرحية للجمهور اللبناني الفرصة ليرى الأمور من وجهة نظر العرق الأسود المختلف و"المتنمر عليه" إنما من دون أن يطلب منه شفقته أو تعاطفه.
تبدو البطلة في هذا النص قوية منتصرة، فهي تخبر معاركها وكيف أن هذه المعارك لم تؤثر فيها لتربيتها المتينة وثقتها بنفسها والحب الكبير الذي عرفته في حياتها. من هنا تأتي الرغبة في تسليط الضوء على هذه المعضلة من باب جديد ومثير للاهتمام هو باب المرأة التي تخطت وفازت وهي تنصح الآخرين والأخريات.
يقوم بناء العرض على وتيرة كرونولووجية تصاعدية في التمثيل والأحداث والتذكر، ولا تسقط سمر صالح في أي موضع من العرض لا من جهة تمثيلها ولا من ناحية نبرتها، فهي لا تتردد في لحظات الغضب والصراخ أو الضحك، ولا تتواني في رفع صوتها ورصف كلماتها وجملها بسرعة عندما تدعو الحاجة، مما يحولها في مواضع كثيرة إلى كتلة هائجة من الغضب.
يتماشى التمثيل القوي في هذا العرض مع النص الصلب، ويلاحظ الجمهور أن المسرحية لا تقع في أي لحظة في أفخاخ الملل أو الرتابة أو التقصير أو الوعظ أو التوجه المباشر إلى الجمهور.
البطلة وظلها
أكثر ما يلفت في هذا العمل وجود ظل أسود (غسان قوجة) يكمل وجود البطلة ويكون بمثابة قرينة لها أو double يرافقها ويمشي خلفها ويكمل بحركاته وإيماءاته قصصها. يخلق هذا الظل البلاوجه والبلاهوية والبلاصوت تأثيراً رائعاً في العرض، فهو يمنحه أبعاداً جميلة ورمزية عميقة، يتحول إلى امتداد جسدي لفعل السرد، ويحول قصة البطلة من قصة امرأة إلى قصة العرق الأسود بأسره.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عدا عن هذا العنصر السينوغرافي المميز، تفتتح نينا سيمون المغنية الأميركية السوداء البشرة العرض بأغنيتها I feel good وهو خيار ذكي وماكر بالنظر إلى موضوع المسرحية. يختار المخرج أن يبدأ عرضه الذي يتناول قصة امرأة تعرضت للعنصرية والتنمر والظلم طوال حياتها بأغنية تؤدي المعنى المعاكس تماماً للمتوقع، لكن الجميل في خيار الأغنية هو تلاؤمها مع شخصية البطلة، فهذه الأخيرة لا تشكو من التنمر والعنصرية لأنها انتصرت عليهما وانتهت معركتها معهما.
يكمل ثراء العرض من خلال بعض الأغاني التي تمنحه كثيراً من الدفء والعمق منها مثلاً أغنية الديفا صباح "ساعات ساعات"، أو مقاطع من خطاب مارتن لوثر كينغ الشهير "لدي حلم".
لا يشبه هذا العرض ما يمكن أن يتوقعه الجمهور من مسرحية تتناول مسألة العنصرية في لبنان، فالممثلة لا تعظ ولا تبشر ولا تنوح، على العكس، يلاحظ الجمهور في مونولوغها وحركاتها كثيراً من الرفعة والأناقة والسمو مما يصغر تلقائياً فعل التنمر والعنصرية.
"درجة تانية" مفاجأة جميلة للجمهور اللبناني، تعالج مسألة العنصرية الاجتماعية والمهنية والمؤسساتية من وجهة نظر المتنمر عليه الذي انتصر وتحرر من نظرة الآخر وحوله هو إلى حال دونه مستوى. تجسد هذه المسرحية بنص ديمتري ملكي الصلب وإخراج شادي الهبر الذكي وأداء سمر صالح الجميل واقعاً قاسياً يخلف كثيراً من الجروح والدموع. وبينما يقول سارتر "الجحيم هي الآخرون" تأتي هذه المسرحية لتدمر الجحيم الذي يخلقه الآخرون، ولتضع محله صيغة جديدة هي صيغة التحرر والانتصار والصلابة الداخلية في مواجهة الصعوبات والتحديات الخارجية كلها.
لا يمكن أن يحكم المجتمع على المرء انطلاقاً من لونه، يجب أن يمضي هذا الزمن بلا رجعة، زمن العنصرية والتنمر على أساس اللون، ليصير الحكم على المرء من خلال إنجازاته ولما فيه من مزايا وخصال ومناقب، فكما كتب ديمتري ملكي "الناس مش ألوان، الناس ناس".