Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شرق عدن": هل يولد الشر أم يصنع؟

مسلسل جديد على "نتفليكس" مأخوذ من رواية بالاسم ذاته كتبها الأميركي جون شتاينبك عام 1952

الممثلة فلورنس بيو في دور استثنائي (نتفليكس)

ملخص

يبقى المسلسل اقتباساً جريئاً يعرف ما يريد، يتعثر أمام بعض أسئلة الرواية الكبرى، ويدفع ثمن انحيازه لبطلة واحدة، لكنه يمنح كاثي صوتاً لم تنله من قبل، ويترك سؤاله الأول مفتوحاً: هل يولد الوحش وحشاً، أم تصنعه وحوش أخرى ثم تتركه يقرر؟

"أؤمن بأن في هذا العالم وحوشاً تولد لأبوين بشريين"، بهذه الجملة تفتتح كاثي أيمز مسلسل "شرق عدن" (East of Eden) بصوتها، وتتركها معلقة فوق حلقاته السبع كأنها دعوى تنتظر من يرد عليها.

المسلسل مأخوذ من رواية بالاسم ذاته كتبها الأميركي جون شتاينبك عام 1952، قبل أن ينال جائزة نوبل للآداب. تدور أحداثها في وادي ساليناس بولاية كاليفورنيا، من الحرب الأهلية الأميركية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، وتتابع عائلتين: هاميلتون الإيرلندية المهاجرة، وتراسك التي يقودها الثري آدم.

العنوان مستمد من سفر التكوين، والحكاية في جوهرها إعادة كتابة لقصة قابيل وهابيل: أخوان يتنازعان محبة أب، وسؤال يطاردهما، هل نحن أسرى ما ولدنا عليه أم نملك أن نختار؟

وصلت الرواية إلى الشاشة قبل ذلك مرتين. الأولى فيلم عام 1955 أخرجه إيليا كازان، وكان جيمس دين في دور كال أول بطولة سينمائية له. اقتصر الفيلم على الجزء الأخير من الرواية تقريباً، ورشح لأربع جوائز أوسكار.

والثانية مسلسل تلفزيوني أنتجته شبكة "إيه بي سي" عام 1981، أما النسخة الجديدة فبدأت "نتفليكس" عرضها بداية الشهر الجاري، وكتبتها زوي كازان، حفيدة مخرج الفيلم، وأخرج غارث ديفيس حلقاتها الأربع الأولى ولور دو كليرمون تونير الثلاث الأخيرة، وصورت في نيوزيلندا. وتقول كازان إنها قرأت الرواية في مراهقتها، وظلت أسيرة لها منذ ذلك الحين.

اختيار هذه النسخة واضح منذ البداية: كاثي في المركز. الشخصية التي رآها القراء طويلاً أعقد ما كتبه شتاينبك، ورآها آخرون صورة كاريكاتيرية للشر الخالص، تمنح هنا طفولة وسياقاً وصوتاً.

ومع ذلك لا يخفف المسلسل من فعلها، فكاثي تحرق وتقتل وتترك أطفالها وتبقى كذلك حتى النهاية. الجديد أننا نرى هذه الأفعال قرارات اتخذت، لا قدراً مكتوباً، وهنا يلتقي العمل مع الفكرة التي تقوم عليها الرواية: "تيمشيل"، الكلمة العبرية التي يترجمها شتاينبك بـ"يمكنك"، أي أن الإنسان يختار حتى في أقسى الظروف. وتبقى مسألة تستحق التوقف: حين نمنح كاثي ماضياً مؤلماً، هل نوسع حريتها أم نضيقها؟ المسلسل يمشي على هذا الحبل بتوازن مقبول، ولا يسقط تماماً في أية جهة.

فلورنس بيو

تؤدي فلورنس بيو (Florence Pugh) دور كاثي، التي تصير كيت حين تنتقل إلى ساليناس، وتعتمد على جسدها قبل لسانها: نظرة محسوبة، ووقفة تصنعها بعناية لتري الآخرين ما تريد أن يروه. وتأتي لحظات تتشقق فيها الصورة، كمشهد في الحلقة الرابعة تجد فيه نفسها وحيدة فتنفض القناع عن جسدها كله. والخمر، نقطة ضعفها في الرواية، يحول حضورها إلى توتر قريب من أفلام الرعب.

 

 

ولفهم ما تضيفه بيو، يلزم أن نضعها إلى جانب من سبقها، في فيلم 1955 أدت جو فان فليت (Jo Van Fleet) دور كيت، صاحبة بيت الدعارة التي يبحث عنها كال ليعرف سبب تخليها عن العائلة.

كانت فان فليت قادمة من المسرح، وكان هذا أول أدوارها السينمائية، وبلغت الـ40 حين نالت عنه جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة مساعدة. لم تتح لها الحبكة الوقت الكافي، فقد حذفت مئات الصفحات من الرواية وبقيت لها مواجهة واحدة مع كال تحاول فيها تبرير نفسها، وفيها تصرخ "لأنني أردت!" بنبرة غريبة تتردد في الذاكرة. ما قدمته فان فليت كان خلاصة امرأة جاهزة، شرها قائم سلفاً، ولم يبق للمشاهد إلا أن يشهد عليه.

أما جين سيمور (Jane Seymour) في مسلسل 1981 فقد أتيح لها ما حرمته سابقتها: أن تبدأ من الطفلة الشريرة وتتتبع نموها إلى امرأة بالغة الخبث، وقد نالت عن الدور جائزة غولدن غلوب، ورأى بعض النقاد آنذاك أن الدور سيذكر باسمها لا باسم فان فليت. كانت كاثي عندها قوة طاغية، وحش مكتمل التكوين يتقدم بثقة نحو مصيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيو تقف في موضع ثالث، هي لا تبحث عن وحش جاهز كما في الفيلم، ولا تمنحنا صعوداً خطياً إلى الشر كما في المسلسل القديم. كاثي عندها ناجية تحتاط من عالم علمها ألا تثق به، تجمع الأسرار والمال والخدمات كما تجمع العصافير ما يلمع.

هي أصغر سناً وأكثر لمعاناً من الكاثي التي قدمتها النسختان السابقتان، وقد يؤخذ ذلك على العمل، وقد يقرأ خياراً مقصوداً لامرأة ترتدي جاذبيتها سلاحاً. وما يميزها أن الشر عندها ليس ما نعاين، بل ما نحاول أن نفهمه.

 

 

حول كاثي رجال العائلة، كريستوفر أبوت (Christopher Abbott) في دور آدم تراسك، الزوج الطيب الذي يراه شتاينبك رمزاً للخير الفطري، وهي شخصية يصعب تجسيدها من دون أن تبدو فكرة أكثر منها إنساناً. ومايك فايست (Mike Faist) في دور تشارلز، أخيه الذي يرتاب بكاثي منذ لحظتها الأولى. وتريسي ليتس (Tracy Letts) في دور سايروس، الأب الذي يفاضل بين ابنيه فيزرع بينهما عداوة تنتقل إلى الجيل التالي، وفي الطفولة يؤدي كوستا دانجيلو (Costa D'Angelo) دور آدم وتوم سويت (Tom Sweet) دور تشارلز.

ومن أكثر شخصيات العمل دفئاً هوون لي (Hoon Lee) في دور لي، الخادم الصيني المولود في أميركا والذي يعامله البيض كأنه غريب، وهو أكثر من في الحكاية قدرة على التأمل.

وسيرن هايندز (Ciarán Hinds) في دور صموئيل هاملتون، الجار الإيرلندي الذي يخوض مع لي نقاشاً فلسفياً حول "تيمشيل" هو أنضج لحظات العمل فكرياً. وتؤدي مارثا بليمبتون (Martha Plimpton) دور فايي، صاحبة بيت الدعارة التي تقترب منها كاثي في ساليناس. ومن المؤسف أن عائلة هاميلتون، التي كان لها حضور واسع في الرواية، اختزلت هنا إلى حد كبير.

ولا يخلو العمل من مآخذ، فحين تغيب كاثي عن الشاشة، وهي تحضر أقل في النصف الثاني، يشحب ما حولها. وبعض الحوار يقول ما كان الأجدر أن يترك للمشاهد، وعبارات مثل "أريد أن أكون صالحاً" تنطق حيث نعرف مسبقاً أن صاحبها يصارع خياراته. وتبدو الإضاءة في كثير من المشاهد خافتة أكثر مما تحتمله العين، ومشاهد الجنس والعري جافة عن قصد وكثيرة بما قد يضعف أثرها.

مع ذلك، يبقى المسلسل اقتباساً جريئاً يعرف ما يريد. يتعثر أمام بعض أسئلة الرواية الكبرى ويدفع ثمن انحيازه لبطلة واحدة، لكنه يمنح كاثي صوتاً لم تنله من قبل، ويترك سؤاله الأول مفتوحاً: هل يولد الوحش وحشاً، أم تصنعه وحوش أخرى ثم تتركه يقرر؟

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات